مجلة الرسالة/العدد 681/حقوق المناقشة

مجلة الرسالة/العدد 681/حقوق المناقشة

ملاحظات: بتاريخ: 22 - 07 - 1946


للأستاذ عباس محمود العقاد

للمناقشة حقوق.

ولا يرعى للمناقشة حقها من يناقش طالب المعرفة والإنصاف كما يناقش طالب الحزازة والادعاء، أو يناقش المفيد المستفيد كما يناقش المفترى الذي يضيع على القراء أوقاتهم في شفاء ضغن ومرضاة غرور.

فلا بد من تفرقة بين المناقشتين.

ومن حق الكاتب على نفسه ألا يخاطب المخلص المهذب الذي يصدق النية في سؤاله والرد عليه، كما يخاطب إنسانا يغمطه حقه وينحله ما لم يقله ويسيء فهم ما قاله ويتعالى عليه بالباطل وهو منه في مرتبة دون مرتبة التلميذ من الأستاذ.

ومن حق القراء على الكاتب ألا يسوي أمامهم بين من يخدمهم في طلب الحقيقة، ومن يخدم نفسه في شهوة مريضة لا تعنيهم ولا تعني الأدب والثقافة.

ومن حق الأخلاق على من يرعاها أن يكشف هذه الأمور ويعطيها ما هو واجب لها من التنبيه والتعقيب. .

ونرجو أن يكون فيما تقدم جواب للسائل الأديب الذي يسألنا عن (يوم نعمنا ويوم بؤسنا) كما سماهما وهو يشير إلى أسلوبنا في الإجابة على أناس بالرفق واللين، والإجابة على أناس آخرين بالشدة والتقريع. ونقول له إننا لو فعلنا غير ذلك لكنا مخطئين، لأن الناس لا يسألون جميعا بنية واحدة ولا لغرض واحد، وينبغي أن يكون الجواب على حسب اختلاف الأغراض والنيات ونرجو أن تكون فيما يلي أمثلة من المناقشات التي تنجم عن سوء الفهم أو سوء النية أو عنهما معا فلا تجاب إلا كما ينبغي أن تجاب. .

من الحقائق الأدبية التي لا تحتاج إلى عناء كبير في تفصيلها أن نظم الحكم الشائعة والأمثال المتواترة يتيسر لكل من يقدر على النظم أو على وزن التفاعيل، ولا يدل حتما على ملكة شعرية ولا على حكمة فطرية، وأن ورود بعض الحكم في أشعار الفحول المطبوعين لا يثبت لنا أن كل قائل ينظمها هو شاعر مطبوع يضارع أولئك الفحول المطبوعين. .

هذه من البدائه التي لا تحتاج إلى عناء. .

وقد أشرنا إليها في كتابنا عن شعراء مصر وبيئاتهم وقلنا في سياق الكلام على عبد الله فكري باشا: (إننا لا نعرف بين كبار الشعراء في العالم كله واحدا صرف إليها شعره وجعلها من أغراض فنه).

وهذا أيضاً صحيح، لأن كبار الشعراء في العالم معروفون، وليس نظم الحكم والأمثال من الأغراض التي تتعذر على من دونهم من الشعراء بكثير.

وعلى مكان هذه الحقيقة من البداهة لا مانع عندنا أن يجهلها بعض الناس، وأن يتشككوا في عمومها وشمولها، ولكن المانع عندنا أن يعتبر تقريرنا لها (جريمة تهويل) وإقحام للدعاوى في غير موضعها. . . كأننا نزج بأسماء كبار الشعراء في مقام لا يدعونا إليه إلا المباهاة بذكرهم، والظهور بهذه المباهاة!

وهذا الذي صنعه السيد عبد الغني حسن حين سأل مستهولا: ما دخل كبار الشعراء في العالم كله في ميدان هو بشعراء العربية أشبه؟).

فإن هذا الإستهوال نفسه لهو غاية ما يمكن من الادعاء مع جهل الصواب وقلة الرغبة في الفهم الصحيح.

فلو أن السيد عبد الغني كلف عقله عناء الفهم قبل أن يستكثر علينا هذه العبارة لفهم أننا لم نذكر فيها كلمة واحدة يتأتى حذفها بغير إخلال بالمعنى المقصود.

فتحقيق الملكة الشعرية لا يكون بالرجوع إلى صغار الشعراء ولا أوساط الشعراء، ثم هو لا يكون بالرجوع إلى كبارهم في قطر واحد، لأن التقاليد الموضعية قد تولع بعض الشعراء في قطر من الأقطار بأسلوب لا يرتضيه كل شاعر كبير. ولا سبيل إلى التحقق من الملكة المطبوعة إلا إذا عرضناها على (كبار الشعراء في العالم كله) وعرفنا حظها منهم أو حظهم منها، فتعرف هل هي عرض في شعرهم أو هي أصل صميم.

