مجلة الرسالة/العدد 673/الإنسان، هذا المجهول. .

مجلة الرسالة/العدد 673/الإنسان، هذا المجهول. .

ملاحظات: بتاريخ: 27 - 05 - 1946



الدوافع البيولوجية وأثرها

للأستاذ فؤاد عوض واصف

كانت ظاهرة التقليد التي قال بها العلامة تارد في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، هي التفسير الوحيد عند علماء الاجتماع للحياة الاجتماعية؛ فظهور فرد قوي أو قائد شجاع أو مشرع كبير في مجتمع ما يمكن من خلق عرف جديد ينتشر بين الناس انتشار النار في الهشيم. ذلك لأن الناس على دين ملوكهم وحكامهم وقادتهم، يقلدون تقليداَ أعشى كل ما يبتدعه رعاتهم، ولقد ملك تارد بتفسيره هذا عقول العلماء ردحاً كبيراً من الزمن إلى أن ظهر العلامة الأمريكي الأشهر ماكدوجل، فطلع علينا بتفسير جديد هو على خلاف فيه مع نظرية تارد، وقد عرفت نظرية تارد بنظرية الدوافع. ولئن كانت معرفتنا بالدوافع قديمة قدم أرسطو، فإن الاهتمام بها لم يبلغ الحد العظيم الذي بلغته بعد أبحاث ماكدوجل. لقد كشف لنا ماكدوجل في أبحاثه عن أثر الدوافع البيولوجية في الإنسان وأسرارها العظيمة ونتائجها العديدة، حتى لقد رد الحياة الاجتماعية كلها إلى هذه الدوافع البيولوجية الكامنة في الإنسان، ومن هنا كان أن عرف بأبي علم النفس الاجتماعي.

وقد كان من أثر أبحاث ماكدوجل في الدوافع أن ظهرت في معامل علم النفس مقاييس لقياس الحوافز والدوافع بطريقة دقيقة كل الدقة حتى لقد مكنتنا من معرفة درجات القوة والضعف في الدوافع العضوية الداخلية معرفة يسرت لنا تفسير أنواع الانحرافات النفسية والجنسية والاجتماعية أيضاً؛ فالسلوك الإنساني يرد في النهاية إلى الدوافع الداخلية، كما هو الحال مثلاً في سن البلوغ، إذ يشاهد أن تولد الميل الجنسي ناتج عن دافع عضوي، وهذا الميل الجنسي يقترن بتغيرات في الهيئة والسلوك، فيميل البالغ إلى الحياة الخيالية كما هو معروف في الحب الصبياني.

ويمكن تعريف الدافع العضوي بقولنا (هو كل حافز يدفع إلى فعل يتحول بالتحليل إلى حالة تنبيه، تثير الفرد وتدفعه إلى سلوك ما عن طريق مجموعات خاصة من العقد العصبية!!

ومن أهم الدوافع الداخلية، إفرازات الغدد الصماء التي تثير النزعات والميول والرغبات، وتحمل الشخص أن يقوم بحركة وأن يسعى نحو تحقيق الميل وإشباعه بطريقة أشبه بأ تكون آلية جبرية.

ولكل دافع من الدوافع العضوية الداخلية استجابات خاصة به تختلف من دافع إلى آخر، فلدافع الجوع والعطش استجابات تختلف عن استجابات الدافع الجنسي مثلاً.

والدافع الجنسي من أمثلة الدوافع الكيميائية التي تتمثل في إفرازات غدد خاصة موجودة في الإنسان. وكل أنواع الاستجابات والسلوك الجنسي هو نتيجة ترد في النهاية إفراز الغدد التناسلية. فقد أثبتت التجارب العديدة أن عملية استئصال الإفراز الجنسي من الخصيتين أو المبيض يقضي على الميل الجنسي، في حين أن تجديد هذا الإفراز يعيد الميل الجنسي إلى حالته الطبيعية؛ فكأن الاختلاف بين الذكر والأنثى في السلوك الجنسي يرد إلى اختلاف الغدد فحسب؛ والرجل والمرأة لا يختلفان في تكوينهما، وما السمات المميزة لكل منهما إلا أثر بل استجابة لإفراز معين تفرزه غدة تناسلية تختلف في الذكر عنها في الأنثى. وإنه لمن السهل علينا الآن أن نجعل من الدجاجة ديكاً، ومن الديك دجاجة تقريباً، وذلك بعملية استئصال غددي فتتحول الدجاجة إلى ديك وتفقد كل سماتها الأولى وتصبح ذات عرف يأخذ في النمو، وينقلب سلوكها ولا يمكن تمييزها في النهاية من ديك آخر. وكذلك الحال إذا أردنا أن نجعل من الديك دجاجة فما علينا إلا استئصال الخصيتين فيفقد الديك عرفه ويتسم بكل سمات الدجاجة وسلوكها.

