مجلة الرسالة/العدد 675/من صميم الحياة:

مجلة الرسالة/العدد 675/من صميم الحياة:

مجلة الرسالة - العدد 675
من صميم الحياة:
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 10 - 06 - 1946


طبق الأصل. . .

(يا أيها الآباء: إن الذي لا يعتبر بغيره، يصير هو عبرة

للناس)

للأستاذ علي الطنطاوي

إن الحياة تؤلف قصصاً، يعجز أبرع أهل الفن عن توهم مثلها؛ ولكن الحياة لا تذيع (مؤلفاتها) ولا تعلن عنها، فتبقى (مخطوطة) مخبوءة لا يصل إليها ولا يقرؤها إلا رجل حديد البصر، طويل اليد، ذو جلد على البحث وصبر على التنقيب، ولست ذلك الرجل، ولا أنا من عشاق المخطوطات ورواد المباحث، ولكن الأيام ألقت هذه القصة في طريقي؛ فوجدتها (مطوية) في سجلات محكمة من المحاكم، مقطعة الأوصال، مفرقة الأجزاء، فألصقت أوصالها، وجمعت أجزاءها و (نشرتها) في الرسالة، ومالي فيها إلا الرواية!

بدأت هذه القصة في مخفر للشرطة في مدينة (كذا) في ظهيرة يوم وهج عصيب من أيام تموز تسعر فيها الجو، وأقفرت الشوارع من السالكين إلا سالكاً بسيارة تطوى له الأرض، أو عربة تخب به خيولها يقطر العرق من صدورها وأعرافها، أو صاحب حاجة مفلساً يخوض الهاجرة ماشياً في قضائها، أو موظفاً مسكيناً انصرف إلى منزله لا يجد إذا كان أميناً أجرة سيارة ولا عربة ولا حمار لو أنها كانت تؤجر الحمير الآن، كما كانت تؤجر من زمان. . .

وكان في المخفر أربعة من الشرطة قد نزعوا أرديتهم، وحلوا مناطقهم، واستلقوا على مقاعدهم في كسل وارتخاء، واستسلم كل لأفكاره وهمومه، أو انطلق سادراً في أودية الأحلام؛ فذو العيال منهم يفكر في هم البيت ومشاكل النفقات، والخبيث يكد ذهنه يفتش عن شيء براني وما أهون الوصول إليه في هذه الأيام التي فشت فيها الرشوات والبراطيل حين غلت الأشياء كلها ولكن رخصت الضمائر، وسعرت الحكومة الأشياء كلها وتركت الذمم، والعزب التقي يداري من شهوته مثل لذع النار تؤرثها مشاهد الطريق، ويحبسها خوف الله والعار، إن كان قد بقى في (العشق. . .) اليوم من عار.

والماجن يتعلل بذكريات ليلة فاجرة ويتلمظها ويلتذ بالتفكير في فجور جديد. . . وكانوا سكوتاً لا تسمع منهم إلا أغنية الصمت التي ليس لها آخر، يقطعها بين الفترة والفترة سؤال مختصر يلقيه أحدهم بصوت خافت تتعثر كلماته وهي سائرة في الفضاء من الضجر والملل، يجيب عليه الآخر بهزة من رأسه أو بكلمة مفردة يمضغها بين أسنانه ويبتلع الحرف الأخير منها، يعود السكون كما كان!

ويفتح الباب.

ويرفع الشرطيون الأربعة رؤوسهم ينظرون من هذا المتطفل الثقيل الذي دخل عليهم في هذه الساعة، وكل واحد منهم يتمنى أن يكفيه غيره مشقة صرفه والتخلص منه، ولم يكن فيهم من ينشط لعمل ولا لحديث؛ ولكنهم لا يرون القادم حتى يطير الخمول من نفوسهم، ويدب النشاط في أجسامهم، وينسى ذو العيال هم البيت، وطالب الرشوة لذة المال، وينسى (العاشق) المحروم فتاة أحلامه، وتتعلق أبصارهم بالقادم وكأن الدهشة قد ثبتتها في محاجرها فهي لا تتحرك ولا تطرف، ثم ينظر كل في ثيابه فيصلح منها ما يستطيع، ويمد يده إلى قميصه فيحكم زيقه وإلى ردائه فيرتديه، ويقف مستعداً كأنما قد فاجأه المدير العام، ويتم ذلك كله في لحظات!

ولم يكن القادم المدير العام بل تلك الفتاة الجميلة المتكبرة التي كانت تمر بها كل يوم شامخة الأنف تنظر دوماً إلى الأمام، لا تتنازل أن تلقي عليهم نظرة واحدة. . . وكانت تترك وراءها كلما مرت عبقاً من الروعة والسحر، فقد كان جمالها من الجمال الشرس الأخاذ الذي يروع الناظر إليه ويشدهه حتى يتركه وكأنما قد أصابه دوار حلو وخدر لذيذ. . .

