مجلة الرسالة/العدد 681/القصص

مجلة الرسالة/العدد 681/القصص

ملاحظات: بتاريخ: 22 - 07 - 1946



عزاء. . .!

للأستاذ لبيب السعيد

قطع الشك اليقين. إن سكوت أبيه هو سكوت الموت. لقد مات ككل الذين ماتوا من الأهل والجيران والمعارف، وإلا فما هذا الصراخ في البيت، ولم النحيب، ولم احتشاد هؤلاء الأقارب والقريبات وقد أقبلوا من الليل على غير عادة؛ ولأية مناسبة يقيم الفراشون سرادقا، وفيم قول الناس: تجلد. . البقية في حياتك! بل - وما أشد وما أعظم كيف يتحدث إليه شيوخ الآسرة كالمستشيرين في أمور فاجعة: الكفن والمغسلين والمقبرة والمقرئين. .، وكيف طلعت صحف النهار حاشرة اسم أبيه في زمرة الموتى، وكيف ترد عليه البرقيات بالعزاء من شتى الجهات؟

الأمر إذن لاريب فيه. وأخواته إذ تنفرد كل منهن الآن في حجرة باكية ولهى، إنما يبكين أباهن الذي انتاشه الموت منهن فجأة، والذي يدركن على غرارة صباهن أنهن بعده ولا رجاء لهن ولا جناح يرف عليهن أصبحن بذل اليتيمات. وأخوته وهم لم يتخطوا بعد سن اليفاعة إذ يلبسون الأربطة السوداء ويذيلون الدموع في حزن أخرس تارة وحزن ثائر تارة، ويسيرون مترنحين يتحاملون على أنفسهم، إنما يقع لهم هذا لأن الدهر الضرار بت آمالهم ورابهم في أبيهم. وأمه إذ تذرع البيت ذاهلة حيرى مولهة إنما تفعل لأن مصابها فيمن هو من هولها ولبناتها وبنيها، سلبها سكينتها وهد أعصابها هدا.

وانفجر (فؤاد) يبكي، لقد كان عليه - فيما يحس - أن يبكي لأمه وأخواته وأخوته، وأن يحزن ويخاف لا بقلب واحد ولكمن بثمانية قلوب.

وسار خلف نعش أبيه فياض الشؤون يعض على شفتيه كالمتصبر، أو يفتحهما عن ابتسامة هستيرية مزعجة، ويسكت فترة لينطق بكلمات مضطربة فترة أخرى.

وأوقفوه في الليل عند باب السرادق يتلقى العزاء مع كبار الأسرة، فكان يتلقى ألفاظ المواساة بوجوم صامت أليم. كانت هذه الألفاظ لا تكاد تفتق سمعه، كانت تسبح لديه، وكان أقواها وأفصحها أعجز من أن يشفى داءه الثائر أو يداوي جرحه الغائر. وانفض المعزون وانفض (فؤاد) إلى نفسه. . .

ما أعظم فجيعته! أبوه مات، وكان على أبيه أن يموت ماجدا كما مات من لم يكدحوا في الحياة كدحه حتى ممن عرفهم فؤاد فيما اجتاز من شبابه. ولكن، وا ذلاه! إن الحياة لم تمكن أباه من شئ، لقد أفقدته التجارة ثروته، ولم يدع له الجهاد في سبيل الرزق فرصة فسيحة للجهاد في سبيل غرض كبير. لقد مات بعد طول النصب وفرط اللغوب ولكنه لم يورث بنيه رفعة ولا ثروة ولا مجدا. تركهم بقلوب كسيرة، ومثله كان جديرا بما يذل من ذات نفسه أن يترك بنيه في مقام كريم ونعمة.

هذه أفجع شعب المصيبة! هكذا قال فؤاد لنفسه.

وجاء شيخ الحارة، ومعه معاون المجلس الحسبي، يحصيان تركة الميت. . .