ولا يقتصر تأثير الدافع العضوي على الهيئة والتكوين الفسيولوجي فقط، بل أيضاً في اتجاه السلوك والأخلاق؛ ويمكن أن نوضح هذا جيداً بحالة بعض الأفراد الذين يتأخرون في بلوغهم نجد الواحد منهم في سن العشرين مثلاً وكل مظاهر الرجولة معدومة فيه لا في المظاهر الفسيولوجية فحسب، بل أيضاً في السمات الخلقية، ففيه نجد حياء الأنثى وخوفها ومرونتها وما إلى ذلك. فإذا عولج هذا الشخص المتأخر في بلوغه بواسطة خلاصة الخصيتين لا يلبث بعد مدة يطول زمنها أو يقصر، حسب حدة الحالة، أو يصبح وقد ظهرت عليه سمات مختلفة من ذي قبل فيرتفع صوته ويتضاعف نشاطه ويزول الخجل منه والخوف وما إلى ذلك من مظاهر الأنوثة الأخلاقية، ويتولد في الميل الجنسي. ومن هنا يظهر لنا، أن سمات الرجولة والأنوثة سواء كان ذلك من الناحية الفسيولوجية أو الخلقية إنما يرد في النهاية إلى الدافع الكيميائي وهو إفراز الغدد التناسلية.

والآن إذا أردنا أن نحصي الدوافع في الإنسان بسائر أنواعها فإننا سنجدها من الكثرة بحيث يصعب معها العد والحد؛ فإن دافعاً كدافع الجوع العضوي قد يبدو بسيطاً مع أنه مركب من عدة دوافع: فالحاجة إلى الأكل، تتضمن الحاجة إلى موالح ونشويات ودهنيات الخ. ودافع العطش ليس هو الحاجة إلى الماء فحسب؛ لأننا إذا أعطينا عاملاً مجهداً في يوم قائظ ماء ساخناً ليرتوي، فإنه بذلك لن يرضي دافع العطش، لأن الحاجة هنا تتضمن غير الماء، درجة خاصة من الحرارة وغيرها. ومن هذا يبدو أن دافعاً واحداً كدافع الجوع أو العطش يتضمن في ذاته عدة دوافع. من أجل ذلك فإن إحصاء عاماً للدوافع كما أراده ديكارت وهويز يعد ضرباً من المستحيل، إذ ان الحاجات تتعدد، وبالتالي تتعدد الدوافع المولدة لهذه الحاجات. وعمل الدوافع في الإنسان يقترن بتغيرات كيميائية وعضوية في جميع أنحاء الجسم حتى في البشرة. ويظهر ذلك بوضوح في حالة الحب مثلاً الذي هو إرضاء للدافع الجنسي. وتعمل الدوافع على أن تلائم بين الإنسان والطبيعة، فقد يبدو أن لون البشرة السوداء عند زنوج المناطق الاستوائية ناتج في الأصل عن تأثير حرارة الشمس المحرقة، مع أنها نتيجة لأفعال منعكسة قامت بها خلايا البشرة لإرضاء دافع الحاجة إلى درجة حرارة مناسبة للجسم؛ فليست الحرارة هي التي تحرق البشرة، لكونها حرارة، بل هي تقوم فقط مقام الباعث لاستجابات ناتجة عن دوافع وحاجات، أعنى في هذه الحالة أن هنالك دافعاً في الإنسان قد اقتضى تغيرات فسيولوجية حتى يتم التوافق بين الإنسان في نزوعه إلى الحياة وبين الطبيعة الخارجة عنه.