فإذا ابتعدت وصحوا من سكرة جمالها، عادوا إلى الحديث عنها فأنفقوا فيه نهارهم. ولقد تسقطوا أخبارها فلم يسمعوا عنها ما يريب، برغم هذه الثياب (الفظيعة) التي كانت تخرج بها، ثياب أزهى من زهر الربيع، وأرق من دين الراقصات، وأقصر من عمر الحب! غشاء من الحرير إلى ما فوق الركبتين، يبرز ما تحتهما ويصور ما فوقهما، والذراعان باديتان والشعر يتموج على الكتفين خصلاً تزري بحر العسجد وخالص الحرير.

ووقفت الفتاة تصوب فيهم نظرات متعالية ثم قالت عابسة زاوية ما بين عينيها، ضامة شفتين كزر الورد على فم لا يتسع للكلمات، لا يصلح إلا للقبل: - إن أمام باب المخفر شاب وقح لا يزال يلاحقني كلما مشيت في الطريق، فأرجو سؤاله عما يريده مني!

وعرفوا الذي يريده منها، وكانوا في قرارات نفوسهم يريدون مثله، وكانوا قوماً همجاً متأخرين ذوي عقول قديمة رجعية. لا يفهمون من تكشف البنات إلا (ذلك) المعنى العتيق جداً. . . لا يعلمون أن الدنيا تقدمت، وأن البنت تتكشف على الساحل للسباحة، وفي المدرسة للرياضة، وفي الطريق وفي الترام للصحة وحدها فقط. . . لا غير. . .

ولكنهم أسرعوا مع ذلك إلى الباب ليقبضوا على هذا (الوقح) الذي تطاول إلى سماء الجمال، فأراد أن يدنس الكوكب الذي تستنير به قلوبهم، ولا يجرءون على التأميل فيه والتفكير في الوصول إليه، وكل منهم يود أن يسبق إلى اتخاذ اليد عند الآنسة الفتانة المتكبرة ذات الثياب (الفظيعة)! وجاءوا به.

وكان شاباً مخنثاً خليعاً، تحس إذا نظرت إليه أن رجولته كورقة النقد المزورة لها لونها ونقشها، ولكن ليس لها قيمتها، ولا تشتري لصاحبها إلا مكاناً في السجن، كما أن رجولة هذا الشاب لا تكسبه إلا موضعاً في جهنم. . . وكان الشرطيون لأربعة يحفون به بقاماتهم المديدة، وأجسامهم التي تتفجر بالقوة، كما تحف أربعة سنانير بفأر هزيل، ينظرون إليه بازدراء احتقار، أهذا هو المخلوق الذي يطمع في هذه الآنسة ويطمح إلى أن يكون (رجلها) من دون الرجال؟!

وزجروه وأوعدوه، ولكنه لم يزدجر ولم يخف، ولبث ينظر إلى الفتاة بعيون ثعلب، ويبتسم ابتسامة قرد مهذب، فلم يكن من أحد الشرطيين إلا أن لطمه (بيد ما وقف عليها طبيب) لطمة تركت على وجهه من آثار الأصابع خطوطاً يكاد ينبثق منها الدم، وترنح ومال، ولكنه تصبر واستند على نضد، وقال لها:

- أيرضيك هذا يا آنسة؟ أتحبين أن أفضح السر؟

فانتفضت وقالت:

- أي سر أيها الكلب؟ أيها السادة: أرجوكم وضع حد لهذه المهزلة!

فكروا عليه بالضرب واستاقوه إلى (القفص)، فلما ابتعد عن الفتاة، قال لهم:

- أنا أحذركم. إنكم تعتدون علي بغير (موجب قانوني) إن هذه البنت برغم ما تظهره من التسامي. . . إنها عشيقتي، وأنا أعرف كل بقعة في جسمها، وآية ذلك أن مكان كذا منها علامة كذا، وقد قبضت مني ليلة أمس إذ باتت عندي إلى الصباح، ثلاثين ليرة ذهبية.

ابتعد الشرطيون فتشاوروا فرأوا أن يدعوا أباها، وكان تاجراً كبيراً وثرياً من أثرياء الحرب الذين أصابوا فيها غنى فاحشاً جعلهم ينتقلون نقلة واحدة إلى منازل (الأكابر. . .)، فتركوا حياة الفقر، ولكنهم تركوا معها حياة العفاف والستر، وقلدوا الأكابر في مناعمهم، ولكنهم قلدوهم أيضاً في رذائلهم. وأكثر ما تعيش الرذيلة راسبة في القعر أو طافية على الوجه، فلا تراها إلا في أسفل السلم الاجتماعي أو في أعلاه، أما الأوساط فهم الأخيار وهم الصالحون. . .