فللشعراء الكبار في العالم كله دخل في هذه المسألة ولم نقحمهم نحن ثمة لغير مناسبة ولا دلالة. وإذا كان السيد عبد الغني يفهم أننا نتكلم فيما لا نعلم حين نتكلم عن كبار الشعراء في العالم كله فليس له علينا حق الحمد والتسبيح، ولا حق الإطراء والمديح!

وأغرب من السيد عبد الغني حسن في تصحيحاته وتهويلاته سيد آخر من بيروت يدعى (عمر فروخ). . . ولعله من أصحاب العلم والأدب بالرخص (الأمريكانية) أو (الفرنسيوية) التي ابتلى بها الشرق العربي في الزمن الأخير.

وصلت إلينا لهذا الفروخ رسالة عن ابن الرومي يقول في مقدمتها: (قال سليمان البستاني: وكأني بابن الرومي وفيه لمحة من كنيته إلي جرثومة أصله أو عرفانه، كانت تحمله على تحدي هوميروس في كثير من أساليبه ومعانيه وتشبيهاته. وقرأ عباس محمود العقاد هذا فبنى عليه فصلا تاما من كتابه ابن الرومي 263 - 302 وبعض فصل. . .)

ثم تناول هذا الفروخ قلمه الأحمر وتفضل بتوزيع الدرجات والتوبيخات فقال: (لقد غفل البستانيان والعقاد عن طبيعة الاجتماع وفاتهما كثير من حقائق التاريخ وأسس الأدب. إن الوراثة العرقية أو وراثة الدم تؤثر في الاستعداد العام أو في الذكاء الفطري وفي الصفات الجسمانية، ولكنها لا تؤثر في اتجاه التفكير ولا في الإنتاج الأدبي. ثم إن ابن الرومي نشأ في بيئة عربية يجهل اللغة اليونانية وكذلك أبوه، ولم يكن من سبيل لاتصاله بالأدب اليوناني القديم أو المتأخر، وأن عبقرية ابن الرومي لم تتكون إلا كما تتكون كل عبقرية غيرها من عوامل في البيئة وعناصر الشخصية. . .)

ثم رفع هذا الغر مقرعة المعلم على رؤوسنا وراح يهزها ويقول (إن بعض المتأدبين عندنا تأخذهم حمية الإنشاء فيندفعون في كتابة خيالية، من غير تحقيق أو اهتمام بما كتبه العلماء والباحثون. . .)

فهل علم القارئ إذن ماذا نحن وماذا هذا الفروخ الجهول؟

هذا الفروخ الجهول معلمنا نحن المتأدبين، وحذار أن تخطئ فتزعمنا من الأدباء!! وهو يتربع الديوانية ويتبختر الفطحلية، ويعجب لهؤلاء التلاميذ الذين يسودون الصفحات بالإنشاء، ولا يفقهون ما قاله العلماء، ولا يعرضون عليه كتبهم ليوزع عليها الحمراء والخضراء، من درجات التصحيح والإملاء.

وما الذي أخطأنا فيه نحن المتأدبين، فأدبنا هذا الفروخ على هذا الخطأ المبين؟

أخطأنا لأنه افترى علينا، ولأن الذي قلناه نقيض ما نسبه إلينا. والعجيب أنه يذكر الصفحات، وهذا الذي قلناه في تلك الصفحات:

