مجلة الرسالة/العدد 668/الكتب

مجلة الرسالة/العدد 668/الكتب

ملاحظات: بتاريخ: 22 - 04 - 1946



الأوذيسة. . . .!

بين هوميروس ودريني خشبه

للأستاذ زكي المحاسني

أين أنت يا عولس بعد أن دكت العصور عهدك القديم، وهدمت حرب الأمس قومك الحديث، وضاع كل شيء من آثارك إلا كتابا خلدك بين أناشيده هوميروس أبو الشعراء؟

هلم عولس من أطباق ثراك إن كان معروفا ثراك، وجيء حمى العربية تلق كتابك فيها منشورا، وذكرك بلسانها مسطورا.

تلك هي (الأوذيسة) تنشر في لغة العرب اليوم أول مرة، ولئن سبق الأستاذ دريني خشبه فأخرج للناس (قصة طروادة)، فإنما كانت (الإلياذة) معروفة لدى العرب المحدثين منذ نظم ملحمتها الكبرى سليمان البستاني بلغة الضاد.

ولئن لم يكن للأستاذ خشبه في (قصة طروادة) سابقة التعريب، فقد كانت له فيها طرافة الرواية ورقة البيان، وقد كثر فيها صليل السلاح وعراك الحروب، فدارت حوادثها في البطولة والحماسة. أما (الأوذيسة)، فأكسبت الأستاذ خشبه سابقة النقل إلى العربية منذ نظمها (هومير) باليونانية العتيقة، وكانت سيرة الأخطار في البحار، وغرائب الحدثان في الحب والوفاء.

وقد ذكر المؤرخون أن العرب في العصر العباسي عرفوا (الإلياذة) وترجمها المرحوم (الرهاوي) أحد المقربين من الخليفة المهدي. أما (الأوذيسة)، فلم أجد أحدا من المؤرخين وأهل الأدب القديم قد ذكر أن العرب ترجموها أو عرفوها، فأكبر عندي ذلك أن أجدها اليوم بالعربية في جملة آثار النهضة الثقافية التي تهب في هذه الآونة على وادي النيل.

لكن الأستاذ خشبه لم يلزم ترجمتها في النص، ولا رعى الأناشيد في الشعر، وإنما ابتكر طريقة أخذ نفسه بها في سرد الأدب اليوناني القديم منذ أخرج كتابه الأول (أساطير الحب والجمال عند الإغريق)، وهي طريقة تنزع إلى الفن ومرانته أكثر مما تلم بالتاريخ وجموده. إن حوادث (الأوذيسة) لفي وعي راويها الأديب الذي يجيء بها على أنماط قصصية آخذ بعضها بهامات بعض، وهو بهذه الطريقة ذو سابقة أيضا في أخبار الأساطير.

يتجهم لهذا الفن القصصي ناس يؤثرون عليه ترجمته بالنص، وقد يعسرون فيطلبون أن تكون الأوذيسة شعرا في العربية على نمط ما فعل البستاني بالإلياذة، لأن ذلك أبقى للأثر وأقرب تقليدا لأصله، وإن المذهب هؤلاء النقاد في نثر كان شعرا هو مذهبهم في ماء كان خمرا.

لكن أمثال أولئك الناقدين إذا ألموا بهذه الأوذيسة وتركوا مذهبهم قليلا، أنساهم أسلوب الأستاذ خشبه تلك الشروط، فراحوا مغمورين بسحر من القول وبراعة في الوصف، فجاسوا بأنظارهم خلال الحدثان منذ انتهت الحرب الطروادية، حتى عاد عولس إلى بلاده، فإذا فرغوا من كل ذلك حصلوا على السيرة الثانية التي تركها هوميروس ميراثا للآداب العالمية.

ضاع عولس في اليم وتفرق شمل صحابه، وأروع ما على اليم من أخطار تلك الجزيرة التي كان يملك عليها بوليفيم زعيم السيكاوب الإنسان الجبار. أما وصف بوليفيم، فنسج أسطورة مغرفة في الخيال. كان على هيئة إنسان ضخم كجذع شجرة السنديان عريض الألواح، وكان طوالا جسيما، يداه كغصنين، ورأسه كصخرة كبيرة، إنه ليستطيع أن يضع في كفه إنسانا، وأن يطبق أصابعه عليه. أما جبهته، فصفحة مبسوطة في بهرتها عين واحدة كفم البئر.

