مجلة الرسالة/العدد 647/المرأة والسياسة

مجلة الرسالة/العدد 647/المرأة والسياسة

ملاحظات: بتاريخ: 26 - 11 - 1945



للأستاذ سعيد الأفغاني

(يطيب للصحف والمجلات في هذه الأيام، أن تغرق في

مجاملة المرأة الخارجة عن أنوثتها، الساخطة على الطبيعة

التي فيها لكل كائن عمل خاص. وكان حق المرأة على هؤلاء

أن يأخذوا بيدها إلى ما يسعدها من علم وخلق والى ما يعزها

في المجتمع سيدة بيت ومربية أجيال وكان من حقها أيضاً

على من يزعم نصرتها أن يمسكها عن أن يهوى بها الطيش

في مكان سحيق وتفقد ما لها من حرمة هي ملاك أمرها كله

في المجتمع.

وآخر ما قرأت دعوة متطرفة تذهب إلى وجوب تولية النساء الوزارات والإدارات، نصيبها من ذلك نصيب الرجال سواء بسواء. والفكرة ظاهرة التهافت، وقد سبق لأقلام بليغة في مجلتنا (الرسالة) أن أظهرت زيفها وبهرجتها فما بنا إلى معالجة من عودة، وإنما نذكر هنا نصيبها من ممارسة الشئون العامة في صدر تاريخنا فقي هذا النصيب لها مجد وأمن واعتدال.

الحكم في هذه القضية لسنة الله في المرأة، وما فطرها عليه من خصائص (فسيولوجية) وعاطفية وفكرية: خصائص قاهرة لا يد للإنسان في تحويرها إلا حين يستطيع تحويراً في تركيب الدماغ وبنية خلاياه، أو حين يبدل في وظائف الأعضاء.

إنها فوارق بين الرجل والمرأة أزلية أبدية، اقتضتها الحكمة العميقة الطبيعية التي تعنى بالتمييز الدقيق عناية تتطلبها عمارة هذا الكون القائمة على تقسيم الأعمال والوظائف، وتيسير كل من الكائنات إلى ما يلائمه وخلق له. وكل مجتمع يحاول بناته إلغاء تلك الفوارق الواضحة بين أعمال الجنسين وتجاهل السمات البينة، فمصيره إلى الاضطراب والفساد: لأن في ذلك ثورة على الطبيعة، وما كان ثورة على طبائع الأشياء فمنه الضرر كل الضرر، ولا يرجى له دوام، وان خيل لبعض الأفراد والجماعات (سطحية في تفكيرهم أو تعصبا لمذهبهم) إمكان الاستمرار عليه.

والطبيعة في هذا حكمها واحد لا يختلف باختلاف الأمم ولا باختلاف الإعصار والأمصار، ولا بتفاوت (البيئات) رقيا وانحطاطا ولا بتغاير الأفراد تربية وثقافة.

المرأة ربة لسرة وسيدة بيت، فمهما احتلت لتخرجها عما خلقت له من رعاية أطفال وتسلية أزواج وتدبير منزل. . . فإنما تحاول خرقاً لقانون طبيعي، إن أنت وفقت إلى إطالة هذا الشذوذ أزماناً فلن يخرجه العهد الطويل ولا العرف المنحرف عن أن يكون شذوذاً يقذى العين ويصدم الفؤاد.

فمن البداهة إذاً أن تكون قيادة الجيوش وإدارة المصالح وتدبير الممالك وسياسة الناس. . . فمن الرجال الخاص، كما أن الأمومة وتدبير المنزل فن نسوي محض.

ولئن حفظ التاريخ شواهد كثيرة في قيام المرأة بشؤون السياسة والإدارة، أني لا أجد في هذه الشواهد كلها ما يمس هذه القاعدة؛ بل أقرر أنها كلها تؤيدها. ولأي مثقف كان أن يسرد ما في ذهنه من ملكات أو قائدات أو زعيمات أو مدبرات ممالك، أو نائبات في المجالس. . . الخ يستقري أحوالهن واحدة واحدة ويمعن بها حف بهن. . . فسيدرك أن أكثرهن كن مسيئات بتصرفهن، عدن على بلادهن بأسوأ العواقب.

(وإذا زعم بعضهم أن حكومات النساء في بعض مماليك أوروبا كانت أرقى من حكومات الرجال، فذلك لأن حكومات النساء أدارها الرجال من وراء حجاب، و (الأمر) على العكس في حكومات الرجال: كثرت فوضاها في بعض الأدوار لأن النساء كن يدرنها في غفلة عن الرجال. . . وكن إذا تدخلن أمور الدولة تميل إلى الانحطاط؛ ولذلك كان عقلاء الملوك يحظرون على نسائهم الاشتراك فيما لا شأن لهن فيه من أمور السياسة. . .)

