مجلة الرسالة/العدد 680/من التاريخ الإسلامي:

مجلة الرسالة/العدد 680/من التاريخ الإسلامي:

ملاحظات: بتاريخ: 15 - 07 - 1946



قضية سمرقند

للأستاذ علي الطنطاوي

كانت ليلة ميتة لا يتردد في صدرها نفس من نسيم، ولا تبدو فيها حركة من حياة، عمياء لا تبصر فيها عين من نجم يسطع في السماء، أو مصباح يزهر على الأرض، وقد أوى كل حي في (سمرقند) إلى مضجعه، ونامت المدينة تحت أثقال من الصمت والظلام، ولم يبق متيقظا فيها إلا هذا الرجل الذي خرج من داره، يخوض لجة الليل مارا إلى غايته، ولا يقف ولا يلتفت حتى بلغ قصر الإمارة فألقى عليه نظرة، لو كانت نظرة تحرق لأحرقه الشرر المتطاير منها، ثم أوسع الخطو، وأسرع كأنه يريد أن يجنب نفسه مرأى هذا القصر، وأن يسابق الزمن إلى هدفه الذي يرمي إليه. . . .

وفارق المدينة واحتواه الغاب، وطنت في أذنيه أصوات هوامه وحشراته، وكان الغاب موحشا غارقا في ظلمتين، ظلمته وظلمة الليل. . . ولكن الرجل لم ينتبه إلى وحشته وظلامه، وقد كان له من ضخامة المطلب الذي يسعى إليه وعظم الخطر الذي يقدم عليه، شاغل عن التفكير في ثقل هذه الليلة، وانفراده في الغاب، والخوف من أن تنشق هذه الظلمة المتراكبة حوله عما يؤذي ويروع. . . حتى إذا بلغ الصخرة التي تقوم عند باب المعبد وقف وأحجم، وخالطته هيبة شديدة، ووقر على صدره شئ لم يجد مثله في الغاب الموحش، ولم يكن غلاما تفزعه الأشباح، ولا كان الجبان الرعديد، ولكن ما وضعوه في نفسه وهو صغير من أسرار المعبد وعجائبه، جعله يشب ويكتهل ولا يزال أمامه مثل الطفل الصغير وكان فارس البلد غير مدافع، وبطل المعارك المكفهرة، ولكن المعبد غير الميدان، ولئن واجه في الميدان رجالا مثله، ففي المعبد قوى لا يراها، وخفايا لا تصنع معها شجاعته شيئا. . . ولم يدخله قط، إنما يدخل المعبد هؤلاء النفر من الشيوخ الذين مارسوا من أنواع العبادة والرياضيات ما يجعلهم أهلا لدخوله، ثم لا يخرجون منه أبدا، ولا يجوز لهم أن يعودوا فيروا نور الشمس ولا زهر الروض، وكان يشعر بأن لهؤلاء الكهنة مهابة في قلبه ومحبة، ويحس بالخوف منهم وهو الذي يواجه الأبطال الصناديد، ويقدم على الموت الأكيد غير خائف ولا وجل. وطال وقوفه عند الصخرة وهو يتهيب أن يقرعه بيديه على نحو ما أمروه أن يفعل إذا هو وصل. . . وجعل يحدق في الظلام فرأى كأن شخصا عظيم الهامة له لحية بيضاء عريضة قد نبع من الأرض، ففزع وإرتاع، ولكنه سمع صوتا إنسانيا يناديه باسمه ويدعوه إلى أن يتبعه، فعلم أنه الحارس الموكل بباب المعبد، فلحق به وقلبه يخفق تطلعا إلى ما وراءه من خفايا وأسرار، فأجتاز به سردابا طويلا ملتويا تضيئه مصابيح نحاسية منقوشة، يخرج منها لهيب أزرق يتراقص فيلقى على الجدران الصخرية ظلالا عجيبة، وفي السرداب تماثيل (آلهة) ذات صور بشعة مرعبة، يومض من عينيها ضوء أحمر فيكون لها منظر يخلع قلوب الجبابرة. . . وفي السرداب شقوق يدخل منها الهواء فيصفر صفيرا مخيفا كأنه صوت سرب من البوم. . . ثم دخل به غرفا منقورة في الصخر حتى انتهى به إلى قاعة الكهنة الذين لا يراهم أحد لأنهم لا يخرجون من المعبد، وقل أن يدخلوا أحدا عليهم، والذين كانوا هم حكام البلد وملوكه وأصحاب الكلمة فيه، لا يجرؤ على مخالفة أمرهم أحد إلا حقت عليه لعنة (آلهة. . .) المعبد، ذات الوجه البشع المرعب. . .

