مجلة الرسالة/العدد 687/في التربية الحديثة

مجلة الرسالة/العدد 687/في التربية الحديثة

ملاحظات: بتاريخ: 02 - 09 - 1946



التاريخ والقومية. . .

للأستاذ إبراهيم علي طرخان

في الواقع يصعب تحديد معنى الكلمة (تاريخ)، بل فهمها على الوجه الصحيح، فليس هناك تعريف نهائي مطلق، لسبب واحد فقط: وهو أن مجرد إدراك التاريخ على حقيقته جزء من التاريخ؛ لذا كان التعريف خاضعاً لقانون التطور، ومن هنا كان لكل عصر، بل لكل أمة تعريف خاص، أطلق على ضوء فلسفة العصر وأهداف الأمة ومثلها العليا.

وليست مهمة المدرس في ابتداع تعريف جديد، أو حتى التسليم بتعاريف أخرى - إن كان للتعاريف أهمية في المراحل الأولى من التعليم - ما لم يحللها ويتفهمها ويقتنع بما فيما بينه وبين نفسه أولاً؛ غير أن الأجدر به أن يوجه همته ونشاطه نحو تفسير ما غمض في حياتنا المعاصرة، وذلك على ضوء التاريخ، فالاتجاه الحديث في تعليم التاريخ يقتضي هذا النهج لأمرين:

1 - إن الحاضر هو منبع الأسئلة ومثير الاستفهامات ومحك التفكير، بل هو مغر كلُّ الأغراء للأطفال فضلاً عن الكبار، وهو معقد كلُّ القعيد.

2 - هنالك ماض لا يزال حياً في حاضرنا ما يؤثر فيه ولم تنقطع صلته به، كمظاهر الحضارة والتقاليد وغيرها، ويعتبر الحاضر امتداداً له.

لهذا كان الحاضر متشعب النواحي مختلف الاتجاهات، وهي سنة كلُّ مجتمع في بنائه وقيامه على الاختلاف لا على التشابه، ولفهمه على أصوله لابد من التاريخ، ولدي الأطفال استعداد فطري تاريخي. هذا يوضح أن من الممكن فهم التاريخ على حقيقته؛ يقول الدكتور (قد يجعلنا التاريخ متفرجين على الحاضر وما هذا الوجود المعاصر إلا حلقة من حلقات ماضينا التاريخي، فالتاريخ إذن هو إدراك النفس الشاعرة لكنهها في مظهرها الحديث)؛ وما الإنسان المعاصر نفسه إلا إحدى مظاهر أو نتيجة ذلك الماضي البعيد: وحينما يستطيع الإنسان تفسير حياته بالتاريخ، أمكننا أن نقول: إن الإحساس التاريخي قد تكون لديه ونما فيه.

وإذا نحن تصورنا التاريخ على أنه مادة أو كتلة من المعلومات كنا مخطئين، فما هذ الاعتبار، بمعنى آخر، ما تقسيم المعرفة الإنسانية إلى موارد إلا تقسيماً مصطنعاً لا مقابل له في عالم الحقيقة والواقع، إذن علينا التحلل من هذا الاعتبار إلى حد كبير، بل من دكتاتورية الكتاب المقرر، فليس هو الفيصل في معرفة التاريخ أو آخر معروفة له؛ وربما - إن كان صالحاً - اعتبر مجرد مقدمة وتمهيد لدراسة التاريخ على حقيقة.

قد يميل إلى اعتبار التاريخ رواية تمثيلية، منقطعة كلُّ الانقطاع عن حياتنا الحاضرة، بدعوى أنه يمت إلى عالم آخر غير عالمنا. هو عالم الأموات، وقد مات بموتهم، فلا أهمية حقيقية في النبش عن أحوالهم، ولا بأس من إيراد دعوى من هذاالقبيل قال بها أحد علماء العصور الوسطى بصدد حديثه عن المؤرخين: (وهم على شفا جرف هار، لأنهم يتسلطون على أعراض الناس) ويشترط بعد ذلك شروطاً في المؤرخ لا محل لها هنا، والزعم بأنه قد مات بموتهم والحديث فيهم أو عنهم إنما من باب القصص ليس لا يتمشى مع المنطق ولا الحقيقة، تلك الحقيقة التي تطالعنا كلُّ يوم في كلُّ من مظاهر حياتنا المعاصرة: في المباني، في الزي، في المواصلات، في التقدم، في القنبلة الذرية في غيرها. . .؛ كلُّ هذا إنتاج تسلسل طويل، وكل مرحلة لا بد له من بداية، وما دامت الحياة كائنة، فلم تدن النهاية بعد؛ هذا يوضح لنا ارتباط الماضي بالحاضر ووجوده فيه وامتداد هذا كله إلى المستقبل. وربما أراد البعض بالتاريخ في هذا المعنى الروائي أو الدرامي، أننا متفرجون، وهذا خطأ إن وقف المعلم والتلميذ موقف المتفرج، فالمهمة الحقيقية للعلم: إلى أي حد يشعر التلميذ أنه ممثل وليس متفرجاً؟! كثير من الشخصيات تبدو في مخيلته، قد لا تختلف عنه إلا في الشكل أو العرض لا الجوهر؛ فأي نصيب أو سهم يكون له فيما يقومون به؟ فيم يختلفون عنه كما قال قيصر أو الثورة الفرنسية؟؟ إنه يترك مسرح درس التاريخ، وتغرب شخصيات الرواية عن خاطره، ومن ثم يتجه في طريق، بينما اتجهت الدراما الإنسانية العامة إلى نحو آخر.