ونريد هنا أن نلفت النظر إلى أنه في كثير من الأحوال يكون المنبه الخارجي هو المحرك للدافع إذا كان في حالة كمون. فإذا كنت في وقت ما جائعاً وكان دافع الجوع في كمون لانشغالي بأفكار وخواطر، فإن الساعات تمر بدون أن يتعدى الدافع العضوي حدود الشعور؛ فإذا فرضت أن رائحة شهية لطعام قد وصلتني وشغلت شعوري برهة من الزمن، كان هذا المنبه كافياً لتحويل الحاجة إلى الطعام من حالة الكمون إلى حالة النشاط أي إلى رغبة، وكذلك الحال فيما يختص بالدوافع الأخرى.

وقد سبق أن ذكرنا أن إحصاء عاماً للدوافع ضرب من المستحيل ولكن يمكن ان نقسم الدوافع إلى أنواع أربعة: دوافع عضوية: كدافع الجوع والعطش الخ. . .

دوافع كيميائية: كالدافع الجنسي ودافع التعب.

هو عبارة عن بعض السموم تكونت في دم الإنسان فأوجدت فيه حالة التعب. والذي يثبت لنا أن التعب ومظاهرة ليس نتيجة مباشرة لمجهودات عضلية التجربة التي قام بها عالم نفساني كبير. وتتلخص في أنه حقن كلباً لم يقم بأي عملية إجهادية بدم كلب ظل طوال اليوم يرافق سيده في الصيد، فكانت النتيجة أن ظهرت في الكلب السليم كل مظاهر التعب والإنهاك الموجودة في الكلب المتعب. فكأن التعب ومظاهره نتيجة لعامل كيميائي موجودة في الدم وهو سموم أشبه ما تكون بالسموم المعروفة، ومن هذا يبدو أن التعب ومظاهره استجابة لدافع كيميائي موجود في الدم.

دوافع نشاط وتكون ذات استجابات مناسبة تتلاءم مع ما يحيط بالإنسان من ظروف.

4 - دوافع الجمال: مثل أن تظهر في استجابات الطفل الصغير لما يحيطه من ألوان وموسيقى ذات مقاطع، تجذبه إلى أن يسلك سلوكاً معيناً، هو استجابة ساذجة لما يحيط به من جمال. كذلك الحال في البالغين لقد ركب فينا دافع للجمال، لعله الروح تنزع إلى الجمال وتستجيب له كما ينزع الأليف إلى أليفه ويستجيب له. وفي السجون الحديثة يعالج المجرم بسماع الموسيقى وبإحاطته بألوان من الجمال تستجيب لها نفسه فيبعث بعثاً ويعود إنساناً.

لقد ذكرنا من الدوافع ما هو عضوي وكيميائي ونشاطي وجمالي؛ بقي نوع خامس من الدوافع يستجيب للمؤثرات الفجائية العنيفة كالخوف والغضب والبغض والعار. وتسمى هذه المجموعة من الدوافع بالانفعال

والدراسات العلمية الكثيرة في مجال علم النفس المقارن، حققت لنا وجود ظاهرة الانفعال عند الكثير من الحيوانات، مع ملاحظة خاصة، وهي أن الإنسان كثيراً ما يخضع انفعالاته ويوجهها توجيهاً خاصاً، في حين أن الحيوان ينفعل فلا يكاد يملك أسباب التوجيه أو إخفاء انفعالاته.

وقد قامت مشكلة كبيرة في علم النفس خاصة بالانفعال وتتلخص في هذا السؤال: هل أنفعل أولاً ثم أضطرب أم أضطرب أولاً ثم أنفعل؟ والرأي الصحيح عند وليم جيمس هو أن الإنسان يضطرب أولاً ثم ينفعل، أعني أن الانفعال في ذاته هو نتيجة لاضطرابات عضوية وكيميائية في جسم الإنسان. ففي حالة الخوف مثلاً، تحدث في داخل الجسم إفرازات عضوية معينة، تكون نتيجتها ظهور سمات الخوف على الإنسان. وبكلمة مختصرة، الانفعال في أساسه فسيولوجي قبل أن يكون نفسانياً.

