مجلة الرسالة/العدد 635/في بيتي. . .

مجلة الرسالة/العدد 635/في بيتي. . .

ملاحظات: بتاريخ: 03 - 09 - 1945



أحدث كتب العقاد

للأستاذ عبده حسن الزيات المحامي

(بقية ما نشر في العدد الماضي)

فإذا سأله صاحبه وهو يحاوره - وأكبر ظني أن هذا الصاحب ليس إلا العقاد نفسه أو شخصية اختلقها من خلقه على غرار ذاته -: (وكيف توفق بين الوجود الأمثل وبين الشرور والآلام في هذه الحياة؟) انفلت من هذا المأزق بقوله: (هذا سؤال غير يسير، لأننا نحن الفانين لن نرى إلا جانباً واحداً من الصورة الخالدة في فترة واحدة من الزمان، ومن يدرينا أن هذا السواد الذي يصادفنا هنا وهناك هو جزء لازم الصورة كلزوم النقوش الزاهية والخطوط البيضاء؟ بغير الألم والخسارة ما الفرق بين الشجاع والجبان وبين الصبور والجزوع؟) فإذا حلق عليه مجادله بهذا السؤال المحير الخالد: (أليس عجزا أن نشقى وفي الوسع ألا نشقى؟ أليس عيباً أن نقصر عن الكمال وفي الوسع أن يبلغ الكمال؟) لاذ المؤلف بإجابة صوفية (كلامية) فقال: (وكيف يكون في الوسع أن يكمل المتعددون؟ إنما يكون الكمال للواحد الدائم الذي لا يزول) ولكن صاحبه يضيق ذرعاً ويثور ثورة الإنسان في ضعف إنسانيته: (قل ما شئت، فليس الألم مما يطاق، وليس الألم من دلائل الرحمة وآيات الخلود الرحيم). فيطامن المؤلف من ثورته ويسكب عليها شآبيب الهدوء: (إن هذا لصحيح إذا كانت حياة الفرد هي نهاية النهايات، وهي القياس كل القياس لما كان وما يكون. لكن إذا كانت حياة الفرد عرضا من الأعراض في طويل الأزمان والآباد - فما قولك في بكاء الأطفال؟ إن الأطفال أول من يضحك لبكائهم حين يعبرون الطفولة، وإنهم أول من يمزح في أمر ذلك الشقاء، وليس أسعد الرجال أقلهم بكاء في بواكير الأيام. . . يا صاحبي هذا كون عظيم، هذا كل ما نعرف من العظم، فإذا لم نسعد به فالعيب في السعادة التي ننشدها، ولك أن تجزم بهذا قبل أن تحزم بأن العيب عيب الكون وعيب تدبيره وتصريفه وما يبديه وما يخفيه. ولك أن تنكر منه ما لا تعرف، ولكن ليس لك أن تزعم إنه منكر لأنه مجهول لديك) وعلى هذا النحو الصعب الذي يثير ملكات التفكير والنقد يقطع السائح أكثر رحلته وراء (ريس) معتز بقدرته، واثق من نفسه، يأبى إلا أن يقتحم قلل الصخور اقتحاماً، ولو كانت عنها ندحه من طريق سواء وسط ريح رخاء. على هذا النحو يعرض لفلسفة النسك، ويعترض للماركسية ودعوتها العلمية، ويعرض للنازية والفاشية والشيوعية، ثم يضرب بسهم واحد هذه الفلسفة الماركسية وهذا المذهب الشيوعي حين يقول: (فإن كان للنبوءات الماركسية فضل بعد هذا في ثورة الروس، فذلك هو الفضل المعكوس، لأن المؤمنين بها حاولوا تطبيقها كما آمنوا بها، فضيعوا عشرين سنة في هذه التجارب المخيبة، وضاعت معها ملايين الأرواح التي فنيت بالسلاح أو فنيت بالقحط والوباء، ثم آل بهم الأمر إلى إقرار ما أنكروه وحاربوه وقتلوا الملايين من أجله، وهو اقتناء الملك وإيداع المال في المصارف وتوريث الأبناء وإباحة الفروق في المعاش وإعلان العصبية الوطنية)