واستبقوا الفتاة والشاب في المخفر ريثما يحضر الأب.

ووقفت السيارة الفخمة بالباب، ودخل أخو البنت جاء به الرسول إذ لم يجد والدها، فلما أبصر أخته في المخفر وأبصر معها هذا الشاب المخنث زاغ بصره وحدثه قلبه بالشر، فانتحى به الشرطي ناحية ونفض إليه خلاصة القصة، فلم يتمالك أن جرّ أخته فأدخلها غرفة خالية عند الباب، وواراها وهي متعجبة تبصر ولا تفهم، وتحسّ منه الغضب ولا تعرف السبب، ومدّ يده مسرعاً فرفع ثوبها الرقيق القصير قبل أن تتنبه له أو تدري ما هو صانع. فلما رأى العلامة، أحسّ أن دماغه قد غلي فجأة كما يغلي الماء في إبريق الشاي، وثار كما يثور المرجل ثم شعر أنه قد (تبخر) من رأسه وأنه انقلب مجنوناً. . . ودارت به الأرض وتداخلت المرئيات ونسي هذا (التجدد) الذي استحبه ودعا إليه وارتضاه لأخته وزوجته كما ارتضاه أبوه. . . ونسي أنهم هم الذين اشتروا للبنت هذه الثياب، وهم ألبسوها إياها بعد الملاءة السوداء والنقاب الصفيق، وهم أرسلوها إلى المدرسة (الحديثة) التي أنشأتها الجمعية النسائية. . . وهم تركوها تقرأ على الشباب وتجالس الأغراب، وهم بعثوا بها وحدها تقيس الطرقات وتجاور في السينمات. . . وأحسّ بالجرح في قلبه، وانصبت نقمته على الفتاة وحدها، فبصق عليها ولعنها، ثم رفع يده فصك هذا الوجه الجميل صكه طنت في آذان الشرطيين فأحسوا حرّها على وجوههم وحزتها في قلوبهم، إذ قد فهموا منها أن قصة هذا (المخنث) صحيحة، وأن الفتاة التي حسبوها بطهرها وكبرها وسحرها أمنع من نجم السماء، قد بذلت أعز شيء عليها لهذا. . . المخلوق! وأقبل الأخ فأعطى الشاب ثلاثين ليرة ذهبية من غير أن يلقي عليه نظرة أو يقول له كلمة، ثم استاق أخته وخرج، ولم يبصروا منها إلا قفاها، ولكنهم أبصروها مطأطئة الرأس، قد ذهبت عنها تلك الكبرياء وبطل ذلك السحر، أو أن إيمانهم بزلتها خيل إليهم ما زعموا أنه رأوه. . .

ومضت السيارة بالأخت وأخيها.

تركها في مقعد السيارة كأنما هي عدل ملقى، وقاد السيارة إلى الضيعة المعتزلة حيث كان أبوه، فأسرع عليه فسارة وأعلمه بالأمر، فسرعان ما أمحى طلاء (التمدن) الكاذب عن هذا التاجر الذي أعطاه الله مالا ولم يعطه عقلاً ولا ديناً شأن أكثر أغنياء الحرب. وسرعان ما عاد ذلك العربي الذي كان يئد البنات خوف العار، والذي تحوي لغته كلمة لا يمكن أن تترجم لأنه ليس في لغات الناس ما يقابلها ويحمل معانيها هي كلمة: العرض، وكذلك يبين إذا جد الجد، وكانت النتيجة الضرورية لهذه المقدمات (التي هي التكشف والانطلاق والاستهتار). . . أننا لا نزال كعرب الجاهلية في غيرتنا، وأن هذا التجديد تمويه، وقديماً قال المثل الأوربي: حك جلد الروسي يظهر لك التتري!

ثم عاد فجاء بالبنت؛ فلما رأت أباها، انفجرت عواطفها التي كبتتها المفاجأة الظالمة التي فاجأها بها أخوها وأجهشت وألقت بنفسها بين ذراعيه، وقالت: أبي! وحسبت أنها بلغت الحمى الآمن. وإذا بالأب يدفعها فتسقط، ثم يركلها بقدمه ويقول:

- أنا لست أباك أيتها العاهرة، لعنة الله عليك!

فتجحظ عيناها دهشة، ثم تثور مرة واحدة، وتصرخ:

- ما لكم؟ هل جننتم؟ إذا كانوا قد حكوا لكم شيئاً، أو وشوا وشاية فاسألوني وتحققوا، فإن. . .

فيقول الأب:

- أولك عين تحدق، ولسان يناقش يا ملعونة؟ قولي: ما هي صلتك به؟ قولي الحق وإلا ذبحتك كما تذبح النعجة. . .