يا خجلتا! ان التركة ليست إلا حطام ثروة، كل شئ أودى به الحرص على شئ واحد نشأ (فؤاد) فرأى أباه يردد لفظه ويتغنى بمعانيه: الشرف.

وأحس فؤاد يتمه ويتم أخوته أقوى ما يكون الإحساس، وتبدت له المصيبة فادحة مروعة، فبيتهم اليوم بين أرملة وصبيان وصبيات لا مال لهم، فهم حريون ألا ينجحوا في الحياة لأنهم فقدوا عصبها. وهم بعد لا يملكون الاسم الضخم الذي يوارون فيه فقرهم، أو الجاه البعيد الذي يعتصمون به من العالم الساخر.

وريع فؤاد، ورخصت عبراته، فهي مبذولة كلما رأى أخوته وأمه، وكلما رأى الأقارب أو الأباعد، وكلما رأى أحباءه، وكلما رأى أعداءه، وكلما رأى غنيا أو ماجدا، وكلما رأى فقيرا أو مغمورا، وكلما سمع عن المباهج أو عن الأحزان.

وشعر أنه ما دام كبير اخوته فقد أصبح أباً لهم بعد أبيهم، وعليه أن يضمن لهم دوام الدعة، وأحس أن بينه وبينهم فرقا كبيرا في السن. إن الأربعة والعشرين عاما التي سلخها طفرت فجأة فصارت ستة وخمسين كما كانت سن أبيه.

وجاءت ليلة الجمعة الأولى، فأضاء فناء البيت والمناظر، وقعد يستقبل المواسين من ذوي قرباه ومن خاصة أبيه، والحزن ينهشه نهشا، والجزع على مستقبله ومستقبل اخوته وأخواته الذي ما زال في ضمير الغيب يهفو بقلبه.

واستمتع في غير اكتراث كعادته إلى كلام المواسين، وغلبه البكاء كعادته أيضاً فانخرط فيه. . .

وجاء رجل لا عهد لفؤاد به تحف به شمائل الطيبة وينم مظهره عن يسار؛ جاء يسأل: أليس هذا هو بيت المرحوم الشيخ حامد أبو إبراهيم؟

- بلى هو، تفضل. . .

ودخل، هو يهتف بالجالسين: عظم الله أجركم!

وشرب القهوة، ثم اتجه بوجهه إلى فؤاد الذي كان إلى جواره وسأله: أنت كبير أخواتك يا بني!

- نعم.

أجمل الله عزاءكم يا حبيبي، ورعاكم الله الكريم! لقد قرأت نعي أبيكم العظيم في الجريدة، فآثرت الحضور بنفسي لقضاء حق التعزية.

ودهش فؤاد للنعت الكبير الذي يضفيه الرجل على أبيه، فمتى كان مثل أبيه عظيما وهو الرجل الذي مات ولم يخلف ثروة تدفع الخجل على الأقل أمام رجال المجلس الحسبي؟ ان العظيم في المجتمع هو الذي يورث ذريته بيوتا وطينا وغلاة وجواميس وحميرا، ولكن أباه أفنى كل شئ قبل سفرته البعيدة. لقد مات وماله ما يخلد ذكره أو حتى ما يكفل ذكر اسمه يوما، ولقد ترك من خلفه ذرية ضعافا يخاف عليهم. . .

ووضع الرجل يده على كتف فؤاد، واتجه به إلى منظرة ليس فيها زحمة، وحدثه: اسمع يا بني، إن مصابكم كبير حقا. لقد عرفت أباك لأول مرة منذ عشرين عاما. والظن أنك لا تعرف ذلك. كان أبوك وقتئذ عنوان التاجر الناجح ولو أنه كان محدود رأس المال. وجئت إليه اشترى صفقة أرز، ولم يكن معي غير مائتي جنيه أملت أن أدفعها له عربونا عن الصفقة على أن أبيعها حالا فأتمكن من أداء حقها والانتفاع بربحها. وتضمنت الشروط أن أدفع باقي الثمن في عشرة أيام وإلا صار العربون حقا له. وإذا تحسنت الأسعار فله أن يعتبر البيع باطلا ذلك يا بني كان وما زال العرف التجاري السائد.