ولا يلهيه هذا عن التنديد بالجشع الذي يمتلك بعض الرأسماليين وينتهي إلى التبشير بالتعاون ترياقاً وحيداً، وهو (التعاون بين الأمم كبارها وصغارها، والتعاون بين الطبقات غنيها وفقيرها، والتعاون بين السلطات والتعاون بين الأفراد). ومن قبل رأينا العميد (ديجي) يعتنق مذهب التضامن الاجتماعي ويتخذه أساساً لكل تشريع، ولا يرى للفرد إلا حقاً واحداً، هو أن يمكن من أداء واجبه في تحقيق هذا التضامن

وبمثل هذا الدرس والتقصي يعالج العقاد مذاهب التصوير، ويتناول الإحساسيين باللوم المرير، وهذا إن لم تخني الذاكرة رأي له قديم سبق أن أبداه منذ نحو خمس عشرة عاماً في بعض (ساعاته بين الكتب) أو (مطالعاته)

- 2 -

وثانية الملاحظات التي أحب أن أدونها أني شعرت وأنا أقرأ هذا الكتاب شعورا قويا بأن العقاد محام من الطراز الأول لمحامي المذكرات المتفوقين؛ وقوته في المحاجة، ومصارعة الخصم تظهر على أتمها في القضايا الصعبة حين يكون مركزه أضعف المركزين، أو حين تكون النقطة التي يدافع عنها دقيقة مفتقرة إلى مجهود جبار في التجلية والبيان. إنه لم يحتج إلى عناء كثير لكي ينتصر على الدعوة الماركسية والمذهب الشيوعي، ولا احتاج إلى عناء كبير لكي يبرهن على الفشل الختامي للطريقة التي اتبعتها النازية والفاشية لحل أزمة البطالة بإنشاء طوفان من صناعات الحرب، ولكنه كان محتاجا إلى قوته الجدلية (فوق العادية) في مواقف أخرى كموقفه من أسئلة صاحبه المحرجة عما وراء الطبيعة وسر الوجود، وموقفه في الدفاع عن البومة المسكينة التي ظفر لها لأول مرة في التاريخ بحكم البراءة من تهمة النحس اللاصقة بها على الأجيال، وموقفه إزاء اعتراض صاحبه حين استمع إلى المفاضلة بين جمال الدين ومحمد عبده: قال العقاد إن الأول أعظم أثرا وإن الثاني أعظم نفسا. فسأله صاحبه بم، فأجاب (بالإيثار) فقال دهشا: (ومحمد عبده الذي تسنم المناصب ولم يحرم نفسه متعة الأبوة والزواج أعظم إيثاراً من جمال الدين؟) إن الاعتراض قد أصاب المحز وظن القارئ أن المحامي قد أسقط في يده، ولكن المحامي القدير مستعد بالجواب: (قلت: قد تكون العزوبة مزيداً من الاعتداد بالشخصية، وقد تكون الأبوة مزيدا من الإيثار)

- 3 -

وإذا كنت قد أحسست في بعض المواضع أني أمام محام قدير فإني قد أحسست في مواضع أخرى أني أمام قريحة فقهية متمكنة، فإن من خير مزايا الفقيه أن يميز بين المتشابهات، فلا تنبهم عليه الأمور حين تتشاكل. هذا الإحساس الدقيق بالفروق الناعمة ثم هذه القدرة الجبارة في تجلية الفروق و (تجنيب) كل مشتبه على حدة، هما أمران يطالعاننا في مواضع كثيرة من الكتاب وحسبي أن أسوق أمثلة وأشير إلى أخرى: اسمع إليه حين ينحى صاحبه باللائمة على الموسيقى الشرقية لأنها لا تصور المعاني ويندفع إلى حيث يقول: (إنما يسوغ التعبير الموسيقي في معاني المذاهب الفلسفية عند طبائع الغربيين ولا يسوغ عند طبائعنا نحن الشرقيين). فيجيبه العقاد: (لا أحب أن أظلم الطبائع الشرقية ولا أود أن أفرد الطبائع الغربية دون سواها بتلك الفضيلة. فإن الموسيقى الغربية لم تكن من قديم الزمان على هذا الطراز الذي نسمعه من بتهوفن وأمثاله. ولعلنا نقترب إلى الإنصاف وندنو من التحقيق حين نقسم الموسيقى إلى منهجين يختلفان باختلاف الذوق والبديهة ولا نقسمها إلى إقليمين جغرافيين بين أناس في الشرق، وأناس في الغرب، أو أناس في الشمال، وأناس في الجنوب).

