مجلة الرسالة/العدد 689/من عجائب التصحيف

مجلة الرسالة/العدد 689/من عجائب التصحيف

ملاحظات: بتاريخ: 16 - 09 - 1946



للأستاذ محمود عزت عرفة

(تتمة ما نشر في العدد الماضي)

. . . ومن عجائب التصحيف أن أحدهم ربما يقع فيه فيخرج بما هو خير من الأصل، بتصحيح حسن للصحيح، فيقبل ذلك منه ويحتفظ عنه. . . كالذي يروى عن جابر بن هبة الله أنه قرأ على الحريري مقاماته - في سنة أربع عشر وخمسمائة. فلما بلغ قوله:

يأهلَ ذا المغنى وُقيتم شرا ... ولا لقيتُم ما بقيتم ضُراً

قد دفع الليُل الذي اكفهرَّا ... إلى ذراكم شَعِثاً مغْبرَّاً

قرأها (سغباً معترَّا). . . ففكر الحريري ساعة ثم قال: والله لقد أجدت التصحيف فإنه أجود، فرب شعثً غير محتاج، والسغب المعتر موضوع الحاجة. ولولا أني قد كتبت خطى إلى هذا اليوم على سبعمائة نسخة قُرِأت علي، لغيرت الشعث بالسغب، والمغبر بالمعتر.

وربما كان يفضي التصحيف أحياناً إلى بركة ونفع، ويعود بخير على قارفه أو على من يتصل به. . . كالذي يروى أن تميم بن زيد القضاعي كان والياً على الهند، وكان في حبسه رجل يقال له خُنيس أو حُبَيْش؛ فلما طال حبسه أتت أمه قبر غالب بن صعصعة (أبو الفرزدق الشاعر)، فأقامت عنده حتى علم الفرزدق بمكانها فأتته وذكرت حبس ابنها، فكتب إلى تميم بن زيد:

فهب لي حبيشاً واتخذ فيه منَّة ... لغصة أمٍ ما يسوغ شرابُها

أتتني فمادت يا تميم بغالبٍ ... وبالحفرة السافي عليه ترابها

تميمَ بن زيد لا تكوننَّ حاجتي ... بظهر، فلا يخفى عليك جوابُها

فلما أتاه الكتاب لم يدر أحبيش أم خنيس، وفي حبسه عدة حبيش وخنيس، فأطلقهم جميعاً. . .

وحكى أبو الحسن بن الكوفي عن محمد بن عبيد عن شيخ له أن رجلا كان يقرأ على الأصمعي شعر النابغة فقال: كليني لهًّمٍ يا أميمة باضتِ. . . يدل ناصبِ. فقال الأصمعي: أما علمت - ويلك - أن كل ناجمة الأذنين تحيض، وكل سكَّاء الأذنين تبيض! فصار تصحيف الرجل فائدة لنا. ثم قال ابن الكوفي: لا أعلم تصحيفاً جر فائدة إلا هذا الحرف! على أن للتصحيف - على عكس ما ذكرنا - جنايات، قد تلحق غير أهله، وشؤما ربما أصاب من لم يتعلق منه بسبب. فمن الذين جنى عليهم التصحيف حبيش بن الحسن الأعسم أحد تلاميذ حنين بن اسحق الطيب. قال القفطي: (من جملة سعادة حنين صحبة حبيش له، فإن أكثر ما نقله حبيش نسب إلى حنين. وكثيراً ما ترى الجهال شيئاً من الكتب القديمة مترجماً بنقل حبيش، فيظن الغّر منهم أن الناسخ أخطأ في الاسم، ويغلب على ظنه أنه حنين وقد صُحِّف، فيكشطه ويجعله لحنين!

ولعل ابلغ جنايات التصحيف إنما وقعت على مخنَّثي المدينة الذين خصي ستة منهم أو سبعة بشؤم تصحيفه واحدة. وحديث ذلك أن سليمان بن عبد الملك كتب إلى أبن حزم أمير المدينة أن أحص من قِبَلك من المخنثين. فصحَّف كتابه فقرأها: أخص من قبلك من المخنثين (بالخاء المنقوطة)، فدعا ابن حزم بهم فخصاهم. وكان ممن خصي بشؤم هذه النقطة: طويْس ودلال وبرد الفؤاد ونومة الضحى ونسيم السحر وضرة الشمس.