ومشى مهرولا، فاهتزت الجزيرة التي أرسى عليها مركب عولس وصحابه، وأحس عولس ورفاقه أن الكهف الذي أووا إليه يكاد يكون لهم مرقد المنية، فها هو ذا بوليفيم مقبل نحوهم بقطيعه يهش عليه بشجرة لها فرعان، كل فرع منهما كعمود المركب الكبير. أما أغنامه فكالثيران مرسلة الشعور إلى الأرض لحومها غذاؤه ولبنها شرابه.

ودخل الكهف البوليفيم فوجد ضيوفه، فلم يحسن لقاءهم؛ وإنما أخذ باثنين منهم فألقاهما في الفضاء حتى نطحا برأسيهما سقف الكهف ثم انحطا على الأرض هشيمين، فأكلهما شيا على النار بغير سفود، وجلس يتلمظ فسد باب الكهف بجسمه وأخذ يغط في نوم عميق.

فريع عولس وصحبه وعرفوا موتهم عند انتباهته، فاحتالوا له في يومهم الثاني. فتقدم إليه عولس بكيده ودهائه وسكب في فمه زق خمر معتقة من دنان القس فوبوس إله آزماروس. فكرعها الوحش وسكر بنشوتين، ثم نام. فهب عولس وجمعه إلى النار فأوقدوها وأشعلوا رأس ذلك الغصن الذي يهش به الوحش على غنمه، وفقئوا عينه كما يطفئ الحداد عمود الحديد المشتعل بحوض من الماء.

وكان عولس حين تقدم إلى الوحش بخمره فسأله عن اسمه أجابه: اسمي أوتيس. ومعناها (لا أحد). فلما أحس الجبار بهول النار صرخ صرخة دوت في الجزيرة حتى مادت. فريع الجبابرة وجاءوا ركضا يسألونه الخبر، وكان الظلام مطبقا على الكهف وما حوله. فسألوا من آلمك أو قتلك. فقال وهو يجود بالنفس الأخير: لا أحد.

فانصرفوا وهم به هازئون.

تلك حوادث عولس وهي كثيرة منذ أنصرف الآشوريون إلى أمصارهم بعد أن فتحوا طروادة وخربوها. عاد ملكهم آغا ممنون جريحا إلى بلاده متحاملا على نفسه، وارتمى البطل مينيلاس على شواطئ مصر، وغرق آجاكس عند الصخور التي تتلاطم عليها أمواج البحر. أما عولس فقد كتب له أوفى نصيب من العذاب فظل السنين العديدة في جزيرة كاليبسو أسيرا عند الجن، أو مطروحا على ثبج البحر بمركبه القلق من جزيرة إلى جزيرة، وكان ابنه تليماك يقطع الآفاق بالبحث عنه راكبا على عجلة مجنحة أعطاه إياها نسطور الساحر.

يقول (كروازي) في كتابه عن الأدب اليوناني القديم: (لئن كانت الإلياذة قصة السير إلى الغزوة، أو الغزوة ذاتها، فإن الأوذيسة إذن هي قصة العودة).

وعلى مثال كروازي يحاول من يدرس الأوذيسة أن يؤرخها وينقدها، وبين وجوه الصحة والأصالة فيها، ووجوه الوضع والاختلاق، وكل ذلك لم يتعرض إليه الأستاذ دريني خشبه لأنه أسلف الكلام عليه مجملا في مقدمة الإلياذة، ولو فصل الكلام فيهما بعض الفصل فجعل لكل منها مقدمة خاصة لكان ذلك به أجدى وبفنه أوفى.

وكأن المقادير قد سيرت قلم الأستاذ خشبة، فقد أخرج الإلياذة والحرب في دنيانا قائمة. وكانت الإلياذة تاريخ حرب مصبوغة بالدماء يشتجر فيها الحديد وتستعر النار. فلما وضعت الحرب أوزارها وسكنت أصوات المدافع أخرج أمس للناس قصة الأوذيسة وكانت الأوذيسة سيرة الصداقة والمحبة، والوفاء والألفة، بعد الشقاء والعذاب.

زكي المحاسني