مجلة الرسالة/العدد 674/البريد الأدبي

مجلة الرسالة/العدد 674/البريد الأدبي

ملاحظات: بتاريخ: 03 - 06 - 1946



الرسالة وإصلاح الأزهر:

علمنا من لدن عليم مسئول أن اقتراح (الرسالة) لحل مشكلة الأزهر قد وقع من الجهات الرسمية موقع التقدير والنظر. والنية معقودة على أن يسير الإصلاح الجديد في طريق هذا المقترح حتى تتبوأ الجامعة الأزهرية مكانتها بين الجامعات الحديثة فتؤدي رسالتها الدينية والأدبية على النحو الذي يقتضيه تطور العالم وتقدم العلم.

كفل المال وبالمال

في الجزء الأخير من (مجلة المجمع العلمي العربي الغراء) مقالة عنوانها: (التنبيه والتوجيه) خطأ فيها الأديب اللغوي الفاضل الدكتور مصطفى جواد عبارة كانت قد وردت في مجلة المجمع وهي (ولنا ما يكفل إعادة النظر) قال:

(ويكفل من الكفالة يتعدى بالباء لا بنفسه. وفي أساس البلاغة (وهو كفيل بنفسه وبماله؛ وكفل عنه لغريمه بالمال وتكفل به) فالصواب ما يكفل بإعادة النظر، أما للإنسان فيقال يكفله).

كلام الأساس على العين والرأس، وكتاب جار الله هو في الحقيقة في المجاز، وهو مصنف عبقري منقطع القرين قد حدت على وضعه ووضع الكشاف عقيدة الرجل تؤيدها العربية - وللعقائد فوائد - فالكتابان من حسنات خصومنا المعتزلة، ولكن الإمام الزمخشري لم يقل إنه أودع أساسه كل لفظة وتركيب. ورأينا الضعيف فيه أن جميع ما يحتويه هو حجة، بيد أنه لا يستضعف أو يغلط ما خلا منه، ورواه غيره من أئمة اللغة.

في (لسان العرب): (كفل المال بالمال ضمنه) وكلام اللسان - كم يلوح صحيح.

السهمي

الأعرابي وفن العروض:

في العدد الأخير من (الرسالة) روي الأستاذ الكبير النشاشيبي عن محاضرات الراغب ثلاثة أبيات منسوبة إلى أعرابي في فن العروض. ولكن الزبيدي في طبقاته قال ما خلاصته: إن أبا مسلم مؤدب عبد الملك بن مروان كان قد نظر في النحو فأعجبه، بيد أنه لم يحسن التصريف فأنكره. وقد جلس معاذ الهراء يوماً يتكلم في الصرف، فسمع منه أبو مسلم كلاماً لم يعرفه، فقام عن أصحاب النحو وقال:

قد كان أخذهم في النحو يعجبني ... حتى تعاطوا كلام الزنج والروم

لما سمعت كلاماً لست أفهمه ... كأنه زجل الغربان والبوم

تركت نحوهم والله يعصمني ... من التقحم في تلك الجراثيم!

والرواية تختلف عما في المحاضرات قليلاً. وقد أجاب أبا مسلم معاذ بقوله:

عالجتَها أمرد حتى إذا ... شبت ولم تحسن أبا جادها

سميتَ من يعرفها جاهلاً ... يصدرها من بعد إيرادها

سهل منها كل مستصعب ... طود علا القرن من أطوادها

وبعد، فما رأى الأستاذ الكبير، أي العلمين أجدر بهذه الأبيات: الصرف أم العروض؟!

(كلية اللغة العربية)

أحمد إبراهيم الغرباوي

الأدب والمجتمع:

عرض الأستاذ الفاضل الكرداني في مقالة (الأدب والمجتمع) لموضوع الفن لذات الفن، والفن لخدمة المجتمع الذي كان نقطة نقاش بين الأستاذين أحمد بك أمين وتوفيق الحكيم على صفحات (الرسالة) منذ زمن.

ولكن نظرته كانت جديدة حينما ربط بين الأدب وبين النزعة الاشتراكية التي وجهت أكثر الكتاب إلى الوجهة الاجتماعية وصرفتهم عن الفن لذاته. وبذلك يكون الأستاذ الفاضل قد أضاف إلى موضوع الفن الرفيع شيئاً جديداً يشكر له، ولفت الأنظار إلى السبب الرئيسي أو المباشر الذي حول الكتاب إلى الناحية الاجتماعية.

ثم يقول في كلامه عن الإنتاج الأدبي وعلاقته بالأفراد: (أليس المجتمع سوى مجموعة أفراد؟) ولكني أقول له: إن علم الاجتماع ينظر إلى المجتمع على أنه وحدة لا تنقسم، وجميع عناصره أو أعضائه لا يمكن أن توصف أو تفسر تفسيراً علمياً إلا إذا نظر إليها ككل واحد لا ينقسم. وعلى ذلك فليس من الضروري إذا تناول الأديب وقائع خاصة أو أحداثاً شخصية فردية أن يكون ممثلاً للجماعة، بل إنه لم يزد في هذه الحال على أن يكون ممثلاً لنفسه ولنفسه فقط.

