مجلة الرسالة/العدد 674/الأدب في سير أعلام:

مجلة الرسالة/العدد 674/الأدب في سير أعلام:

ملاحظات: بتاريخ: 03 - 06 - 1946



ملتن. . .

(القيثارة الخالدة التي غنت أروع أناشيد الجمال والحرية والخيال. . .)

للأستاذ محمود الخفيف

- 15 -

بين الطغيان والحرية:

واستبدل شارل بالأمر أحد عشر عاماً لقي أثناءها الإنجليز ما شاء له طغيانه من ضروب العسف والإذلال، وكان وليم لود الذي رقى في عام 1633 إلى منصب كبير الأساقفة مشيرة في الشؤون الدينية ولورد استرافورد مشيرة في الشؤون السياسية.

وامتحنت الحرية امتحاناً طال ليله واشتد بالناس هوله، وسلط لود على البيوريتانز من أنواع الاضطهاد وأساليب العسف ما شاء له سلطانه وما أملاه غيظه وغلظه فكانت تكوى جباههم وصفحة وجوههم بالحديد المحمي أو تقطع أطراف آذانهم أو أنوفهم وليس لهم منجاة من هذا العذاب إلا أن يطرحوا عقيدتهم؛ ولكنهم كانوا يمدون آذانهم وجباههم ووجوههم وأنوفهم جماعات إلى من يكويها أو يتحيفها دون أن يذل لهم إباء أو تهن لهم عقيدة، وكانوا كلما أمعن لود في تعذيبهم ازدادوا تمسكاً بمذهبهم وازداد مذهبهم رسوخاً وانتشاراً كالشجرة كلما امتدت إليها الأيدي بالتقليم تغلغلت في الثرى جذورها وامتدت في الجو فروعها.

ولم يقتصر التعذيب على عامة البيوريتانز، فامتد إلى الخاصة وشمل كل من كتب شيئاً ضد الملك أو الأساقفة، وكان يعين الملك في طغيانه محكمتان: إحداهما هي محكمة غرفة النجم، والأخرى محكمة عليا أنشأتها اليزابيث أول الأمر للحكم على من يخالف قرار توحيد العبادة؛ وكان من الضحايا العديدين لهاتين المحكمتين أحد كبار رجال الدين فضرب وحبس ووضع في الأصفاد وقطعت أذناه لأنه كتب ينتقد لود وأساقفته؛ وأحد رجال القانون لأنه كتب كتاباً يعيب فيه على من احترف التمثيل من الأوانس والسيدات مسلكهن فظن أنه يعرض بالملكة فيما كتب ولم يك جزاؤه أخف من سألفه؛ ومن هذين المثلين ندرك مبلغ حل بالناس من ألوان العذاب.

ولما كانت المشكلة المالية هي التي تضطر الملك إلى الاستعانة بنواب البلاد، فقد أشار سترافورد على الملك باتباع سياسة الاقتصاد ليطرد استغناؤه عن البرلمان، وكانت الحرب قد وضعت أوزارها، فتحسنت الحالة المالية إلى حد ما وخيل إلى سترافورد أن ليس للبرلمان رجعة.

ولكن الملك وازن بين دخله ومنصرفة فلم تسره الموازنة ووجد نفسه لا يزال في حاجة إلى زيادة الدخل وإلا اشتدت به الضائقة ثانية، فسلك سنة 1634 مسلكاً كان أبعد ما سلك عن الصواب، وذلك أنه عمد إلى فرض ضريبة مباشرة، وكانت تسمى ضريبة السفن، وهي ضريبة قديمة كان من حق الملك وفق الدستور أن يفرضها على المواني إذا تعرضت المملكة لخطر الحرب فتقدم المواني سفناً أو ما لا يقوم مقامها؛ ونظر الإنجليز هذه المرة فإذا بالملك يفرض هذه الضريبة وليس ثمة من خطر يتهدد المملكة ولكن الملك احتج بأنه يبتغي بها مطاردة ما يتهدد التجارة من القراصنة، وتمادى الملك فخرج على القانون والعرف وفرض هذه الضريبة لا على المواني فحسب بل وعلى داخلية البلاد، ثم استمر يفرضها عاماً بعد عام وكان الأصل فيها ألا تفرض إلا حين الخطر

