مجلة الرسالة/العدد 647/من محاسن التشريع الإسلامي

مجلة الرسالة/العدد 647/من محاسن التشريع الإسلامي

مجلة الرسالة - العدد 647
من محاسن التشريع الإسلامي
ملاحظات: بتاريخ: 26 - 11 - 1945



للأستاذ حسن احمد الخطيب

- 6 -

اليسر ورفع الحرج

من أبين خصائص التشريع الإسلامي، وأبرز محاسنه ومزاياه يسر أحكامه، وبسهولة تكاليفه، ومسايرة أوامره ونواهيه للطبيعة البشرية، والفطرة الإنسانية، التي لم يمسسها دنس ولا رجس، ليس في ذلك شيء يعنتها، ولا حكم يشق عليها؛ ولا غرو، فهي شريعة الرحمن الرحيم، وتنزيل من الخبير العليم، ووحي وهداية من العزيز الحكيم، وتفصيل وبيان من رسوله الصادق الأمين، الذي هو بالمؤمنين رءوف رحيم.

والآيات القرآنية في ذلك المعنى مستفيضة: قال الله تعالى (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) وقال: (يريد الله بكم اليسر، ولا يريد بكم العسر)، ولما شرع الله - جلت حكمته - التيمم عند عدم وجود الماء أشار إلى حكمة ذلك التيسير والتخفيف في قوله في سورة المائدة: (وإن كنتم مرضى، أو على سفر، أو جاء أحد منكم من الغائط، أو لامستم النساء، فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه، ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج، ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم، لعلكم تشكرون)، كذلك قال الله - جل شانه - في سورة الحج: (وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم، وما جعل عليكم في الدين من حرج).

ومثل ذلك الأحاديث، فإنها جمة متضافرة على هذا المعنى، فمن ذلك ما رواه الإمام أحمد في مسنده: (أحب الدين إلى الله الحنفية)، وفي شمائله : (ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثما).

وحسبك في ثبوت هذه المزية، ورعاية الإسلام لها، والبناء كثير من الأحكام عليها أن عدت أساساً من أسس التشريع الإسلامي، وقاعدة من قواعده، التي عول عليها فقهاء الإسلام، وعلماء النشر، والقائمون بالاجتهاد فيه، فراعوا اليسر، ورفع الحرج فيما استنبطوه من الأحكام، ووضعوا تلك القاعدة التشريعية التي جمعت بين وجازة اللفظ، وإصابة المعنى، واستحصاد الرأي، وهي قولهم: (المشقة تجلب التيسير).

بتلك القاعدة شرعت أحكام كثيرة، روعيت فيها طبيعة الإنسان، وقوة احتماله، وما يناسب غرائزه وجبلته وقدرته: فلم تجب الزكاة إلا إذا بلغ المال نصابا، ولم يجب إلا جزء يسير منه كربع العشر، وكره أو حرم الطلاق والمرأة حائض، حتى لا تطول عليها العدة، ووجب على الحائض قضاء الصوم دون الصلاة، رفعا للحرج، وفرض الحج في العمر مرة: نقل العلامة أبو السعود عند تفسير قوله تعالى: (يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم) أن عليا رضي الله تعالى عنه قال: خطبنا رسول الله ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله كتب عليكم الحج، فقام رجل من بني أسد يقال له عكاشة بن محصن، وقيل هو سراقة بن مالك، فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ فأعرض عنه، حتى إعادة مسألته ثلاث مرات، فقال رسول الله: ويحك! وما يؤمنك أن أقول نعم؟ والله لو قلت نعم، لوجبت، ولو وجبت ما استطعتم. . . فاتركوني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بأمر فخذوا منه ما استطعتم، إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه). وعلى هذه القاعدة انبنت جميع رخص الشرع وتخفيفاته. وللكثرة الكثيرة المتفرعة عليها من أحكام الفقه ومسائله قيل إنه يرجع إليها غالب أبواب الفقه.

وقد ذكر العلماء للتخفيف أسباباً، ومنها:

1 - المرض، ومما يتعلق به جواز التيمم للمكلف عند الخوف على نفسه، والقعود في صلاة الفرض، والفطر في رمضان، والإنابة في الحج بشروطه، وإباحة محظورات الإحرام في الحج مع الفدية، وإباحة النظر إلى العورة للطبيب.

2 - السفر، ومما يتعلق به قصر الصلاة الرباعية، والفطر في رمضان، وترك الجمعة والعيدين.

3 - العسر وعموم البلوى: كوجوب الصوم شهراً في السنة، والحج في العمر مرة، ووجوب ربع العشر فقط في الزكاة تيسيراً - على ما سبق ذكره - وأكل الولي أو الوصي من مال اليتيم بقدر أجرة عمله، وإباحة النظر للمرأة عند الخطبة، ومن ذلك مشروعية الطلاق لما في البقاء على الزوجية المشقة والعنت عند تنافر الأخلاق، وتعذر المعاشرة بالمعروف، ومشروعية الوصية عند الموت ليتدارك الإنسان ما فاته من البر في حال حياته، ونفذت في الثلث دون ما زاد عليه دفعاً لضرر الورثة، حتى إذا لم يكن هناك وارث نفذت ولو كانت بكل المال. ومن التيسير في عموم البلوى إسقاط إثم الخطأ عن المجتهدين، والاكتفاء منهم بالظن، إذ لو كلفوا الأخذ باليقين لشق عليهم الوصول إليه.

4 - النقص، وهو نوع من المشقة، لأن النفس مجبولة على حب الكمال فناسب التخفيف في التكليف. ومما ترتب على ذلك عدم تكليف المجنون والصبي، وعدم تكليف المرأة بعض ما يجب على الرجل، كالجهاد إذا لم يكن النفير عاماً.

وفي معنى القاعدة المتقدمة قول الشافعي: (إن الأمر إذا ضاق اتسع)، وقول أئمة الحنفية: التسهيل يراعى في مواضع الضرورة والبلوى العامة.

هذا التيسير في التشريع، وهذه الرخص التي أتت بها الشريعة تخفيفاً على العباد في مواطن الحرج والمشقة - إحدى مزايا الإسلام وتشريعه مما يعد آية على أنه جاء رحمة للعالمين.

- 7 -

مراعاته مطالب الجسد والروح

كذلك من مزايا التشريع الإسلامي توفيته بمطالب الجسد والروح معاً في حدود الاعتدال، فهو وسط جامع لحقوق الجسد والروح، ومصالح الدنيا والآخرة، (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيدا).

فالإسلام بتعاليمه، ووصاياه وتشريعاته - جعل المسلمين وسطا بين الذين تغلب عليهم الحظوظ الجسدية، والمنافع المادية، وبين الذين تغلب عليهم التعاليم الروحية، وتعذيب الجسد، وإذلال النفس، كما يتجلى ذلك مما أسلفنا ذكره وبيانه في المميزين الرابع والسادس، وتلك مزية أخرى من مزايا الإسلام وتشريعه، تشهد له بمراعاته الفطرة الإنسانية السليمة، وبتحقيقه مصالح العباد، وتهيئة أسباب السعادة لهم في الدنيا والآخرة.

(يتبع)

حسن أحمد الخطيب