على أني أسلك في تفسير الأدب الرفيع مسلكاً آخر غير الذي سلكه الأستاذ فأقول: إن الأدب، سواء وصف أحداث المجتمع أو تناول أهواء الفرد، هو أدب له قيمته. ولا يغض من شأنه، أو ينقص من قيمته، إلا عجزه عن التصوير الدقيق والتأثير البليغ.

ويقول الأستاذ في آخر المقال تقريباً: (لا نعرف الفنان إلا خيراً، ولا نعرف الفن إلا خيراً صرفاً كله). وأكرر ما قلته أولاً أن الأدب لا يكون غثاً إلا إذا جاء تصويره فاتراً، وتأثيره على النفس واهناً. والشر في الأدب لا يقلل من قيمته، بل قد يكون من دواعي رفعته. ونضرب مثلاً على ذلك أبا نواس في الأدب العربي، وبودلير في الأدب الغربي؛ فهذا صور في شعره شهواته الجارفة وخمره وغزله بالمذكر، وذلك أتى من ضروب تصوير اللذة البهيمية ما رفعه إلى الذروة في الفن. وكلاهما لم يخرج عن الشر في صوره الأدبية في الغالب.

جبريل خزام

قبور بعض آل البيت:

كتب الأستاذ أحمد أبو زيد مقالاً قيماً عنوانه (الموالد المصرية) في العدد 632 من (الرسالة) الغراء جاء فيه:

(وتعتبر القاهرة أسعد مدن مصر، بل أسعد مدن العالم الإسلامي أجمع نظراً لكثرة ما تضمه من رفات الأشراف والأولياء من نسل النبي وغيرهم. فالقاهرة في ذلك لا يضارعها حتى مكة نفسها، ففيها رأس الحسين، ورأس ابنه زين العابدين، ورفات فاطمة، وسكينة ابنتي الحسين أيضاً الخ)

وهذا القول مخالف للواقع، لأن الإمام زين العابدين قضى في المدينة سنة أربع وتسعين أو خمسة وتسعين أو تسع وتسعين على مختلف الروايات، ودفن بالبقيع في القبر الذي فيه عمه الحسن قال السيد محسن الأمين في كتابه (المجالس السنية):

(يقال إنه مات مسموماً، سمه الوليد بن عبد الملك بن مروان، وقال الكفعمي: سمه هشام بن عبد الملك في ملك أخيه الوليد، فلما توفي غسله ولده الإمام محمد الباقر، وأعانته على غسله أم ولد له، وحنطه وكفنه وصلى عليه ودفنه. قال سعيد بن المسيب: وشهد جنازته البر والفاجر، وأثنى عليه الصالح والطالح وانهال الناس يتبعونه حتى لم يبق أحد ودفن في البقيع بالمدينة الخ ج5 ص271)

أما سكينة بنت الحسين، فإنها توفيت بالمدينة ودفنت فيها عام سبعة عشر ومائة، وقد جزم بهذا القول أكثر المؤرخين كابن خلكان في وفيات الأعيان، وأبي الفرج الأصبهاني في الأغاني، والمازندراني في كتاب (معالي السبطين) وندر من قال إنها دفنت في مصر. وقد جاء في كتاب (السيدة سكينة) لمؤلفه الأستاذ عبد الرزاق الموسوي ما يؤيد هذا القول:

(ولادتها بالمدينة ووفاتها فيها يوم الخميس لخمس خلون من ربيع الأول سنة سبع عشرة ومائة، وقيل توفيت بمكة في طريق العمرة، كما قيل رجعت إلى الشام وقبرها هنالك. وينص الشعراني في لواقح الأنوار أنها توفيت بمراغة من أرض مصر، وقبرها بالقرب من السيدة نفيسة، حيث أن أكثر المؤرخين نصوا على أنها بالمدينة، فهو بالصحة أجدر. ص6)

فاضل خلف التيلجي

تغريدات الصباح:

(ديوان شعر للأستاذ الأسمر)

هذا الديوان يمثل المدرسة الأدبية المحافظة تمثيلاً قوياً، إذ لا تروعك معانيه وأخيلته بقدر ما تأخذ بمجامع قلبك رصانة أسلوبه، وروعة بيانه. وهذا لا يطامن من قدر الشاعر، ولا يتنقص من جلاله؛ لأن الأستاذ الأسمر قد وفي لبيئته واستجاب لطبعه، فهو ربيب البيئة الأزهرية، ترى أثرها في متانة أسلوبه، وإشراق ديباجته، ومجافاته التحليق في أجواء ينفر منها الخلق، ويألم منها الضمير. أما معانيه فليست من الطراز الذي يتملك القلوب، ويستحوذ على الشاعر، ولكنها من النوع الذي نعجب به العجب الذي نملك معه الزمام، إلا أن فنه الأدائي - كما قلنا - يبلغ مبلغ الجلال والجمال والروعة في كثير من المواطن.

