مجلة الرسالة/العدد 71/عاصفة في قلب

مجلة الرسالة/العدد 71/عاصفة في قلب

ملاحظات: بتاريخ: 12 - 11 - 1934



عَييتُ بالقَلْبِ واسْتَنْكَرْتُ أَحْلامي ... وَنُوءتُ بالعُمْرِ واسْتَثْقَلْتُ أيَّامي

حَطَّمْتُها أَمْسِ آمالاً مُذَهَّبَةً ... كانَتْ تُهَدْهِدُ أَحْزاني وأسْقامي

حطَّمْتُها وهي في شَرْخِ الصّبا مَللاً ... ما لِلْمُنَى وفُؤَادي الموجَعِ الدامي

ما لي وَلِلْحُلُمِ الرفَّافِ يُسْعِدُني ... في عالَم مائج بِالشرِّ ظَلاَّم

ما قيمةُ العَيْشِ لا تَلْقَى بِساحَتِهِ ... من المُنى غيرَ أشباحٍ وَأَوْهامِ؟!

كَفَرْتُ بالحُلْمِ ما هامَ الغُفاةُ به ... فَلَسْتُ في هَذِهِ الدُنيا بِنَوَّامِ

أَأَقْطَعُ العُمْرَ كيْ أَحْظَى بِلَذَّتِهِ ... وهمانَ تِرْبَ خيالاتٍ وأَحْلاَمِ

لَدَمْعَةٌ وأنا مُسْتَيْقِظٌ أَرِقٌ ... أَحَبُّ مِنْ حُلُمٍ كالزَّهرِ بَسَّامِ

أَصْبَحْتُ بعدَ الرُّؤى في مَهْمَهٍ حَلِكٍ ... من الحقائقِ داجٍ جِدّ مِظْلاَمِ

حيرانَ أَخْبِطُ كالمجنونِ مُرْتَقِباً ... نوراً يَفِيضُ فَيَمْحُو كلّ إظْلاَمِ

أسيرُ والدُّجْيَةُ النَّكْرَاء غاشِيَةٌ ... تزدادُ ما زِدْتُ في سَيْرِي وإقْدَامي

حتى رَجعتُ - وقد أَخْفَقْتُ في طَلَبي - ... مِنَ الشُّكوكِ بِبَحْرٍ مُزْبِدٍ طامِ

هي الحقيقةُ ما تَدْنو مَوَدَّتها ... ولو وَقَفْتُ عَلَيْها كلَّ أَعْوامي

وأنتَ يا خافِقاً في كَهْفِهِ صَخِباً ... حَتَّامَ تُمْعِنُ في شَجْوِي وإِيلامي

أَأَنْتَ مَعْبَدُ شَكٍ لاَ ثَنى قَلِقاً ... أمْ أَنْتَ يا خافِقي نَاقُوسُ آلام

هذي الحَقائقُ تَنأَى عَنك هارِبَةً ... وَأَنْتَ ما زِلْتَ في شَوْقٍ وتَهْيَام

تَفَرَّقَ الناسُ فِيها كلَّ ناحِيَةٍ ... فكَم ترى مِنْ (مَعَرِّيٍ) و (خَيَّامِ)

مِنْ عَهْدِ (سُقْرَاطَ) لمْ تَبْرَحْ مُحَجَّبَةً ... طخياء، شتّانَ بَيْنَ النُّسْكِ والجامِ

ما رَوْضَةٌ بَرَزَتْ لِلْعيْنِ سَافِرَةً ... إِذْ جَادَها سَحَراً دَمْعُ النَّدى الهامي

تَهيجُ في الصبِّ نارَ الُحبِّ خابيةً ... وتملأ النَّفْسَ مِنْ وَحْيٍ وَإِلهامِ

ترى الطيورَ على الأَفْنانِ حالِمَةً ... سَكْرَى تَلَهَّى بأَلْحَانٍ وَأَنْغامِ

وَالنَّحْلُ يَرْقُصُ حَوْلَ الزَّهرِ مُنْتَشِياً ... صَبَّاً وَلُوعاً بِتَقْبِيلٍ وَتَضْمَامِ

هَبَّتْ على بِشْرِهَا هَوْجَاءُ عاصِفَةٌ ... فَخَيَّمَ البُؤس فيها بعدَ إِنْعامِ

لا طائرٌ ناغِمٌ في الرَّوضِ مُرْتَنحٌ ... فَوْقَ الغصونِ ولا نحْلٌ بِحَوَّامِ

كالقَلْبِ هَبَّتْ رِيَاحُ الشَّكِّ تَلْفَحُهُ ... فَقَطَّعَ العُمْرَ في عَزْمٍ وإحْجَامِ أهكذَا الكَوْنُ أحْلامٌ مُلَفَّقَةٌ ... قَرَّتْ حَقائِقُها في صَدْرِ كَتَّامِ

تلقى أخا اللُّبِّ في بَيْدَائِهِ دَهِشاً ... حيرانَ يُدْلجُ في رَيْبٍ وَإبْهامِ

دمشق

أمجد الطرابلسي