مجلة الرسالة/العدد 674/تصحيح كتاب (البخلاء)

مجلة الرسالة/العدد 674/تصحيح كتاب (البخلاء)

ملاحظات: بتاريخ: 03 - 06 - 1946



للدكتور داود الجلبي

قرأت باهتمام في هذه المجلة في أعدادها (667 - 669) المقالة التي عني فيها (أستاذ عظيم) بنقد كتاب البخلاء للجاحظ طبعة وزارة المعارف بمصر. وسبب اهتمامي أني حاولت قبلاً تصحيح الكتاب المذكور المطبوع في دمشق سنة 1357 هـ باعتناء علماء من أبناء الشام، نشرت تصحيحي في مجلة المجمع العلمي العربي بعنوان: (تصحيح أغلاط كتاب البخلاء) في الجزء الأول والثاني المزدوج، وفي أربعة أجزاء مزدوجة أخرى تليه من المجلد العشرين مع تصحيح واستدراك في الجزء الأول والثاني المزدوج من المجلد الحادي والعشرين. فأردت أن أرى هل تنازل الأستاذ العظيم إلى مطالعة تصحيحي، وما الذي جاء في تصحيحي موافقاً لتصحيحه، وما الذي خالفه. وبعد المطالعة ظهر لي أن الأستاذ لم يعلم بوجود تصحيحي، ووجدته عظيماً حقاً في انتقاده وآرائه الصائبة، وعددت نفسي سعيداً لاتفاق التصحيحين في الغالب. ولست في صدد تعداد ما جاء موافقاً، وما جاء مبايناً أتركه لحكم من أراد الاطلاع والتتبع.

ولكن لا بد من ذكر بضع فقرات وردت في كلام الأستاذ العظيم تحتمل النظر فيها، فأقول:

جاء في الرسالة في عددها 669 ص 475 كلمتا (الفرد) و (الجوهري) وقال الأستاذ: إن الفرد أصلها (العرض) والجوهري أصلها (الجوهر). أما أنا فقد كنت صححت الفرد بال (قصرة) سقطت منها الصاد وحرفت وهي ما يبقى في المنخل بعد الانتخال. وصححت الجوهري بال (حواري) وهو لب الدقيق الأبيض الخالص. وتصحيحي هذا ينطبق على القصة دون الالتجاء إلى المجاز أو الاستعارة أو التشبيه.

وفي الصفحة عينها استنكر الأستاذ كلمة إنفاق، وأراد تصحيحها بأنفاط جمع نفط، ولكن الكلام كان على الزيت والسمن، أي على الأدهان المأكولة، والنفط ليس منها. أراد الجاحظ بالإنفاق زيت الإنفاق، وهو الزيت المعتصر من الزيتون الفج، ويسمى بالزيت الركابي أيضاً. جاء في التاج في مادة (فوق): الإنفاق وهو الغض من الزيت. وجاء فيه في مستدرك مادة (نفق): وزيت أنفاق: غض. وجاء في مادة (ركب): ويقال زيت ركابي لأنه يحمل من الشام على ظهور الإبل. أهـ. وقال ابن سينا في الجزء الأول من القانون ف مادة (زيتون): وقد يعتصر من الزيتون الفج الزيت، وقد يعتصر من الزيتون المدرك. وزيت الإنفاق هو المعتصر من الفج. أهـ. وقال داود الانطاكي في الجزء الأول من كتابه تذكرة أولى الألباب: (زيت) وهو الدهن المعتصر من الزيتون، فإن أخذ أول ما خضب بالسواد ودق ناعماً وكب على الماء الحار ومرس حتى يخرج فوق الماء فهو المغسول؛ ويسمى زيت أنفاق. وإن عصر بعد نضج الثمرة وطبخ بالنار بعد طحنه وعصره بمعاصير الزيت فهو الزيت العذب. أهـ. وفي بحر الجواهر لمحمد بن يوسف الطبيب الهروي (طبعة الهند على الحجر): والزيت قد يعصر من الزيتون المدرك، وزيت الإنفاق هو المعتصر من الفج، وإنما سمي به لأنه يتخذ للنفقة، ويقال له الركابي أيضاً لأنه كان يحمل على الركاب أي الإبل من الشام إلى العراق، كذا قال بعض الفضلاء. وقال مولانا نفيس: نقل أبو ريحان في الصيدلة عن ماسر جوبه أن كل ثمر يكون غضاً نضيراً يقول له أهل الروم انفاقين، والانفاق مشتق منه. أهـ. أقول إن قول ماسر جويه هو الصحيح، فإن الكلمة معربة من اليونانية، ويريدون به كل ثمر فج، ومنه الحصرم. وجاء في لاروس الكبير أن مشتقة من امفاكس المذكورة وجاء في قاموس ليتره الطبي في مادة قوله: , وترجمته: زيت الإنفاق زيت مر معتصر من الزيتون الذي لا يزال غضاً. أهـ.

