مجلة الرسالة/العدد 651/الصهيوني الأول

مجلة الرسالة/العدد 651/الصهيوني الأول

ملاحظات: بتاريخ: 24 - 12 - 1945



(مهداة إلى الأقلام النبيلة المجندة لنصرة فلسطين)

للأستاذ سعيد الأفغاني

بات العرب في مشارق الأرض ومغاربها في هم مقيم مقعد من خطر الصهيونية بفلسطين، ومن كفر ساسة الإنجليز والأمريكان بالضمير والإنسانية. ولقد حق لهم ذلك فإن في أرث غريزتهم التاريخية - من حيث لا يشعرون - علم ما تكن الصهيونية من قوة على الشر، وعبقرية في تهديم مثل الخير والحق وما تستتبع من شرور آخذ بعضها بحجز بعض، وبعض هذا كاف في تبرير عمهم وفزعهم.

وجميع الباحثين في تاريخ هذا الجرثوم الخبيث يردون نشأته إلى القرن الثامن عشر، لا يرقون إلى ما قبل ذلك؛ فما قول القارئ الكريم إذا عرف أن العرب بلوا بفتك هذا الدار منذ أربعة عشر قرناً؟ وأن عبقريته الهدامة فعلت فيهم فعلها الخبيث وبقوا يعانون آثارها السرطانية في وحدتهم الدينية والقومية حتى يوم الناس هذا

وظاهر أني عينت أعظم مأساتين في تاريخ المسلمين: مقتل عثمان وحرب الجمل، وأكثر المؤرخين يوزعون التبعة بين بعض الزعماء غافلين عن روح الشر وبطل الفتنة، والقليل منهم ممن انتبه إلى عامل الحقيقي جعل له نصيبا ثانويا في تأريث الشر. أما إنا فقد خرجت من يجئ بيقين لا يعدله يقين إلى أنه كان في الفتنتين جميعا عامل أولى واحد هو هذا الصهيوني الأول، وإليك البيان منتزعا من كتاب أعده عن (عائشة والسياسة) بعد ذكر الحوادث المعروفة.

في مأساة عثمان

رأيت من الخير قبل أن أنتقل إلى مآتي السيدة عائشة بعد عثمان أن أنبه إلى سبب هام أعزم إليه تبعه هذه المأساة، مأساة عثمان التي ذهبت ضحيتها وحدة المسلمين فلم يجتمعوا بعدها قط. أودع أيام عثمان مقرراً: أن ما بذكر المؤرخون من التبعات على بعض الصحابة كعلي وطلحة والزبير وعائشة. هو - بعد التمحيص - من التبعات الثانوية. أما أقوى الأسباب التي أرثت الشغب وهاجت الاضطراب وبذرت الشرور وأوقدت الفتنة؛ ف مؤامرة واسعة منظمة محكمة، سهر عليها أبالسة خبيرون، وسددوا خطاها وتعهدها في جميع الأقطار حتى آتت ثمرها. ولم تلق هذه المؤامرة من عامة المؤرخين ما تستحق من التوضيح والاهتمام

وأنا أجزم أن الأسباب التي يذكرونها كلها، والتبعات التي يوزعونها بين من ذكرت ومن لم أذكر. . . لن تقوى مجتمعه على أن تسامي هذا السبب الهام الذي أشرت إليه؛ بل أجزم أنها جميعاً عناصر (ثانوية) لم تكن لتنتج شيئاً لولا هذا الجو الذي هيأه إبليس هذه المؤامرة عبد الله بن سبأ المعروف بابن السوداء. وأبعد من هذا، أني أومن أشد الإيمان بأنه لو لم يسكن شئ قط من هذه المساعي التي يذكرونها، لكان عمل ابن السوداء وحده كافياً في بلوغ النتيجة المشؤومة نفسها.

عبد الله بن سبأ يهودي من صنعاء أمه سوداء، تظاهر بالإسلام على عهد عثمان، ثم اندفع متنقلا في البلدان الإسلامية باذراً الضلالات والشرور في هذا المجتمع السليم. وهو رجل على غاية الذكاء وصدق الفراسة والنظر البعيد والحيلة الواسعة، والنفاذ إلى نفسية الجماهير، أقطع أنه أحد أبطال جمعية سرية مخيفة غايتها تقويض الدولة الإسلامية والقضاء على الإسلام وأكاد أظن أن هذه الجمعية تعمل (لحساب) دولة أجنبية. هي دولة الروم التي انتزع منها المسلمون لسنوات قريبة قطرين كبيرين واسعين غنيين: مصر والشام

والغريب الذي لم أقض منه عجباً نشاط هذا الرجل قد اتسع لتعهد ميادين مختلة هي الميدان الديني، والميدان السياسي، والميدان الحربي.