وخطر لي فجأة السفر إلى الإسكندرية لبيع الصفقة الكبيرة ففجأني حادث اصطدام أدخلني المستشفى شهرا لم يدر خلاله أحد من أهلي أو معارفي شيئا عني. وكنت لاقيت الحادث في أجل مستأخر فسلمت.

وغادرت المستشفى إلى بلدي، فكيف كانت السوق وقتئذ؟ لقد عرفت والحسرة تقطع فؤادي أن السعر ارتفع إلى نحو الضعف فقدرت في شأن الصفقة ما لابد من تقديره، وأيست من العربون، ودخلت بيتي مهموما محزونا. ولم أكد أطمئن زوجتي على حالي، حتى قدمت إلى برقية بتوقيع أبيك نصها: (نقدر أنك تأخرت لسبب قاهر، فاطمئن. البضاعة لك) ولم أصدق ما قرأت، وتخالجتني الريب، أتكون خدعة من أحد عرف بالأمر؟ أتكون سخرية من سمار شامت؟ أتكون. . أتكون. .؟ وقدمت على أبيك في متجره توا، ومعي مصوغات امرأتي وبناتي، ووجه الأمل يبيض في وجهي حينا ويسود حينا فإذا بأبيك يستقبلني مبتسما كأن لم يكن تأخير، وكأن لم تكن شروط لصالحه.

وعرضت عليه - وكرمه الرائع يبهرني - أن يشاركني ربح الصفقة، فرد في شدة كريمة: هذا لن يكون!! وكانت هذه الصفقة بالذات بدء تقدمي في الحياة.

وأخرج الرجل من حافظته برقية كاد البلى يتلفها، وأطلع عليها (فؤاداً). فأمعن فؤاد النظر إليها في استغراب بالغ. إنها من أبيه حقا، وان عليها لخاتم مصلحة البرق في المدينة من حوالي عشرين عاما حقا. واستطرد الرجل قائلا: هذه يا بني شهادة العظمة في أبيك. وإني لأحتفظ بها تقديرا لمأثرته، بل تبركا بمروءته.

وربت الرجل كتف فؤاد وهو يقول: كفكف دموعك يا بني، هذه قصة أبيك، ألا ترضى بها عزاء!

ورفع فؤاد رأسه الخافض، وابتسم في رضى وازدهاء، وكأنه أمسك بزمام مستقبله ومستقبل ذويه، وكأنما أضاءت الظلمات، وكأنما شاهد عناية الله تشجعه وتحف أخوته وتكلؤهم جميعاً.

وختم المقرئون السهرة، فنهض المعزون وفيهم الرجل وخف فؤاد إلى الباب يشكر لهم مواساتهم، وما انصرفوا حتى صعد إلى أمه وأخوته وأخواته، يقفز إليهم السلم قفزا غير خاش دموع أمه التي كانت تحز قلبه، ولا وجل من إجهاش أخواته الذي كان ينهدم له انهداما، صعد غير متعثر ولا مضطرب ونادى:

يا أولادي! - هكذا ينادى فؤاد الآن أسرته - جاءنا العزاء! هاكم قصة أبيكم، لكم من روحه قدوة ووحي وإمام وأسمعهم القصة. . .

ونظر بعضهم إلى بعض في زهو وكأنما امتلئوا قوةً انبثق الأمل في نفوسهم انبثاقا، كأنما انتشر عليهم رواق الأمان فجأة. وعلت وجوههم ابتسامات حلوة، وترقرقت في المآقي الدموع: دموع الفرح لا دموع الأحزان.

لبيب السعيد