محمد عبد الحليم أبو زيد

مكتبة الطفل:

الأستاذ كامل كيلاني، صاحب فكرة، أقسم بالله جهد أيمانه ليوفين فيها على الغاية مهما أدمت يديه ورجليه أشواك الزمان، وليس هذا فرضاً أفترضه، أو كلاماً ألقيه على عواهنه. فأديبنا ما زال يدأب على خدمة هذه الفكرة، متجاهلاً كل العقبات ما زال والمتاعب، فكرة إنشاء مكتبة الطفل في الأدب العربي - الذي خلا منها في جميع العهود - ابتدعها الأستاذ كامل كيلاني بقلمه الذي يشبه (البطاريات) الكاشفة عن مواقع الأهداف في غلس الظلام؛ فأدبنا العربي تجاهل الطفل، والفتى اليافع، بل والشاب الناشئ، ولم يفتح عينيه إلا على الرجل الناضج، ومن يستطيع أن يقفز إلى أعلى السلم متخطياً درجاته الأولى دفعة واحدة؟!

ها هي ذي الدرجات الأولى في سلم الأدب العربي يضعها الأستاذ كامل كيلاني ببراعة المهندس، وحكمة البناء، وذوق الفنان الذي، يتحدث عن عمله فيقول: (أخذت في إظهار مكتبة الأطفال التي أمضيت في تأليف أجزائها عدة أعوام، وجعلت منها مجموعات يقرؤها الطفل على مراحل مرسومة، كل مرحلة تناسب سناً معلومة، دفعاً للحرج، وتمشياً مع سنة الترقي من درج إلى درج؛ فهو يقطع هذه المراحل في المطالعة والدرس، مستريح البال، مطمئن النفس، لوضوح مقاصدها، وسهولة مآخذها ومواردها، لا يجد فيما يطالع منها إلا ما يناسب مزاجه ويوائمه، ولا يصادف فيما يقرأ إلا ما يوافي طبعه ويلائمه)

وكان من أثر هذا المجهود الفذ أن ظفر صاحبه بثناء الأمراء المثقفين، والوزراء المتأدبين، وحملة الأقلام في الشرق، اعترافاً منهم بتبريزه وفذاذته؛ فها هو ذا الأمير سيف الإسلام عبد الله ولي عهد اليمن يوجه إليه خطاباً كريماً يفيض بالتقدير ويختمه بقوله: (وسنقتني منها ومن مكتبة الكيلاني للأطفال - كمية يستفيد بها الأولاد في اليمن)

وها هو ذا سعادة الأستاذ نجيب الهلالي باشا يوجه إليه رسالة من نيانه الرائع فيقول: (ضالة الجبل، ومنطق العرب الأصيل رجال في مرح الأطفال، وأطفال في هدى الرحال، جد في لعب، وجوهر من الصدق في عرض من الكذب. . .) ثم يقول سعادته: (وإن طفلاً تتعهده هذه الكتب، وينشئه هذا الأدب لهو خليق أن يمضي في البلاغة قدماً، حتى يطلع في سمائها نجماً ولقد جئت في ذلك بدلائل الإعجاز، وسموت فيما دبجته يراعتك من إطناب وإيجاز).

بين يدي الآن مجموعة من مكتبة كيلاني للأطفال فهذه قصة: (أصدقاء الربيع) وقصة: (زهرة البرسيم) وقصة: (في الإسطبل) وقصة: (جبارة الغابة) وقصة: (أسرة السناجيب) وكلها قصص علمية للأطفال قصص تقوم على أساس علمي من حيوات الحيوان والنبات، فهذه ظاهرة علمية من حياة حيوان أو عمر نبات، ولكنك تترشفها من بيان كيلاني أفكوهة أو موقفاً مسرحياً يبتز منك الإعجاب والاهتزاز. ولأديبنا كيلاني قدرة عجيبة على مزج الحقائق بالأساطير مما يجعل لنفسك متنفساً حينما تنتقل من فئ إلى فئ، ومن ضوء إلى ضوء. وليس هذا عجباً ممن مارس الطبائع في شتى الصور حينما تصدى للكشف عنها في قصص ممتع شهي كهذا الذي بأيدينا الآن.

ورجاؤنا أن يتناول أديبنا الكبير في قصصه الآتية - إن شاء الله - ناحية التاريخ الإسلامي بما هو أهل من العناية، ويظهر ما فيها من كنوز؛ فإن العالم الإسلامي الذي يقرأ ويتعلم اللغة العربية من كتب الكيلاني مشوق إلى هذا النوع من القصص بأسلوب الكامل.

وهبي إسماعيل حقي

عضو البعثة الألبانية بالأزهر