(وبعد فلماذا لم يقل لنا المنادون بإعطاء المرأة حقوقاً (سياسية) على مثال الرجال: كيف تمسى حال البيوت بعد انقلابهم الذي يتوقعونه؟ لا جرم أن الشقاء سيخيم على كل أسرة يشتغل رباتها خارج بيوتهن، اللهم إلا إذا كان في النية أن يعمدوا إلى دفع أولادهم إلى الحكومات تربيهم تربية مشتركة كأنهم بعض اللقطاء من أولاد النغول: لا يذوقون في هذه الملاجئ طعما لهناءة البيوت ولا يرون أثراً للروابط الروحية بين الأولاد والأبوين).

الحق أن الإدارة والسياسة تقتضيان بعداً في التفكير، وسداداً في المنطق، وحساباً دقيقاً للعواقب، وصبراً مضنياً وضبطاً للعواطف وكبحاً للأهواء. . . إلى صفات كثيرة كلها يعوز المرأة. فلا عجب أن كان اضطراب الأمور وتدخل المرأة في السياسة قرينين في التاريخ لا يفترقان إلا حين يدبر الأمور للمرأة وزراء حصيفون من وراء ستار. ومع هذا فقلما خلت امرأة - مهما حف بها من فحول محنكين - من طامع فيها مستغل لضعفها. وما اكثر ما حفظ التاريخ من عروش كان الغرام هو الحاكم في ممالكها.

وهناك كلمة متداولة منذ القديم، لا شك في أنها عصارة التجارب على الزمن، وهي قولهم: (المرأة ريحانة وليست بقهرمانة.)

ويعجبني في ذلك حكم أصدرته الكونتس أف أكسفورد:

(. . هل تستطيع أن ترى امرأة صائرة إلى منصب رئيس وزارة؟ أني لن أستطيع أن أتصور نكبة أعظم من وضع هذه (الجزر البريطانية تحت قيادة إحدى النساء في شارع داوننج رقم 10)

ولقد سارت أمم غربية راقية في أوربا وأمريكا خطوات فسيحة في إنالة النساء حقوقاً سياسية، فما أظفرها ذلك بطائل بل كانت نتيجة التجربة أن ضج عقلاؤهم من تلك الأوضاع الشاذة، الخارجة على الفطر السليمة.

وليس في تاريخ العرب ببدع في تواريخ الأمم، فالحكم واحد كما أسلفنا، فحيث رأيت انحطاطاً في إدارتنا أو تقهقراً في سياستنا ففتش عن المرأة.

وكتابنا هذا (عائشة والسياسة) فيه أكبر عبرة في هذا الموضوع، ولم ينجنا من العاقبة الوخيمة: عاقبة دس النساء في السياسة، أن كانت الزعيمة هنا متحلية بمزايا عبقرية قل أن يحوي مثلها رجال عديدون، ولم ينجنا كذلك رغبتها القوية في الإصلاح ولا انطواؤها على الخير للمسلمين.

والعرب يتداولون منذ فجر الإسلام حكمة الرسول عليه الصلاة والسلام: (لن يفلح قوم اسندوا أمرهم إلى امرأة.)

إذا أنت جاوزت السياسة إلى الجهاد في الإسلام، رأيت المسألة تختلف بين يديك، إذ تجد انه ليس لأحد أن يحرم المرأة شرف الجهاد، وأنها هي والرجل سواء في المطالبة به، كل بحسب استعداده واختصاصه: فالرجال للقتال والمرأة لتمريض الجرحى والعناية بشئون الجيش من نحو إسقاء وإطعام وغسل وخياطة. . .

ثم هي مع ذلك كله تحمس المقاتلين وتبصرهم العواقب السيئة التي تنتظرهم في أنفسهم وحرمهم إذا هم تهاونوا في الدفاع.

وللمرأة العربية في هذا الميدان الموقف المحمود الذي لا يجاري، كانت فيه مضرب الأمثال بشجاعتها وحسن بلائها وأخلاصها. وعلى هذا درجت في جاهليتها من قبل أيضاً فكان إليها في الحروب التمريض والعناية بالجرحى وسقى الماء وتحميس المحاربين.

جاء الإسلام ففتحت عينيها - لما أظلتها رايته - على رجال غير الرجال، ومجتمع غير المجتمع، ودين غير الدين، فكانها نشطت من عقال، فشمرت عن ساعدها، وأخذت من هذا الدين الجديد نصيبها الأوفى، وكان شكرها لله على نعمته هذه شكراً عملياً:

قاست في أوله ما قاسى الرجال من عذاب وهجرة واضطهاد وأذى، ثم انتظمت في صفوف المقاتلين إعلاء لكلمة الحق، وذوداً عن دين الله ورسوله، فقاسمت الرجل شرف الجهاد وآبت بثوابه وكرامته، وليس بعد بذل الروح غاية في الشكران.