وهنالك ثلاثة أنواع من الانفعالات الأولية في الإنسان وهي الخوف والغضب والحب. والظواهر المختلفة التي تبدو على الإنسان نتيجة لهذه الانفعالات نتيجة لإفرازات معينة في الغدد الصماء بتأثير الجهاز العصبي.

أما انفعال الخوف فينتج شعوراً رديئاً؛ فبالإضافة إلى ما يثيره من الاضطراب في بعض أجهزة الجسم كما يكون الحال في سرعة دقات القلب والتنفس السريع، بالإضافة إلى ذلك يكون للخوف طابع خاص يظهر في امتقاع الوجه واضطراب المفاصل والأطراف وقفوف شعر الرأس. . . الخ. . . وللغضب مظاهره الخاصة كذلك وهي في جملتها أقل عنفاً من مظاهر الخوف، وفي حين تكون نتيجة الخوف تقهقراً تكون نتيجة الغضب تقدماً واندفاعاً. أما الحب فهو أحد الانفعالات الأولية التي تحدث شعوراً طيباً محبباً. والذين جعلوا للحب مركزاً خاصاً في القلب لم يبتعدا كثيراً عن الحقيقة. فانفعال الحب في الواقع يتركز أثره في وجهة ما فوق القلب نتيجة لتأثر الدورة الدموية بباعث الحب وما يثيره في الدورة من نشاط. وللحب طابعه الخاص، يظهر في ابتسامة الفم وإشراق الوجه، ولعل أروع صورة ساذجة لطابع الحب الجميل، تظهر في محيا الطفل الصغير وهو يرنو إلى أمه.

هذه المعرفة الخاصة بالدوافع، قادتنا إليها دراستنا للحيوانات العليا وللطفل وللإنسان البدائي.

وإن دراستنا للإنسان البدائي الساذج، تجعلنا نقف أمام صورة كائن يمضي أغلب وقته في الأكل والشرب مبتعداً عن الأصوات المزعجة والحرارة اللافحة، يجري ويقفز، يصيح وينصت ويتأمل ويشاهد أنه مدفوع إلى النشاط بما يبعثه الكون المحيط به؛ قد يجد لذة في أن يداعب كلبه أو في أن يقفز على شجرة، كل هذه الاستجابات تتولد من الكون الفسيح وما يبعثه من مؤثرات ومنبهات. وإنه لمن الإنصاف أن نقرر ما ذكره ثورنديك من أن قائمة الدوافع التي قال بها ديكارت وهوبز لا تصور الحقيقة، فإن الدوافع في الإنسان والحيوان من الكثرة بحيث يختلط بعضها ببعض، وإن حيل الحيوان وحتى أبسطها في السعي لرزقه، تجعلنا نقرر بأن إحصاء عاماً للدوافع ضرب من المستحيل.

هذه هي الدوافع، وهذا موضوعها. والإنسان في سعيه إلى رزقه وفي سعيه إلى الحياة، إنما يستجيب إلى الدوافع التي ركبت فيه تركيباً. ولو شئنا التطرف مع ميرفي ونيوكمب إن الإنسان ليس شيئاً آخر غير الدوافع التي ركبت فيه وجاءته عن طريق الوراثة، ومن هنا يكون الإنسان في هيئته وجنسه وسلوكه الأخلاقي، مدفوعاً بدوافع داخلية لا قبل له بردها. فالحب تبعاً لهذا ليس إلا استجابة لإفراز الغدد الصماء، والإجرام في بعض الأفراد ليس إلا استجابة طبيعية لتكوين المجرم الجسماني الذي أتاه عن طريق الوراثة. إن الدوافع الداخلية في الإنسان هي التفسير الوحيد لحياته الجسمية والأخلاقية. ومن هنا لا يكون الإنسان مخيراً بل مسيراً ولا يكون للتربية مجال كبير أو صغير في توجيهه وتهذيبه.