أما زيت الماء فالمفهوم أنه المعتصر من الزيتون المدرك، سمي به في مقابلة الركابي، لأنه كان يجلب إلى البصرة بالسفن نهراً.

وأما الأبيات الواردة في ص 476 من الرسالة وهي:

تهنا لثعلبة ابن قيس جفنه ... يأوي إليها في الشتاء الجوع

ومذانب لا تستعار وخيمة ... سوداء عيب نسيجها لا يرقع

فكأنما فيها المذانب حلقة ... ودم الدلاء على دلوج ينزع

فكنت قد صححت (ودم) ب (وذم). ورأى الآن أن الأبيات تحتاج إلى تصحيحات أخرى كي يظهر لها معنى مقبول؛ ففي البيت الأول تستبدل (فينا) (بتهنا) و (خيمة) (بجفنه) وفي الثاني تستبدل (جونة) (بخيمة) و (سخامها) (بنسيجها) و (لا يرفع) ب (لا يرقع)، وفي الثالث (تنزع) (بينزع)، و (ولوج) جمع ولاج وهو الولادي (بدلوج) ذلك أن الإنسان يبرد في الشتاء فيحتاج إلى كن يقيه البرد وبخاصة إذا كان جائعاً، وهذا الكن في البادية هو الخيمة لا الجفنة. وقال الافوه الأودي هذه الأبيات مفاخراً. ولكن كيف يفخر الإنسان بخيمة سوداء لا ترقع خروقها. الصحيح أنها جونة. وأراد بالجونة القدر السوداء الظاهر، لأنهم يفخرون بها لكونها دليلاً على كثرة الطبخ بها. قال أحدهم يفخر بسواد قدره في جملة أبيات:

بقدر كأن الليل سحمة قدرها ... ترى الفيل فيها طامياً لم يقطع

أراد بالفيل الجمل الضخم. وبعد هذه التصحيحات تكون الأبيات هكذا:

فينا لثعلبة ابن قيس خيمة ... يأوي إليها في الشتاء الجوع

ومذانب لا تستعار وجونة ... سوداء عيب سخامها لا يرفع

وكأنما فيها المذانب حلقة ... وذم الدلاء على ولوج تنزع

عبر عن سخام القدر بالعيب، وهذا مدح في معرض الذم، كقول الشاعر:

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب

وأما تصحيح الأستاذ العظيم كلمة العود بالفتح بالعود بالضم في البيت: المشرف العود فأكتافه. . . الخ، وقوله وهو كناية عن ارتفاع قامته مادياً أو ارتفاع هامته معنوياً، فلا أدري قامة من، وهامة من قصد، في حين أن لا ذكر لرجل هناك. يجب تصحيح البيت هكذا: للشرف عوض المشرف، واللام الأولى في للشرف مفتوحة وهي للتأكيد؛ والفرد عوض العود؛ وجمران عوض حمران، (كما في طبعة دمشق) فالشرف هو الجبل، والفرد وجمران وينصوب (جمعه يناصيب) أسماء جبال في البادية ذكرها ياقوت في معجم البلدان. والشاعر يقول في امرأة بدوية أنه إذا وجدت منعاً وضيفاً من زيد بن أيوب (ولعله كان حضرياً) يكون خيراً لها أن تعود إلى منازلها التي ألفها عند الجبال المذكورة. . .

ولقد أصاب الأستاذ بتصحيحه كلمة (كسجر) ب (كسحر) في البيت، ونار كسجر العود. . . الخ كما أتى بآراء صائبة يشكر عليها في مقالته.

(الموصل)

الدكتور داود الجلبي