قلنا: (ربما كان القول بأن ابن الرومي رجل حساس متوفز الأعصاب ملبي المزاج نشأ في حضارة زاهية فأجابته وأجابها، وأخذت منه وأخذ منها. . . أقل في العجب من تفسير عبقريته بأنها عبقرية يونانية على اعتبار أنها موروثة عن آبائه اليونان. إذ من هم آباؤه اليونان؟ لا ندري أهم من إغريق الجزر، أم من إغريق البلاد المعروفة باسم اليونان، أم من إغريق آسيا الصغرى التي كانت تدور الحرب فيها وحولها بين المسلمين ودولة الروم. ومن الصعب الذي يحتاج إلى التفسير أن نقول إن هؤلاء الإغريق جميعا سليقة واحدة وأمة واحدة وعنصر واحد ينحدر منه الرجل وينتقل إلى بيئة أخرى وينجب الأبناء في بيئته الجديدة فيجتمع فيهم كل ما تفرق من خصائص العبقرية الفنية التي تسمى الآن بالعبقرية اليونانية. ثم نحن لا نعلم أن الإغريق في قديم عهدهم كانوا عنصرا واحدا ينتمي إلى سلالة واحدة، لأن امتزاج الأنساب بينهم وبين الأسيويين ثابت لا شك فيه، لأن امتزاج الأنساب بينهم وبين الأسيويين ثابت لا شك فيه، واقتباسهم من عقائد الأسيويين وفنونهم ولغاتهم ثابت كذلك أقطع ثبوت. . . ولا يمكن أن نجزم برأي في وراثة الفطرة الفنية ولا سيما الفطرة في الشعب كله حتى لو عرفنا الأصل الذي تحدر منه ابن الرومي بين أصول اليونان الكثيرة. فقد كان في بلاد اليونان نفسها ألوف من أبناء الشعب اليوناني المحاطين بالبيئة اليونانية في جميع ظواهرها وبواطنها، فلم ينبغ منهم في عصر ابن الرومي شاعر مثله ولا نبغ منهم في العصور السابقة التي أزهرت فيها آدابهم وفنونهم شاعر من طرازه في جميع خصائصه وملكاته. فلو أننا نقلنا ابن الرومي من الأدب العربي إلى الأدب اليوناني لكان فذا في أدبهم كما كان فذا في أدبنا. . . ولو أننا بحثنا مزية أصيلة في الفطرة اليونانية تنتقل مع الدم وتسرى في خلال التكوين لأعيانا أولا أن نحصر هذه الفطرة، ثم أعيانا بعد ذلك أن نحصر هذه المزية. فنحن لا نفسر عبقرية الشاعر حين نسميها بالعبقرية اليونانية، ولكننا نصفها في كلمات موجزة وصفا يقربها إلى الأذهان، ويطبعها بهذا الطابع المعروف عند المطلعين على الآداب. . .)

فالعبقرية اليونانية التي نطلقها على ابن الرومي هي إذن صفة أدبية فنية لم نجزم بموقعها من الوراثة العرقية، ولا أهملنا الإشارة إلى هذه الوراثة لأنها مما لا يجوز إهماله، فكيف قولنا الفروخ ذلك الكلام في تلك الصفحات وهذا ما قلناه في تلك الصفحات؟

هذا ما قلناه في كتاب قرأه الألوف ولم نقله في كلمة شفوية أو مقال غير معروف، وهكذا افترى علينا ذلك الفروخ بما شئت لاسمه من تقديم أو تأخير في الحروف. فماذا يقال لمثل هذا؟ أيناقش مناقشة الأكفاء؟ أيخاطب خطاب العلماء والفضلاء؟ كلا، بل ذلك خليق أن ينخع نخعا من تلك الجلسة الفطحلية وتلك الحبوة الديوانية، ثم تنزع من يده العصا التي يهزها هز المعلم على رؤوس معلميه ليحس بها فوق رأسه ويقال له بحق: إن العقاد يا هذا ليتواضع غاية التواضع حين يسمح لأستاذتك أن يجلسوا بين يديه جلسة التلميذ المستفيد. فتأدب أيها المسكين، لأنك لا من الأدباء ولا من المتأدبين.

ومخلوق آخر يسمى المشنوق، يشكو المجاعة ولا طعام لمخنوق! ويتحدث عن (المجاعة الأدبية في مجلة الأديب. . . وهو حديث لا يقال في مجلة، ولا يقال في السوق. . .

قال: (وإذا بعباس محمود العقاد يترك ابن الرومي ونتشه والعبقريات ليكتب في كل موضوع. كخادمة المنزل التي تصلح لجميع الغرف. . .)

فالعقاد ملوم إذا كتب في موضوع واحد، والعقاد ملوم إذا كتب في أكثر من موضوع، والعقاد مكذوب عليه لأنه لا يزال يكتب عن أبي الشهداء وعن باكون وعن أثر العرب في الحضارة الأوربية، وعن هذه الشجرة، وعن غير هذا وذاك، ولكن ينبغي أن يلام والسلام، وأن يطلب منه إطعام من لا يقبل الطعام، وأن يفك الحبال عن الحلوق والأقدام، ليأكل المشنوق ويمشي من يعجز عن القيام.

لا يا عبد الله. . . ما هكذا تكون الأشباه.

ليس العقاد خادمة، في كل غرفة حائمة، بل هو سيد في نعمة دائمة، له في كل غرفة مائدة، وعلى كل مائدة حلوق طاعمة. . . ولكنه لا يفتح حلوق المشانيق، لأنها حلوق صائمة، ليس لها في القائمة حساب ولا لها في الحساب قائمة.

وهكذا يكتب لهؤلاء. . . فعلى من اللائمة؟. . .

عباس محمود العقاد