وهكذا يذهب ميرفي ونيوكمب ومعهما جمرة من العلماء، ويقولون بنوع من القدرية في تقرير الكائن الحي، إن كان سيولد إنساناً أم فأراً أم عصفوراً، إن كان سيولد بمنقار أو بشفتين، بأربع أرجل أم برجلين. فاختلاف الكائنات الحية عندهم نتيجة لاختلاف الدوافع التي وهبت للكائن الحي قضاء وقدراً. وكذلك الحال عندهم في اختلاف الأفراد بعضهم عن بعض، فليس هذا إلا نتيجة لاختلاف الدوافع فحسب. ولئن زعم الناس بمرونة الإنسان وقبوله للتشكل والإصلاح، فلينظروا إلى هذا الاختلاف البين بين الأفراد بعضهم وبعض في نموذج كل مجتمع. أجل إن هذا الاختلاف لمثير، ومجموعة من الكلاب الصغيرة يمكن أن ترمز إليه كما ترمز إليه مجموعة من الأطفال في معهد خاص.

ليست هنالك إذن مرونة في الإنسان أو قابلية للتشكل في نظر تلك الفئة من العلماء، فالإنسان يستجيب للمؤثرات المحيطة به كما يستجيب لها الحيوان.

وكذلك يذهب أيضاً العلامة لمبروزو أستاذ القانون الجنائي في جامعة روما؛ فهو يرى أن الجريمة فرع من القضاء والقدر لا دخل لحرية الإنسان فيه؛ فالمجرم يولد مجرماً بالطبيعة وإنه لمن التعسف أن يعاقب المجرم عن شئ لا يملك فيه اختياراً أو مشيئة. وليس في الإمكان إصلاح مجرم ولد هكذا ولا تجدي فيه التربية أو التوجيه الحسن.

وقد خصص لمبروزو لشرح نظريته كتابين شهيرين هما: كتاب الرجل المجرم ' والمرأة المجرمة فاللص عند لمبوروز ذو تكوين خاص في هيئته وكذلك سائر المجرمين، وما الجريمة إلا استجابة لتكوينهم العضوي الناقص الذي جاءهم عن طريق الوراثة. وكثير من اتجاهات علم النفس الجنائي إلى يومنا هذا تستلهم موضوعاتها من بحوث لمبروزو.

ولكن البحوث التي قام بها علماء الأحياء منذ ربع قرن في موضوع الوراثة وكذلك علماء سلوك الإنساني، وخاصة في دراستهم لأنواع الشذوذ والانحرافات، أدت إلى الإقلال من حتمية الوراثة، وأثبتت مرونة الإنسان وقابليته للتشكل والإصلاح، فسلوك الإنسان قابل للتغير والتحسن، ويتوقف نجاح التربية إلى حد كبير على إحكام طرقها وإتقان أساليبها.

ليس الإنسان إذن أسير وراثة أو تكوين عضوي خاص كما كان شائعاً من قبل، بل إنه يملك إلى حد كبير أسباب التغير والإصلاح. لا يوجد هنالك ما يسمى طبيعة مجرمة في النفس الإنسانية؛ بل على العكس من ذلك، إن طبيعة النفس الإنسانية كما يقول كانت خير وكل الخير، وإنما هنالك نفوس مريضة تدافع عن توازنها الاجتماعي، فتضل في المعترك عن الطريق السوي.

إن للدوافع في الإنسان كما سبق وذكرنا شأناً كبيراً، ولكنها في الإنسان غيرها في الحيوان. لا، بل إن الحيوان نفسه قابل للترويض وللائتلاف، فكم يكون الحال في الإنسان وفيه من نور الله قبس! أوليس فيما وصل إليه علم التربية والنفس أكبر الدليل على مرونة الإنسان وعلى كونه يختلف اختلافاً بيناً عن سائر الكائنات بما وهبه الله من عقل يفكر ويتذكر؟ إذاً فللدوافع في الإنسان شأن كبير ولكنه أقل من أن يجعل الإنسان مسيراً لا مخيراً.

فؤاد عوض واصف

ليسانسيه في العلوم الفلسفية