لقد أراد نسف العقيدة الإسلامية من أساسها حين اختلف للمسلمين عقيدتين غريبتين: الرجعة والوصاية. وقد حفظ لنا الطبري بعض نصوص تعاليمه، فمنها:

(العجب ممن يزعم أن عيسى يرجع ويكذب بأن محمداً يرجع وقد قال الله: (إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد) فمحمد أحق بالرجوع من عيسى، فقبل ذلك منه ووضع لهم الرجعة فذاعت في المجتمع. ثم قال لهم بعد ذلك: (إنه كان ألف نبي، ولكل نبي وصي، وكان علي وصي محمد. . ومحمد خاتم الأنبياء، وعلي خاتم الأوصياء).

ثم أنتقل خطوة بعد هذا التمهيد؛ فجمع بين إفساد الميدان الديني والسياسي في إذاعة قوله: (فمن أظلم ممن لم يجز وصية رسول لله ووثب على وصي رسول الله وتناول أمر الأمة).

ثم قال بعد ذلك لأتباعه: (إن عثمان أخذها بغير حق، وهذا وصى رسول الله فانهضوا في هذا الأمر فحركوه وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا الناس وأدعوهم إلى هذا الأمر). وهكذا دخلت تعاليم هذا المفسد الذكي قلوب الناس إذ تلطف لهم؛ فجاء من الجهة التي تحن لها قلوبهم، وتهواها أهواؤهم.

لقد طاف الأقطار العربية قطراً قطراً، بدأ بالحجاز باثاً ضلالته، ثم انعطف إلى الشام والشام يومئذ بصير بأمره معاوية بن أبي سفيان، الذي فطن إلى خطره فأبعده؛ إلا أنه على حذره أصابه رشاش من إفساده. والطبري يزعم أن ابن السوداء (لم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام فأخرجوه حتى أتى مصر).

والصحيح أنه قدر، وزرع، وحرك على معاوية صحابياً جليلاً أذعن عامة الشاميين لأقواله حتى أضطر معاوية الداهية الحليم إلى أن يطلب من الخليفة عثمان إخراجه من الشام، ذلك هو أبو ذر الغفاري وحادثه معروف مشهور، وهذا الطبري نفسه يتولى قص الحادث:

(لما ورد ابن السوداء الشام لقي أبا ذر فقال (يا أبا ذر ألا تعجب إلى معاوية يقول: (المال مال الله، ألا إن كل شئ لله!!) كأنه يريد أن يحتجنه دون المسلمين ويمحو اسم المسلمين؟ فأتى أبو ذر معاوية فقال له: (ما يدعوك إلى أن تسمي مال المسلمين مال الله؟) قال معاوية: (يرحمك الله يا أبا ذر، ألسنا عباد الله، المال مال الله، والخلق خلقه، والأمر أمره؟؟) قال أبو ذر (فلا تقله). . . ثم كان ما كان من تأليب أبي ذر الأغنياء على الفقراء وخوف معاوية على الشام منه ومن دعوته ثم نفيه منها.

أني لشديد الإعجاب بذكاء ابن السوداء وصدق فراسته، وإحكام دراسته لنفسيات الناس، لقد عرف الخبيث من يختار من الشام فيخدعه بالله، ولقد وفق التوفيق كله بهذه المقالة التي فصلها على مزاج أبي ذر، فلم يكد يلقيها حتى طار بها أبو ذر فحط على معاوية. وهذا هو فن ابن السوداء الذي أنجح مساعيه؛ فهم جيد للناس وأمزجتهم ونفوسهم، و (استخبارات صادقة منظمة) انتفع بها أعظم الانتفاع في إحكام خطط الشر، واستغلال حسن لغفلة المسلمين عن نواياه، وخداع ماكر لهم عن دينهم وسلامة دولتهم.

لقد جنى الروم من دسائس ابن السوداء خيراً كبيراً: إذ شغل القوى الإسلامية بعضها ببعض فكسر شوكتها وشغلها عن الاندفاع في الفتوح، وما استتعبت بعد ذلك من شرور أخذ بعضها برقاب بعض أفظع وأشنع هولا ولو وقع ابن السوداء هذا لإنجلترا اليوم لاستغنت به في إفناء عدوها عن جيوش وأساطيل منظمات استخبارية تعج بالخبيرين الفنيين.