صحب رسول النساء في مغازيه، وأبلين معه البلاء الحسن، فكن نعم المعينات للمحاربين: يداوين جرحاهم ويحملن الماء في القرب يسقينهم، ويتعهدن أطعمتهم وملابسهم وقربهم، وكن حين الحاجة يمارسن القتال.

ثم تتابعت المواقف المأثورة للمرأة من بعد الرسول، ولن ينسى أحد جهاد خولة بنت الأزور أخت ضرار في فتوح الشام وحسن بلائها في الروم، ولا موقف الخنساء في يوم القادسية وكانت واحدة من كثيرات:

ذكر الطبري أن أم كثير امرأة همام بنت الحارث النخعي قالت: (شهدنا القادسية مع سعد (بن أبي وقاص القائد العام) مع أزواجنا، فلما أتانا أن قد فرغ من الناس شددنا علينا ثيابنا، وأخذنا الهراوي ثم أتينا القتلى: فما كان من المسلمين سقيناه ورفعناه، وما كان من المشركين أجهزنا عليه، وتبعنا الصبيان نوليهم ذلك ونصرفهم به).

وإذا كانت هذه الوقعة من الخطر بحيث أنها هي الفاصلة بين العرب والفرس، وأنها لها ما بعدها، استعدت لها القبائل بكل ما تطيق، حتى إن التاريخ ليذكر لقبيلتين من القبائل فخراً خالداً إذا أخرجتا نساءهما معهما، فكان في قبيلة النخع - على ما يذكر الطبري - سبعمائة امرأة لا زوج لها، وفي قبيلة بجيلة ألف امرأة، تزوجن جميعاً في هذه الحرب، وكانت النخع تسمى: (أصهار المهاجرين).

لقد شرع الرسول لمن بعده الاستعانة بالنساء في الجهاد، وأثابهن عليه من الغنائم، ودرج خلفاؤه من بعده على سنته، حتى إذا انقضى عهد الراشدين، وخف علم الناس بالسنة، شك بعضهم في هذه الاستعانة، فكتب نجدة بن عامر الحروري إلى ابن عباس يسأله:

(هل كان رسول الله يغزو بالنساء، وهل كان يضرب لهن سهما؟)

فكتب إليه ابن عباس:

(كتبت إلي تسألني: هل كان رسول الله يغزو بالنساء؟ وقد كان يغز بهن فيداوين الجرحى ويحذين (يعطين) من الغنيمة)

كل ما تقدم من استحباب خروج النساء ليشاركن الرجال شرف الجهاد وهو في حال الفتح والهجوم، حين يكون الجهاد فرض كفاية على الرجال أنفسهم؛ فأما إذا انعكس الأمر وهاجم العدو بلاد المسلمين أو احتلها، فحينئذ يصبح الجهاد فرض عين على كل مسلم ذكراً كان أم أنثى، لا يستثني من هذا الفرض صبي ولا امرأة ولا رجل.

ونصوص الفقهاء - إزاء هذه الحالة - متضافرة على أنه يجب المرأة أن تخرج للقتال بلا إذن زوجها

وبذلك يصبح التكليف والوجوب بدرجة واحدة على الرجال والنساء والصبيان والأحرار والعبيد (يوم كان العبيد بعض الناس) لا يستأذن أحد أحداً في تأدية هذا الواجب

من شأن السياسة المزالق الخفية والأخطار الكامنة، فهي على المرأة حرام صيانة للمجتمع من التخبط وسوء المنقلب؛ أما الجهاد فطريق لأحبة عواقبها مأمونة وفوائدها مضمونة، فللمرأة أن تنال من هذا الشرف نصيبها الأوفى

ليتنا في غمراتنا اليوم نسترشد بتجارب الماضي، ونسير غير متخبطين: نبصر مواطئ أقدامنا ونتقي المزالق ونجند كلا في ميدانه الذي لا يصلح لغيره. لقد تداعت علينا الأمم وطمع فينا حتى (الصهاينة) من شذاذ الآفاق، وغزينا في أخلاقنا وبلادنا وأموالنا. . .

وليس في جهودنا فضل ننفقه في رد العابثين عن عبثهم، فليتق الله حملة الأقلام، وليصونوا الشاردات عن القطيع وليرجعوا بهن عن طريق وضعن أقدامهن في أوله، وما آخره إلا مستقبل أسود حالك للأنثى أولا، ثم خراب البيوت وهدم الأسر وارتكاس المجتمع، وموت كل كرامة إنسانية!

(دمشق)

سعيد الأفغاني