مجلة الرسالة/العدد 691/مظاهر العبقرية في الحضارة الإسلامية

مجلة الرسالة/العدد 691/مظاهر العبقرية في الحضارة الإسلامية

مجلة الرسالة - العدد 691
مظاهر العبقرية في الحضارة الإسلامية
ملاحظات: بتاريخ: 30 - 09 - 1946



للأستاذ خليل جمعة الطوال

- 4 -

دعوى باطلة:

ويظن بعض المتدلين من المتعصبين على العرب انه لم يكن للمسلمين من فضل على الحضارة إلا ما كان من حفظهم للثقافة اليونانية. فهم لذلك حفظة أكثر منهم مبتكرين؛ والفساد في هذا الظن ظاهر كل الظهور. فإن المسلمين وان نقلوا الكتب اليونانية، وحفظوا الثقافة الإغريقية من الضياع حتى تسلمتها منهم أوربا في العصور المتأخرة الحديثة، واعتمدوها في بناء ثقافتهم؛ فقد كان لهم إلى جانب ذلك كله مناح ثقافية خاصة بهم، لم يعتمدوها بها على غيرهم، وهم من ناحية ما انشئوا وابتكروا قد عجلوا في سير الحضارة الأوربية الحاضرة. حتى لقد قال فيهم برناردشو: (لو لم يكن المسلمون في التاريخ لتأخرت الحضارة عدة قرون، ولما قطعت هذا الشوط العظيم إلا بعد أجيال طويلة والحق في هذا القول بين جلي؛ فقد اتصل الأوربيون بالمسلمين في الأندلس اتصالا عظيما، وتتلمذوا على فلاسفتهم وعلمائهم؛ وتأثروا بأساليبهم الفكرية إلى حد كبير، حتى إن (ريموند) الذي كان مطرانا لطليطلة قد أسس في القرن الثاني عشر جمعية لنقل أهم الكتب الفلسفية والعلمية العربية إلى اللغة اللاتينية وما زالت جامعات باريس حتى اليوم تدرس تلامذتها وطلابها منطق أسطو المترجم من العربية إلى اللاتينية، وتعتمد إلى حد كبير على شروح العرب وتعاليمهم على جميع الكتب الفلسفية الهامة التي ترجموها، ولقد كان فردريك الثاني يعرف اللغة العربية فاطلع لذلك على الفلسفة العربية في مصادرها الأصلية، وبلغ به حد التعجب بفلاسفة المسلمين أن انشأ سنة 1224 مجمعا في نابولي لنقل العلوم العربية والفلسفة العربية إلى اللاتينية والعبرية ليطلع عليها جمهور المثقفين في أوربا وبأمره أيضاً سافر ميخائيل سكوت إلى طليطلة وترجم شروح ابن رشد على أرسطو.

(وما كاد ينتهي القرن الثالث عشر إلا وجميع كتب هذا الفيلسوف المشهور قد ترجمت إلى اللاتينية، وقبل ذلك بقليل: كانت قد نقلت إلى اللاتينية جمهرة من كتب ابن سينا لتد باريس. ومما لا مريه فيه أن قادة الفكر الأوربي الذين قاموا بحركة الثورة الفكرية العظيمة قد تأثروا بهذه الكتب تأثرا عظيما، واستفادوا منها مادة جزلة، وتدل التحقيقات الهامة أن روجر بيكون قد تثقف بالثقافة الأندلسية الإسلامية، ودرس فلسفة ابن رشد واعتمد ابن الهيثم في تأليف كتابه (البصريات).

وسنحاول في الفقرات التالية إن نبين مواطن الابتكار في الثقافة الإسلامية في كل مبحث من بحوث العلم. فذلك اقرب إلى الإقناع، وأوضح حجة في دفع مفتريات الخصوم.

في علم الرياضيات والفلك:

لقد أدى العرب إلى العلوم الرياضية خدمات جلى ليس من ينكرها إلا أن يكون مجانفا للحق. فهم الذين وضعوا أساس حساب المثلثات، ولولا العرب لبقى علم الجبر مجهولا في العالم الأوربي؛ إذ وضعوا مبادئه وأقاموا أساسه، وما تزال بحوثهم فيه حتى اليوم هي القاعدة الأساسية التي قام عليها، وما زال الأوربيون حتى ألان يعتمدون تأليف الخوارزمي الجليلة في العلوم الرياضية إلى حد كبير، ولقد عدل العرب كثيرا من كتب اليونان الهندسية والحسابية؛ ولم يكتفوا في ترجمتها بمجرد النقل الحرفي، بل انهم علقوا عليها شروحا إضافية قيمة، وما زال (الصفر) و (الكسور العشرية) و (نظرية الأسس) تحمل طابع العبقرية الإسلامية، وتشهد بطول باعهم في الابتكار والإبداع، ومهما يفاخر الغربيون بعلمائهم؛ فلن يجدوا فيهم من يدانى الكندي بغزارة علمه وكثرة بحوثه. فقد ألف هذا العالم الجليل ما يناهز المائتين والثلاثين (230) كتابا في مختلف البحوث الرياضية، والطبيعية، والهندسية. يقول سيديليو: (إن مؤلفات الكندي تصطبغ بطابع العبقرية العجيبة)، وقد عده (كاردانو الإيطالي) من اشهر عباقرة العالم المشهورين.

ولقد جمع العرب بين مختلف العلوم الرياضية، واحسنوا تبويبها تبويبا علميا صحيحا، وطبقوا الهندسة على المنطق، واعترف بفضلهم على الجبر العالم المشهور (كاجوري) فقال: (إن العقل ليحار حيال مآثر العرب في الجبر. . . وان حل المعادلات التكعيبية بواسطة قطع المخروط لمن اعظم الأعمال التي قام بها العرب. . .).