ويأبى القدر إلا أن يرتطم الملك وكبير أساقفته في ورطة كانت هي القاضية عليهما، فقد شاء لود أن يدخل في اسكتلندة النظام الأسقفي على الرغم من تمسك الاسكتلنديين بنظام الكنيسة البرسبتيرية، وأعد لود كتاباً للصلاة على نمط كتاب الصلاة في انجلترة، وأراد أن يحمل الاسكتلنديين على اتباعه في كنائسهم، فثار الناس هناك وأعلنوا سنة 1638 في مجلس عام رفض النظام الأسقفي وطردوا الأساقفة الذين أرسلهم شارل إليهم فكان هذا تحدياً صريحاً لمشيئة الملك؛ وأصبحت المسألة في الواقع تتصل بحق شارل في حكم اسكتلندة أكثر مما تتصل بالنزاع الديني، وبات الموقف بالغ الخطورة، فإذا استطاع الاسكتلنديين أن يعصوا الملك فماذا عسى أن يكون وقع هذا في إنجلترا.

ولجأ الملك إلى الحرب وتأهب الاسكتلنديون للقتال وتلاقى الجيشان فأحس الملك ضعفه فهادن الاسكتلنديين وهادنوه وسكنت ريح الحرب إلى حين.

وأحس الملك بضرورة دعوته برلماناً فدعا ذلك البرلمان في ربيع سنة 1640 وعرف باسم البرلمان القصير لأنه لم يلبث أن أنكر على الملك فرض ضريبة السفن، ولما ساومه الملك وعرض أن يتنازل عن ضريبة السفن نظير أن يمنحه البرلمان مبلغاً معيناً رأى البرلمان أن قبوله هذا العرض يتضمن الاعتراف بحق الملك في فرض تلك الضريبة فأبى إلا أن يكون تنازل الملك عنها بغير قيد وضاق الملك بالبرلمان فحله في نفس العام.

ولكن الاسكتلنديين عبروا نهر التويد في الصيف زاحفين على إنجلترا، ودعا الملك مجلساً من الأعيان فأشار هذا المجلس بوجوب الاستناد إلى برلمان، ولم يجد الملك بداً من الإذعان فدعا برلماناً جديداً في نفس السنة وعرف هذا البرلمان بالبرلمان الطويل، وظهر في هذا البرلمان زعماء أشداء كان من أشهرهم بم وهمبدن وأليفر كرمول. . .

ووجد البرلمان الفرصة سانحة ليصفي حسابه فوجه إلى لود واسترافورد تهمة الخيانة العظمى للشعب الإنجليزي وأطلق السجناء من أنصار الحرية، وأزال من الكنائس كل ما يصلها بروما من مظاهر وصور وتماثيل، واحتاط البرلمان للمستقبل فأصدر قراراً يقضي بأنه لا يجوز أن ينقضي أكثر من ثلاث سنوات بغير أن يدعى برلمان، وقدم سترافورد إلى المحكمة، ووضع تحت الحراسة كيلا يهرب، وكان لا بد من موافقة الملك حتى تقام الحراسة فوافق الملك مه أنه وعد سترافورد أن يدافع عنه وأدين سترافورد وأعدم وتنفس أنصار الحرية الصعداء، وبالغ البرلمان في الحيطة فأصدر قراراً فحواه ألا يجوز حل البرلمان إلا بموافقة أغلبية أعضائه؛ وقضى البرلمان بحل محكمة غرفة النجم والمحكمة العليا المختصة بالشؤون الدينية.