لم يستطع الرجل من دهشته أن يدير نظره فيما حوله، أو أن يملأ عينيه من الكهنة ومن كان معهم، وسمع كلاما بنصب في أذنيه بصوت خافت رهيب كأنما هو يسمعه حالما. . . وفهم أن المتكلم يذكر ماضي سمرقند وسالف مجدها، وكيف هبط عليها هؤلاء المسلمون هبوط البلاء، فأزاحوا عرشها، وحطموا جيشها، وحكموا وملكوا أمرها، ثم أفاض في الكلام على الخطة التي اختطها لإفساد أخلاقهم ودينهم، وإضعافهم وإلقاء الخلف بينهم، وكانت خطة شيطانية أرتجف لسماعها، ثم عاد المتكلم فقال:

- غير أنا رأينا أن نرجئ خطتنا، ونرمي أخر سهم في جعبتنا، وذلك أنا سمعنا أن لهؤلاء القوم ملكا عادلا يقيم في دمشق، فأزمعنا أن نرسل إليه رسولا يرفع إليه شكايتنا، ويشرح له مظلمتنا، ثم نرى ما هو فاعل، وقد اخترناك لمعرفتك العربية وجراءة جنانك لتكون أنت الرسول؛ فهل أنت راض؟ قال: نعم. قال: أمض بتوفيق الآلهة. . .!

وخرج وما تسعه من فرط الزهو الأرض، وأحس من الخفة والنشاط أنه سيطير، ورأى ظلام الليل أبيض مضيئا، ولقد اعتدها نعمة كبرى أن دخل المعبد وكلم الكهنة، وكان موضع ثقتهم ونجواهم، وأن أولوه شرف القيام بأضخم مهمة عهدوا بها إلى أحد، وشعر أن حرية قطر سمرقند وشرفه في يمينه، وأنه هو المحامي عنه والمنافح دونه، وكان لفرط شجاعته يتمنى لو كلفوه حرب المسلمين وإخراجهم من بلده، ولم يكن يعرف مبلغ قوتهم، وجلال ملكهم، وأن هذا القطر كله في جنب دولتهم كالساقية التي جاءت تغالب البحر. . . ولو مد البحر وأزبد وهاج لاقتلع الساقية من منبعها فشربها فضاعت فيه فلم يبق لها أثر، فلما شد رحاله وسافر ومضى يقطع الليالي الطوال، والأسابيع والشهور، وهو لا يفتأ يمشي في ظلال الراية الإسلامية المظفرة، لم يلق عصا التسيار ولم يبلغ العاصمة. . . من سمرقند إلى بخارى إلى بلخ إلى هرات إلى قزوين إلى الموصل إلى حلب إلى دمشق. . . دنيا من الخصب والحضارة والمجد، وبلاد كانت ممالك كثيرة ما مملكة منها إلا وهي أعظم وأضخم من سمرقند. . . وما سمرقند في جانب ملك كسرى وخاقان؟ فأين ملك خاقان وكسرى! لقد ابتلعته المدينة المتوارية بين الحرتين وراء رمال الجزيرة، تلك القرية التي هزها محمد بيمينه، فولدت الأبطال الذين انتشروا في آفاق الأرض وملكوها. . . وأنبتت رمالها جنات الشام والعراق وفارس وخراسان. . . وهذه البلاد الخصبة الممرعة التي ليس لها آخر. . . وكان كلما تقدم ورأى جديدا من دنيا الإسلام تمتلئ نفسه فرقا من لقاء الخليفة. . .

وأفاق يوما من ذهوله، بعدما صرم في هذه الرحلة أشهرا، على صوت الدليل، وهو يهتف باسم (دمشق).