والظاهرة أن ابن السوداء سكر بهذا الظفر الذي لم يكن يتوقعه في الشام، فأتى أبا الدرداء، ففطن هذا لمكره فقال: (من أنت؟ أظنك والله يهوديا)، ثم انصرف عنه فأتى عبادة بن الصامت، فتعلق به عباده وسلمه إلى معاوية قائلا: (هذا والله الذي بعث عليك أبا ذر).

(كان حكيم بن جبلة رجلا لصاً، إذا قفل الجيوش خلس عنهم، فيسعى في أرض فارس فيغير على أهل الذمة ويتنكر لهم ويفسد في الأرض ويصيب ما شاء ثم يرجع. فشكاه أهل الذمة وأهل القبلة إلى عثمان، فكتب إلى عامله عبد الله بن عامر: (أن احبسه ومن كان مثله فلا يخرجن من البصرة حتى تأنسوا منه رشداً). فحبسه فكاد لا يستطيع أن يخرج منها).

على هذا الرجل المفسد الموتور الجرئ الناقم على عثمان، نزل عبد الله بن سبأ لما أتى البصرة. صار يجتمع إليه الناس ويبث إليهم تعاليمه الهدامة ومقالاته الثورية المفرقة، بلباقة، لا يصرح فيها بما ينم عن نواياه، وفشا أمره وقبل الناس ما يقول وعظموه وبلغ خبره الوالي عبد الله بن عامر. فأرسل إليه فسأله (ما أنت)؟ فأخبره: (أنه رجل من أهل الكتاب رغب في الإسلام ورغب في جوارك). فقال عبد الله: (ما يبلغني ذلك، اخرج عني) فخرج حتى أتى الكوفة، فأخرج منها، فاستقر بمصر وجعل يكاتب جماعاته في الأمصار ويكاتبونه ويختلف الرجال بينهم).

هكذا صار ابن السوداء بماله من (استخبارات وفروع) يتسقط الناقمين واحداً واحداً: ممن ناله عقوبة أو تأديب من عامل أو خليفة، أو ممن له طموح إلى منفعة لم يصل إليها. . . فجعلهم حزبه وبطانته وألف بينهم حتى صار له في كل بلد جماعة. فلما نظم هذه الفروع استقر بمصر بؤرة الناقمين، وألقى إلى جماعاته في الأقطار دستور العمل وخطة الدعاية التي تسبق الثورة، وإليكها كما حفظها الطبري:

(أنهظوا في هذا الأمر فحركوه، وابدءوا بالطعن على أمرائكم، واظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا الناس وأدعوهم إلى هذا الأمر).

فبث دعاته، وكاتب من استفسد في الأمصار وكاتبوه، ودعوا في السر إلى ما عليه رأيهم، واظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجعلوا يكتبون إلى الأمصار بكتب يضعونها في عيوب ولاتهم، ويكاتبهم إخوانهم بمثل ذلك، ويكتب أهل كل مصر منهم إلى مصر آخر بما يصنعون، فيقرؤه هؤلاء في أمصارهم هؤلاء في أمصارهم حتى تناولوا بذلك المدينة (العاصمة) وأوسعوا الأرض إذاعة وهم يريدون غير ما يظهرون ويسرون ما يبدون؛ فيقول أهل كل مصر: (إنا لفي عافية مما ابتلى به هؤلاء). . . إلا أهل المدينة فانهم جاءهم ذلك عن جميع الأمصار فقالوا: (إنا لفي عافية مما فيه الناس).

وأحكمت هذه الجماعة أمرها ومؤامرتها، وأرسلت إلى الأمصار كتباً مزورة بما شاءوا من شكوى واستنجاد بأهل الأمصار، وتحريض لهم على الثورة والخلع.

لقد ملأ ابن السوداء البلاد نقمة وثورة وفساداً، وأصبحت الأقطار كلها هشيما يابساً ينتظر شرارة واحدة كان إرسالها أهون شئ على جمعياته. فلما قدمها التهمت الأخضر واليابس وأراقت الدماء وسالت جموع الثائرين من أهل الأمصار المختلفة على مدينة الرسول وكان ما يعرف كل قارئ من قتل الخليفة الشهيد على حال تبكي الصخر الأصم.

وهكذا قضى هذا الصهيوني الأول على حكم (المدينة) وحكومة (الراشدين) إلى يوم الدين

(للحديث صلة)

سعيد الأفغاني