وخيل لأنصار الحرية أنه لم تعد تعترضهم عقبات، ولكنهم ما لبثوا أن أحسوا روحاً رجعية في مقاعد البرلمان نفسه، وذلك بسبب مغالاة البيوريتانز ضد النظام الأسقفي، فقد قدم هؤلاء مقترحاً إلى البرلمان يقضي بإزالة هذا النظام كله وسمي مقترحهم باسم مقترح الأصل والفرع، ولكن بعض النواب كانوا يميلون إلى النظام الأسقفي فعارضوا هذا المقترح وانضم إلى هؤلاء نواب آخرون أشفقوا من تطرف البرلمان في استلاب سلطة الملك ورأوا أن الملك قد أذعن أكثر مما يجب أن يذعن وتوجسوا خيفة من عواقب هذا التطرف كأنما يلمح لهم شبح الفوضى.

وأخافت هذه الرجعية بم وزملاءه، فأقدم بم على عمل خطير وهو ما سمي الإعلان الأعظم وهو عريضة قدمت إلى البرلمان وفيها جميع ما ارتكب الملك وأعوانه من أخطاء في السياسة والدين منذ بداية عهده وطلب إلى البرلمان أن يقرر صحة ما جاء فيها، وبعد مناقشة عنيفة في جلسة طويلة استمرت الليل كله وافق البرلمان عليها بأغلبية تسعة أعضاء فحسب فأظهرت هذه العريضة عدد أنصار الملك في البرلمان وتبين أنه عدد لا يستهان به.

وتزايدت مخاوف بم وأنصاره، وكان الملك قد ذهب إلى اسكتلندة على أثر وفاق البرلمان بين إنجلترا والجيش الثائر في اسكتلندة، فلما عاد شارل إلى إنجلترا استقبل في لندن بحفاوة عظيمة. . . . . .

وكأنما أغرته تلك الرجعية في مقاعد البرلمان وهذه الحماسة التي لقيه بها أهل لندن بأن يضرب ضربة، فخطا خطوة جريئة ود كثير من أنصاره أنفسهم لو أنه لم يخطها، وذلك أنه وجه في سنة 1642 إلى خمسة من أعضاء البرلمان على رأسهم بم تهمة الخيانة العظمى، وبعد يومين ذهب إلى البرلمان بنفسه على رأس قوة من حرسه وقفت عند بابه شاكية السلاح وطرق شارل الباب ودخل القاعة ليقبض على الأعضاء الخمسة، ونهض النواب وقوفاً وحسروا القبعات على رؤوسهم، واتجه الملك إلى منصة الرئيس فخر أمامه على ركبتيه وساد الصمت فلا يسمع إلا همس، ودار الملك بعينيه يطلب الأعضاء فلم يتبين في الصفوف منهم أحد فقد نما إليهم ما اعتزمه الملك قبل حضوره بدقائق ففروا فسأل عنهم الرئيس فأنكر معرفته متى حضروا ومتى انصرفوا، ونظر الملك إليه نظرة شديدة ثم خرج هادئ الخطى يعلن إلى حرسه أن قد (طارت الطيور الخمسة).

وتسامعت لندن بما كان من أمر الملك فهبت المدينة التي لقيته بحفاوتها منذ قليل تدافع عن النواب، واشتدت حماسة الناس، وصمموا على أن يعود الأعضاء إلى مجلسهم في مظاهرة كبرى وأعدت الزينات في الشوارع وعلى صفحة النهر في القوارب، وكان لا بد أن تمر المظاهرة بقصر الملك فلم يطق الملك أن تقع عيناه عليها أو تسمع أذناه ضجيجها فترك المدينة.

وأخذ البرلمان يعد العدة للدفاع عن كيانه، وأعد الملك عدته ليسحق بها البرلمان ومن يظاهره من الناس، واندلعت نيران للحرب الأهلية التي انتهت بهزيمة شارل بعد أن دارت رحاها لأكثر من أربع سنوات (يتبع)

الخفيف