ثم استمع إليه بين فضل عظماء الموسيقى إلى جوار عظماء السياسة والاجتماع: (لا تحسبنه حتما لزاماً أن يكون زعماء الاجتماع والسياسة أعظم من زعماء الفنون، لأن المعول على الكفاءة اللازمة للعبقرية لا على أثرها في مواطن الجاه والسلطان، وليست حاجة الناس إلى الشيء هي مقياس العظمة فيه لأن الناس يحتاجون إلى مقابل القمح ويستغنون عن اللؤلؤ والزمرد).

ثم تأمل حواره مع صاحبه في دلالة المطبخ على الأخلاق والتمييز بين (المطبخ الذي يستخدم للغذاء والذي يستخدم للذة الطعام) وتأمل تحديده لكنه التعصب الوطني المقبول من الفنان وتمييزه بين التشاؤم الباني والتشاؤم السلبي الهدام.

- 4 -

ومما يأخذ نظر القارئ لهذا الكتاب وفرة الصور المادية التركيبية التي يستغلها المؤلف للإيضاح والإقناع كقوله: (أليس الذين يتعجلون النعم، فيخيل إليهم أن ازدحامها خير من تفرقها وأجمع لمحاسنها يخطئون كما يخطئ الذين يتعجلون النغم فيحسبون أن مائة لحن في وقت واحد خير من اللحم الفرد وأوفى؟ شيء واحد في وقت واحد، وجميع الأشياء في جميع الأوقات، وهذا هو نظام العيش وقوام الجمال في كل نفع وكل سرور).

ومن هذا القبيل قوله في معرض الفصل بين عبقرية كاتب القصة أو (الرواية) على حد تعبيره المستحدث وبين مقدار محصوله في الرواية: (إن الحديقة التي تنبت التفاح لا يلزم أن تكون في خصبها ووفرة ثمراتها أوفى من الحديقة التي تنبت الجميز أو الكراث، ولكن الجميز والكراث لا يفضلان التفاح وإن نبتا في أرض أخصب من الأرض التي تنبته وتزكيه).

ونشير إلى مثل ثالث دون أن نقتبسه وهو مثل القطار المندفع إلى هاوية يصلها بعد زمن محسوب. وقد مثل بهذه الصورة للنتيجة الحتمية التي زعمها المذهب الماركسي، ولكن في هذا المثل تهكما عقادياً لاذعاً وسخرية قاتلة تقابلها مرة أخرى في هذا الحوار الخيالي البديع الذي افترض الكاتب وقوعه بين خريستوف كولمبوس، وبين موظف المكتب الشيوعي حين يستأذنه في الخروج لرحلة الكشف.

- 5 - ولكني أتأمل فيما كتبت فلا أجد إلا مدحا وتقريظا. ولقد عرف قاسم أمين قضاة حكموا ظلما ليشتهروا بين الناس بالعدل فإن ركبت شيئا من الحيف فليس طلبا لسمعة العدل وإنما هروبا من تهمة المحاباة. فلتدقق إذن عين النقد لعلها أن تظفر ببعض اللقى:

أ - لقد عرض المؤلف لقدرة الأمم على العمل والقول وقرر بحق إنه (لا تناقض بين القدرتين) ثم أرسلها قضية عامة حاسمة فقال: (انه لم توجد قط أمة عرفت كيف تعمل إلا عرفت كذلك كيف تقول) فهل النسبة محفوظة دائما بين القوتين؟ ولقد ضرب الأستاذ مثلا من أمة الإنجليز فقال إنهم في العصور الحديثة أطبع الأمم على مراس الواقع والعناية بالفكر العملي والخلائق العملية) ومع ذلك (فليس هناك أمة من جيرانهم ومنافسيهم سبقتهم في مضمار الشعر، وأنجبت نصف من أنجبوه من عباقرة الشعراء).