ويعد ابن البناء المراكشي في الطراز الأول من مفكري العالم الرياضيين. فقد ألف أكثر من ثمانين كتابا في الرياضيات وعلم الهيئة، وقد شهد بفضله معظم علماء أوروبا وخاصة (لالاند) و (سارطون)، ومن كتبه المشهورة كتاب: (الحصار الصغير) و (رفع الحجاب)، وقد ظلت أوروبا حتى نهاية القرن السادس عشر تدرس كتابه (تلخيص أعمال الحساب) في مدارسها، وقد حاز هذا الكتاب أيضاً اهتمام العلماء في القرنين التاسع عشر والعشرين؛ ويقول فيه سارطون: (انه من افضل الكتب التي وضعت في الحساب)، وقد بحث فيه الجذور الصماء والكسور المتسلسلة بحثا وفيا، وجعل العقل يقرب من فهمها بعد أن كانت عليه طلاسم وألغازا. ومن مشاهير العرب أيضاً (البيروني) وقد شهد بنبوغه وتفوقه العالم الألماني (شاد) فقال: (إن البيروني اعظم عقلية عرفها التاريخ).

وأما في تاريخ علم الهيئة والفلك فللعرب فيه صفحة مشرقة وأثار جليلة. يقول لامبرو: (أننا إذا أحصينا راصدين أو ثلاثة من الروم رحنا نعد الكثيرين من العرب في هذا الفن) وأول من اعتنى من الخلفاء بهذا العلم الجليل وحض الناس عليه هو أبو جعفر المنصور.

قال الأستاذ نللينو: (وما اقتصر الخليفة المنصور على مجرد أحكام النجوم؛ بل انه منذ تأسيس بغداد بسنين قليلة قد بادر إلى إحياء علم الهيئة المحض)، وبلغ من شغف المنصور بهذا العلم أن كان يصطحب معه دائما المنجم الفارسي المشهور (نوبخت) واشتهر في زمنه المنجم الذائع الصيت (ما شاء الله) الذي ألف في الإسطرلاب ودائرته النحاسية (وأحمد بن محمد ألنهاوندي) صاحب الزيج (المستقبل)، وفي زمن المأمون اشتهر يحيى بن أبي منصور صاحب الزيج المشهور، وعلي بن عيسى، وعلي بن البحتري وفي زمنه أيضاً أصلحت غلطات المجسطي لبطليموس، أنشئ أول مرصد على جبل قيون في دمشق، وأخر في الشماسية في بغداد.

ومن علماء الفلك العرب المشهورين: ثابت بن قره، والمهاني والبلخى، وحنين بن اسحق، والعبادي، والبتاني الذي عده (لالاند) من العشرين فلكيا المشهورين في العالم؛ ولو شئنا أن نحصي جميع علماء العرب الفلكيين لضاق بنا المقام، وطال بنا الحديث، وليست هذه الكلمة العجلى بالتي تتسع لذلك.

والعرب أول من أوجد بطريقة علمية صحيحة طول درجة من خط نصف النهار، وأول من عرف كيفية الرسم على سطح الكرة وقالوا بكروية الأرض واستدارتها وبدورانها على محورها بعد أن كان يظن أنها منبسطة وثابتة، وقد استطاعوا بفضل ما كان لديهم من الأدوات أن يحققوا طول محيط الأرض ومقدار ارتفاع القطب، ودورة كرة الأرض المحيطة بالبر والبحر كما حققوا أيضاً طول البحر المتوسط الذي حققه بطليموس بـ12 درجة فأرجعوه إلى 54 أولا ثم إلى 42 أي إلى مقداره الصحيح تقريبا، وعملوا الازياج الدقيقة والعظيمة النفع، كما ضبطوا حركة أوج الشمس، وتداخل فلك هذا الكوكب في داخل أفلاك أخر، واكتشفوا بعض أنواع الخلل في حركة القمر واخترعوا الإسطرلاب والمربع ذا الثقب، ورسموا خرائط للنجوم المنظورة مطلقين على ذوات القدر الأعظم أسماء عربية، ووضعوا جداول للجاذبية النوعية وعرفوا حجم الأرض بقياس درجة سطحها، وعينوا الكسوف والخسوف، ووضعوا للشمس والقمر جداول صحيحة وقرروا طول السنة وعرفوا الاعتدالين وسبقوا غيرهم إلى اختراع (الموار) واستعمال الساعة الرقاصة، وحسب ألبتاني الحركة المتوسطة للشمس في السنة الفارسية، وميل فلك البروج على فلك معدل النهار فوجده 23 درجة و35 دقيقة، ودقق في حساب طول السنة الشمسية وفي حساب أهليليجية فلك الشمس، فاستطاع أن يجد بعد الشمس عن مركز الأرض في بعديها الأبعد والأقرب، وحقق مواقع كثير من النجوم، وقال بعض علماء العرب بانتقال نقطة الرأس والذنب للأرض، ورصد الاعتدالين الربيعي والخريفي، وكتبوا عن كلف الشمس، وأوحت بحوثهم في علم الفلك إلى كبلر أن يكتشف الحكم الأول من أحكامه الثلاثة الشهيرة وهي اهليليجية أفلاك السيارات وبالجملة (فقد طهروا هذا العلم من ادرأن المنجمين والخزعبلات وأرجعوه إلى ما تركه علماء اليونان علما رياضيا مبنيا على الرصد والحساب والفروض التي تعلل الظواهر والحركات الفلكية).

(يتبع)

خليل جمعة الطوال