هذه دمشق سر الأرض، هذه سدة الدنيا، هنا التقى والعلي والمجد والغنى والجلال والجمال. . . من هنا تخرج الكلمة التي تمضي مطاعة حتى تنتهي إلى بلده سمرقند، وتمضي من هناك حتى تبلغ أرضا أبعد وأنأى، حتى تجوز أسبانيا، هنا يقيم الرجل الذي ملك ما لم يملكه في سالف الدهر قيصر ولا كسرى ولا الإسكندر ولا خاقان. . . والذي لا يجد من جبال الصين إلى بحر الظلمات من يخاف عن أمره، أو يرد قوله. . .

ولكن كيف الوصول إليه؟ وأني لغريب منكر مثله بالدخول عليه؟ وخالط قلبه اليأس. . . فسأل عن خان ينزل فيه فأرشد إلى خان أمضى فيه ليلته، فلما أصبح أخرج ثيابه فلبس أحسنها، وخرج ليلقى الخليفة. . . وأقبل على أول إنسان لقيه يريد أن يسأله عن (القصر)، فاعترته هيبة شديدة، وخاف من مواجهة الرجل الذي يحكم نصف الأرض، والذي لا يبلغ ملك شاهنشاه العظيم ولاية واحدة من ولايته، يحكمها أمير من أمرائه. . . وذكر كيف كانت تتصدع الأفئدة خوفا من لقاء كسرى، وتقف الملوك على بابه، وكيف كان يقتل على الظنة، وأمر بضرب عنق الرجل يقول كلمة لا تعجبه، أو يأتيه في ساعة يكون فيها لقس النفس ضيق الصدر، وتلمس عنقه وتخيله من الفزع مضروبا، وتصور رأسه طائرا عن جسده، فطارت معه حماسته وشجاعته. . . وكره لقاء الخليفة، وفكر في العودة إلى بلده سالما قبل أن يحيق به مصاب لا ينفعه معه مجد يناله، ولا وطن يحرره، ولا كاهن يرضيه. . . وغر في مخاوفه وأفكاره، وجعل يسير على غير هدى، كلما مر على قصر من قصور دمشق، ورأى بهاءه وعظمته ظنه قصر الخليفة، فخفق قلبه واضطرب. . . حتى رأى قصرا ما له في جلاله نظير، له باب هائل، عرضه مثل الشارع العظيم، له قوس مشمخرة عالية، ذات مقرنصات ونقوش، قائمة على أسطوانتين من المرمر الصافي، ورأى الناس يدخلون ويخرجون لا يسأل أحد أحدا، ولا يمنعه حاجب ولا بواب، فأيقن أنه قصر الخليفة، وتشجع وشد من عزمه ودخل يقدم رجلا ويؤخر أخرى. . . فلما لم ير أحدا قد منعه سكنت نفسه، ونظر فإذا هو في صحن واسع، إذا كنت في طرفه لا تستطيع أن تتبين من هو في الطرف الآخر، قد فرشت أرضه بناصع الرخام فهو يلمع كالمرايا، والناس يجلسون عليه، وحوله جدران عالية، ما رأى قط بناء أرفع منها، وهي مزخرفة بأعجب الزخارف والنقوش، وفي وسط الصحن بركة واسعة يتفجر منها الماء، فيضربه شعاع الشمس فيكون له منظر عجيب. . . ونفذ من الصحن إلى قاعة لا تقل عنه سعة، ولا يدانيها بهاء وجمالا، قد قام سقفها على أساطين الرخام، تحمل أقواسا فوقها أعمدة أصغر منها، فوقها أنحاء وطاقات معقودة، تتدلى من السقف سلاسل الذهب والفضة تحمل المصابيح والثريات، وجعل يمشي خلال الناس ذاهلا، لا يدري ماذا يصنع فأصطدم برجل كان يقوم ويقعد ويذكر اسم الله. . . وتلفت الرجل إلى اليمين وإلى الشمال، ونظر إليه فرآه غريبا، فسأله عن حاله، فسبق لسانه إلى الحقيقة فأخبره أنه جاء من بلده يريد لقاء الخليفة، ثم تنبه وقدر أن الرجل سيرتاع لذكر الخليفة بلا تعظيم ولا تبجيل، وأنه سيدفعه إلى الشرطي فيستاقه إلى السجن. . . فرأى الرجل ساكنا هادئا كأنه لم يسمع نكرا، وسمعه يقول له:

أتحب أن أدلك على داره؟ قال: أو ليست هذه داره؟

قال الرجل مبتسما: لا هذا بيت الله، هذا المسجد، أصليت؟

صلى؟ وكيف يصلي وهو على دين سمرقند، ذلك الدين الذي لا يعرف منه إلا هذا المعبد المملوء بالأسرار، وتلك الآلهة المخيفة ذات الوجه البشع المرعب. . . وجعل يفكر: أين هذا المعبد من معبده المختبئ في بطن الصخر، وأين هذا النور وهذا الجمال، من تلك الظلمة وذلك القبح؟ وشك لأول مرة في عمره في دينه الذي نشأ عليه!

وأعاد الرجل سؤاله. فقال له لا لم أصل، ولا أعرف ما الصلاة. . .

- قال: وما دينك؟

- قال: أنا على دين كهنة سمرقند؟ قال: وما دينهم؟

- قال: لا أدري!

- قال: من ربك؟

- قال: آلهة المعبد المرعبة. . .

- قال الرجل: وهل تعطيك إن سألتها؟ وهل تشفيك إن مرضت؟

- قال: لا أدري. . .

ورآه الرجل ضالا جاهلا، فألقى في هذا القلب الخالي أصول الدين الحق بوضوحها واختصارها وجمالها، فلم تكن إلا ساعة حتى صار رسول كهنة سمرقند مؤمنا بلله ورسوله محمد الذي جعل الله به العرب سادة الدنيا، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين. . .

ثم قال الرجل قم الآن أدلك على دار الخليفة، وإن كانت هذه هي الساعة التي يعالج شأنه فيها وشأن عياله، وينفرد بنفسه.

وتبعه وهو يفكر في جمال هذا الدين وسموه، وقد زالت الغشاوة عن عينيه فأدرك الآن سر هذا الفتوح وهذه القوة التي لم يقم لها شئ. أين هذه الديانة السافرة الواضحة التي تجعل كل واحد من أتباعها كاهنا لها ورجل دين. . . من تلك الديانة المجهولة الخفية. . . أين. . .

وخرج من المسجد، من باب غير الذي دخل منه، فما راعه إلا الرجل يقول له، مشيرا إلى باب من ألواح الخشب، غير مصبوغة ولا منقوشة: هذه داره!

هذه؟! أيمكن أن تكون دار الخليفة دون دور السوقة من رعيته، وقد مر عليها فرأى فيها بهاء وجلالا؟ ونظر إلى الرجل يحسبه يسخر منه فرآه جادا، فتركه وتقدم من الباب وهوشاك فيما قال الرجل، ونظر فرأى كهلا قائما يصلح بالطين جدار المنزل وامرأة تعجن. . . فترك الباب ولحق بالرجل مغيظا محنقا فقال له:

ما كان لك أن تكذب علي وتسخر مني، أسألك عن دار الخليفة فترشدني إلى دار طيان؟

قال: ومن الطيان؟

قال: صاحب الدار.

ووصف له ما رأى.

قال الرجل: ويحك هذا والله أمير المؤمنين الذي ليس فوقه إلا الله. وهذه المرأة، ألا تدري من هذه المرأة؟ هذه زوجة الخليفة عمر وبنت الخليفة عبد الملك، وأخت الخليفتين الوليد وسليمان، وأخت هشام ويزيد وسيكونان خليفتين، هذه أمجد امرأة في العرب، ولقد كان أمير المؤمنين أرفه الناس عيشا، وأكثرهم طيبا، ولكنه كان رجل فيه عرق عمر بن الخطاب فنزع به عرقه من عمر إلى ما ترى، فعد إليه فأقرع بابه وأنفض إليه شكاتك، ولا تخف، فوالله ما هو بالملك المتكبر ولا الحاكم الجبار، ولكنه عند الله متواضع هين لين، فإذا رأى الحق أمضاه فلم يقف دونه شئ، وإذا غضب لله كانت العواصف والصواعق دون غضبه قوة ونفاذا. . . فأذهب موفقا.

(البقية في العدد القادم)

علي الطنطاوي