ولا اعتراض لي على هذا المثل ولكن ما الرأي في أمة اليابان؟ أترى عندها من (منتجات القول) ما يتكافأ وما عندها من منتجات العمل؟ وإذا وازنا بينها وبين الصين والهند من هذه الناحية فهل نصل إلى حل يعزز الأمثلة التي أوردها الأستاذ؟

ب - وأمر آخر: لقد سبق إيراد المفاضلة بين الأفغاني ومحمد عبده، ولكن المؤلف لم يقم الحجة في كتابه على هذا الترجيح أي ترجيح الثاني من جهة العظمة النفسية، وحين سبق إلى المؤلف اعتراض صاحبه الوجيه تخلص منه مجرد تخلص بارع ولكنه لم يهدم قوة الاعتراض. وأنا أعلم أن الرحلة سريعة وان حيز الكتاب ضيق، وأن الأستاذ المؤلف يود أن يخرج كتابا مطولا عن محمد عبده، - ولكني أرى بالرغم من ذلك كله أن واجب الإنصاف لشخص جمال الدين كان يقتضي المؤلف الإدلاء بحجته ما دام قد عرض للأمر وأدلى فيه بحكم.

ولم يفضل المؤلف محمد عبده من هذه الناحية على الأفغاني فقط، ولكنه فضله كذلك على سعد زغلول. وإني لأحس في دخولي بين سعد والعقاد فضولا فحسب؛ والعقاد كتابه الخالد عن سعد، ولكني مع ذلك ظللت من الوجهة العلمية جاهلا بحيثيات الحكم فغير مسلم به. هل يكتب لهذا الاعتراض أن يكون استحثاثا للأستاذ الكبير أن يسرع في إخراج كتابه عن الأستاذ الإمام فنقرأ فيه بيان هذا التفضيل؟

ج - وعرض الأستاذ للتفسير السيكولوجي لمؤيدي الشيوعية فرد تأييدهم إلى الحسد والحقد وفسر بذلك أن (يكون فلان من الشيوعيين وهو سليل بيت قديم وصاحب مال موفور فإنه يحسد أمثاله وينقم على الدنيا لأنه لا يحسب فيهم حين يحسب ذوو الكلمة أو ذوو الرأي أو ذوو المنصب والجاه) - وهذه نظرة صائبة دقيقة ولكنها لا تفسر لنا شيوعية بعض الناجحين الذين طالوا من المجد والمال وبعد الصوت والنفوذ وما يحسدهم عليه أناس أجدر منهم، ثم لا يكون الحاسد شيوعيا، ويكون المحسودون شيوعيين. وأغلب الظن أن هؤلاء يتاجرون ليصبحوا أدنى إلى أفئدة الجماهير ومهوى قلوب وأصوات الجماعات فهي نزعة ديماجوجية يراد بها مزيد من الشهرة وفضل جديد من السلطان.

د - وقد سبق إيراد المثل الخاص بسنابل القمح واللؤلؤ ولكن نفاسة اللؤلؤ ليست نفاسة ذاتية وإنما هي نفاسة نسبية وعرضية مردها الندرة؛ فلو أصبح اللؤلؤ في كثرة السنابل فما أظنه يحتفظ بنفاسته الحالية، ولو أصبحت السنابل في ندرة اللؤلؤ لجاز أن تظفر بمثل نفاسته.

هـ - ونعى على القصص والروايات قلة محصولها مع كثرة أداتها، ومثل ببعض الصور الرائعة التي تضمنها بيت واحد من الشعر (وأن خمسين صفحة من القصة لا تعطينا مثل محصوله).

وليس لي ما ألاحظه في هذا الشأن إلا إنه غير منطبق على نوع خاص من الأقاصيص يضخم مغزاه ويكثر محصوله في حين أن أداته قصيرة قليلة كخرافات (إيزوب) و (لافونتين).

ووهذا الانتقاد الختامي لا أعرف إلى من أتوجه به، فإن الأخطاء المطبعية كثيرة وقد أصبحت كالبقعة وسط هذا الكتاب القيم النفيس ووسط هذا الورق الأنيق؛ لقد أحصيت بين صفحتي 90 و132 نحوا من اثنتي عشرة غلطة، وليس هذا نقصا كبيرا ولكنه نقص في حق القادرين على التمام.

عبده حسن الزيات المحامي