- من هو الذي تعنيه؟ إني لا أفهم!

فيقول الأخ: - لا تفهمين يا فاجرة؟ الكلب الذي دفعت له ثلاثين ليرة بدلاً عن التي قبضتها ثمن بكارتك وعرضك وشرفك. . .

- أنت والله مجنون، أي ثلاثين ليرة؟ وما دخل عرضي وشرفي، وأنا لم أكلمه في عمري، ولم أعرفه. . . والله والله إن. . .

- لا تذكري اسم الله بلسانك الدنس.

ويهجم عليها فيشدها من شعرها، ويخرج بها. . . إعلانا لختام المحاكمة، وثبوت الجرم!

ارتقب الشرطيون أياماً فلم يروا البنت تمر بهم، وطفقت أمها تسأل عنها في المنزل، ومعلمها يسأل عنها من المدرسة، فيقولون للأم: هي في رحلة مدرسية. ويقولون للمعلم: هي في سفرة عائلية. وكاد الشرطيون ينسونها، وتضيع صورتها في مشاهد الحياة وهمومها، وفرغت كأس الحديث عنها فلم يبق لهم ما يتساقونه، فعادوا إلى صمتهم وتكاسلهم واستلقائهم على كراسيهم. . . ولكن الشرطي (العاشق) الذي رآها تشبه فتاة أحلامه لم ينسها. . . فكان كلما انتهى عمله في المخفر يلقي بزته العسكرية ويلبس ثيابه المدنية، ويتعقب ذلك (الشاب) يحصى عليه حركاته وسكناته، ليضبطه (متلبساً بجرمه) ويمسكه معها فلا يراه إلا منفرداً. . . حتى كاد ييأس منه وينصرف عن ملاحقته لولا هذه المصادفة:

وجده مع فتية من لداته عند حلاق، فدخل فقعد كأنه ينتظر دوره ليحلق، فسمع منه حديثاً خافتاً ورأى على وجهه ابتسامة ظفر، ثم أبصره يخرج لهم من جيبه الذهب ليروه، فخفق قلبه وعلم أن الحديث عنها، فتلطف ودنا وأصغى فسمعه يقول:

- (لا والله إني لم أكلمها في عمري، ولم أمسس جلدها ولا أعرف اسمها، ولكنها كانت بنتاً جميلة في السابعة عشرة، وتلبس هذه الثياب القصيرة التي يهب عليها النسيم، فيحركها فتكشف كل ما تحتها، فألحقها عن بعد لأمتع البصر بما يبدو من خفايا حسنها. وكانت يوماً على درج المدرسة، وكنت واقفاً تحت الدرج بحيث لا تراني، فانحنت لتصلح حذاءها انحناءة كشفت نصفها الأسفل كله، وكانت تلبس (كلسوناً) من الحرير الشفاف يوضع من صغره في علبة كبريت، ويصغر عن منديل، فأبصرت هذه العلامة. . .).

وعاد الشرطي إلى رفاقه بالنبأ، فوجدوا شيئا يعملونه.

أحضروا الشاب ومن كان معه، وحققوا واستنبطوا وهددوا فلم يسعه إلا الإقرار، ولم يسعهم إلا الشهادة، وكتب الضبط بالحادث ودعي الأخ الذي دفع المال.

فلما حضر وسمع الحديث شحب لونه حتى كأنه قد نزف دمه كله، وانقلب وجهه فصار كوجوه الموتى، ودنا من الشاب وهو يرتجف كمن مسته قشعريرة، وقال له بصوت رهيب مخيف لا يشبه أصوات البشر:

- ألا تعرفها؟ ألم يكن بينك وبينها شيء؟

قال الشاب فزعاً:

- لا والله، لا والله، ما كلمتها في عمري ولا مسستها، وهذه ليراتك. . .

- قال: ليراتي يا ابن الكلب، بعد ما ذبحت البنت البريئة؟

وانقلبت عيناه في أم رأسه، وصار مثل الوحش الهائج، وتلفت حوله فوجد قضيب حديد يتخذونه مزلاجاً. . . فتناوله ونزل على الشاب ضرباً به على رأسه، وهم جميعاً يحاولون إمساكه فلا يقدرون عليه، حتى سقط الشاب ميتاً عند قدميه وسط بركة من الدم، فداس على عنقه وبصق عليه، ثم ارتخت يداه بالقضيب، وقال:

- أسلم نفسي! أنا ذبحت أختي وقتلت هذا الشاب!

وارتمى على المقعد ينتظر حكم المحكمة عليه في الدنيا، وحكم الله عليه وعلى المحكمة في الآخرة. . .

(دمشق)

علي الطنطاوي