قال جعدبة: قلت لكاتب ابن حزم: يزعم المخنثون أنه كُتِب إليهم أن (أحصِهم). فقال يا ابن أخي! عليها نقطة إن شئت أريتكها. . . قال: وقال الأصمعي في روايته: عليها نقطة مثل سهيل، ولما وقعت الواقعة على طويس قال: هذا الختان الأكبر! وقال نسيم السخر: أف لكم، ما سلبتموني إلا ميزاب بولي!

هذا، وللمصحفين لجاج يدفعهم إليه ضعف مُنَّتهمَ عند الحاجة، وقد يفضي بهم ذلك إلى الإفراط في المهارة وإلى الكذب والدعوى والاختلاق، على حد قول القائل في أحدهم:

يكسر الشعر فإن عاتبته ... في محال قال في هذا لغة!

حدّث المبرد قال: أنشدنا يوما أبو العلاء المنقري:

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومرى

فقلت: باللام. فقال: كذا قلت باللام فحومرلي!

وقال محمد بن عمر الجرجاني: صحف ابن الإعرابي في شعر الكميت وأنا حاضر، فأنشد:

فبانوا من بني أسد عليهم ... نجارٌ من خزيمةّ ذي القبولٍ

فقلت: إنما هو (باتوا) بالثاء. فلوى شدقه!

فقلت: إن بعد هذا البيت ذِكرُ البيت: وقالوا بالأيامن منتماهم ... فيا بعد المبيت من المقيل!

فقال: لا يُلتفت إلى هذا! ثم بلغني أنه ينشده كما قلت له!!

وحدث علي بن الحسن الإسكافي قال: لما خرج (بغاء) إلى منبج متقلداً أمرها كان معه كاتب، فقرأ عليه يوما كتاب عامله بسميسْاط، وأن فلاناً سقط عن (يرذونة) يعني (برذَونه). فقال بغاء: مايرذونة ويحك؟؟ فقال: جبل بين سميساط والروم، وهو الحد بينهما. قال فلم ندر من أي شيء نعجب، من تصحيفه، أم من أتحاجه بما احتج به!؟

وقد وضع اللغويون في التصحيف والتحريف كتباً كثيرة، ولكن لم يصل إلى أيدينا منها إلا القليل. ونحن نشير هنا إلى أهم هذه المصنفات وأسماء مؤلفيها:

1 - كتاب تصحيف العلماء لأبى محمد بن قتيبة (توفى عام 270هـ).

2 - المصَّحف لعي بن لحسن الهنائي (توفى بعد سنة 309هـ).

3 - الكلام على ابن قتيبة في تصحيف العلماء لأبى محمد ابن درستويه (توفى عام 347هـ).

4 - التصحيف والتحريف وشرح ما يقع فيه، للحسن ابن عبد الله بن سعيد العسكري (توفى عام 382هـ).

5 - التصحيف للدارقطني - أبو الحسن علي بن عمر (توفى عام 385هـ).

6 - الرد على حمزة في حدوث التصحيف لأسحق ابن أحمد الصفار (توفى بعد عام 405هـ).

7 - التصحيف والتحريف لعثمان بن عيسى البلَطي (توفى عام 599هـ).

8 - متنزه القلوب في التصحيف، لعلي بن الحسن الحلي (توفى عام 601هـ).

هذا ما عنًّ لنا أن نبسط القول فيه من موضوع التصحيف والتحريف؛ وقد أغفلنا ما كنا أزمعنا الإشارة إليه من طرائف التصحيفات التي وقعت لنا خاصة، أو لبعض معارفنا من أفاضل الأدباء على هذا العهد، فلذلك مجال آخر من الحديث، ولسنا نكره أن يسبقنا إليه بعض الأدباء ممن تتوفر لديهم بواعث الإفاضة فيه.

ومنا إلى الأستاذ الطنطاوي - الذي بعثنا على كتابة هذه الكلمة بين سغَب رمضان وحر الصعيد - أطيب تحية وأزكى سلام. . .

(جرجا)

محمود عزت عرفة