وقد غالى دعاة هذه الناحية إلى حد تفضيل بعض الروايات المشهورة على التاريخ ودراسته من حيث الأثر وما تتركه في النفس ومثلوا بروايات (شكسبير) نحو: والرد واضح، فإذا اعتقد المشاهد أو الدارس، أن ما يرى أو ما يقرأ أو يسمع قد وقع فعلاً وشمل أناساً مثله لا يختلفون عنه كثيراً ربما كان هذا أبعد في تأثيره وأعمق في إيحائه ويسوي في هذا الكبار والصغار إلى حد ما، والواقع ليس التلميذ الصغير مستعداً لإدراك حقيقة التاريخ كشيء يشمله مباشرة، كمجرى أو أسلوب عام للحياة، هو نفسه عليه أن يأخذ بنصيب في هذا الأسلوب: إن إعلاء أو استمراراً أو تعديلا، لأنه يبدأ حياته حيث انتهى أسلافه؛ وإذا حاولنا النقص والهدم لاحتجنا إلى القرون الطويلة التي قضاها أسلافنا في التطور في مختلف فروع الحياة، حتى وصلوا إلى المرحلة التي نحن عليها، والتراث الذي خلفوه لنا. . .

على هذا كان تدريس التاريخ بل فهمه على وجه الصحيح غير ممكن إلا للراشدين. ففهمه يحتاج إلى الخبرة، وخبرة الطفل لا تزال قاصرة، والخبرة أساس في تكوين (فلسفة الشخص) أو نظرته إلى الحياة، وهذه الفلسفة أشعر حقيقة أنها تنقصنا نحن الكبار، فإذا كان الأمر كذلك بالنسبة لمعظم الراشدين فكيف تكون بالنسبة للطفل!؟

ومع كلُّ هذا لا بد من تدريس معلومات للطفل في مراحله الأولى تحت عنوان (تاريخ) ما هي هذه المعلومات؟ وكيف تدرس! مبحث آخر.

المهم الآن، هو أن التسليم بهذه الحقيقة يزيل من أمامنا الكثير من فوضى العهد القديم والطرق التقليدية التي من أبرز خصائصها في رأي فيلسوف التربية الحديثة (ديوي) ثلاث:

1 - الإلقاء المطلق أو الإيجابية المطلقة من جانب المدرس.

2 - الاستماع المطلق أو السلبية المطلقة من جانب التلميذ وعدم احترام فاعليته وذاتيته.

3 - صب المعلومات دون نظر إلى قيمتها في نظر التلميذ

فيحفظ شيئاً من الأحداث والألفاظ، لا دلالة لها في نفسه بالمرة، ثم نعتقد بعد هذا خطأ أننا نعرف تاريخاً أو نعلم تاريخاً، لا لشيء إلا لأننا قرأنا وحفظنا الكتاب المقرر، وأساس هذه الفوضى وهذا الإفلاس في النتائج من (حيث تكوين المصري المثقف المتعلم) المستفيد من التاريخ الحقيقي، هو الخلط بين التاريخ وكتاب التاريخ، وهذا خلط طبيعي في مثل هذا الموضوع، ومما يزيد في صعوبة تدريس التاريخ الحقيقي للطفل عدم إمكان تطبيق الطريقة العلمية أو التجريبية في التدريس التاريخ ولا أسمي استخلاص الحقائق من الوثائق طريقة علمية لتدريس التاريخ، فهذا عمل المؤرخ المختص ووفق شروط كثيرة جداً ودقيق لا تتأتى للمتعلم الناشئ - إن أردنا إخراج مؤرخين - ويمكن تلخيص هذه الشروط فيما يندرج تحت هذين الأساسين:

1 - معيار الصدق والحيدة العلمية التي يجب أن نتأكد منها مقدماً بالنسبة لمؤلف الوثيقة.

2 - الدقة والوضوح الذي يجب توفره في الوثيقة.

هل يمكن أن ألخص ما سبق في أن التاريخ هو طريقة للحياة، هو مجرى الحياة المتدفق، هو مدى شعور المعاصر الدارس بنصيبه في هذا المجرى. وما ينبغي عليه كمصري يعيش في القرن العشرين؟ بمعنى آخر: إن إجابة السؤال الأول تعطينا فلسفة التاريخ.)

ما الذي نعنيه من تدريس التاريخ؟ هذا مبحث المقال القادم إن شاء الله.

إبراهيم علي طرخان