مجلة الرسالة/العدد 660/المدينة المسحورة

مجلة الرسالة/العدد 660/المدينة المسحورة

مجلة الرسالة - العدد 660
المدينة المسحورة
ملاحظات: بتاريخ: 25 - 02 - 1946



للأستاذ سيد قطب

بقلم الأستاذ وديع فلسطين

عز على الأستاذ سيد قطب أن تتوفر شهرزاد على العناية بأطفالها بعدما أمضت ألف ليلة وليلة تقص فيها على زوجها الملك شهريار قصصاً جذابة تستهوي فؤاده، وتحفزه إلى طلب المزيد. وعز عليه أن تسكت شهرزاد عن الكلام المباح وفي جعبتها تلك القصة الرائعة (المدينة المسحورة) التي استطاع الأستاذ سيد أن ينتزعها من صدر الملكة بقدرة فائقة.

فلم تكد تمضي مئة ليلة على صمت شهرزاد، حتى دب الملل إلى قلب الملك شهريار وخرج يعسعس في الظلام صوب حجرة زوجه، تراوده نفسه على إيقاضها لتستأنف أحاديثها الشهية، ولكن العزة الملكية تحاول تنحيته، وسرعان ما تحس شهرزاد بحركته وهو بين الإقدام والإحجام، فتستوضحه الأمر، وهي به من قبل عليمة، ثم ترضى أن تمنح الملك عشر ليال من أجمل ليالي حياته، تقص فيها عليه قصة حب عجيب وقصة انتقام أعجب.

ملك تيمه حب راعية شويهات، فلم يطب له مستقر، ولم يستطع أن يستوي على أريكة عرشه، حتى تزوجها مؤثراً إياها على قريبة له من الأسرة الملكية أوصى والده بالزواج منها.

وينجب الملكان أميرة ذات قد مياس، ووجه مشرق، وجمال يشع على بدنها نوراً علوياً.

ويدور دولاب الزمن، فيستهوي قلب الأميرة راع من رعاة الغنم؛ ولكن المرأة المنبوذة التي أبى الملك أن يقبلها زوجة له احترفت السحر، ثم انتقمت من نابذها - ويالها من نقمة - في شخصه وابنته وعائلته ومدينته، فأخالت المدينة بسكانها تماثيل، وماتت هي بدورها مقتولة تضم بين جنبيها سر هذه المدينة المسحورة وكيفية فضه.

وبعد ألف من السنين، يجيء مثَّال من سلالة راعي الغنم الذي كان يزمع الزواج بالأميرة، لزيارة تلك المدينة المسحورة، فيستلبه تمثال الأميرة إعجابه، ثم لا يلبث أن يهوى هذا التمثال ويعشق صاحبته عشقاً مبرحاً، وإذ ذاك يُفَكُّ عن المدينة نطاق السحر الذي ضرب حولها، فما يشفى داء الحب سوى الحب، وما يبرئ المريض من كلَبِه سوى مصل الكلب.

فتدب الحياة ثانية إلى المدينة، ولكن عوامل البلى التي أوقفها السحر ألف عام، سرعان ما تعمل في جسوم قطان المدينة بعد ما ردوا إلى الحياة، فتتحلل أجسادهم تراباً مذوراً.

أما الأميرة، فقد عجزت عوامل البلى عن إصابتها لأنها كانت تحب! وما حيلة الزمان أمام قلب يحب؟!

ذلك إيجاز القصة المسحورة التي كتبها الأستاذ سيد قطب. وما كنت أحسب أن الصديق سيداً يعرف عن الحب كل هذا، بل ما كنت لأتخيله بمستطيع أن يصور تلك العاطفة النبيلة في هذه الصورة الرائعة الأخاذة.

ويحق للقصاص أن يغتبطوا لأن ملقن شهرزاد - أعني الأستاذ قطب - أبدى في كتابة هذه القصة ميلاً فطرياً إلى مراس هذا اللون من الأدب، بل التمهر فيه. فالأسلوب له مطواع، والصورة في مخيلته مجلوّة، والتفكير متجه اتجاهاً صائباً والحبكة الروائية في مقدوره. فلا عجب إذن إذا أصاب الأستاذ سيد قطب من التوفيق قدراً كبيراً، وإذا كانت كتفه من النجاح راجحة

وديع فلسطين