مجلة الرسالة/العدد 72/العلوم

مجلة الرسالة/العدد 72/العلوم

ملاحظات: بتاريخ: 19 - 11 - 1934



خلق النظام الشمسي

نظرية جينز في أصل السدم والنجوم وتكون نظامنا الشمسي

بقلم فرح رفيدي

قبل 300 سنة، ولمدة ألفي سنة تقريباً، كانت الأرض تدعى سلطانة هذا الكون العجيب، وسيدة العالم كله، ومحور دوران شموسه الكثيرة. وقد جعلت ملكة الكون من أبنائها، لا لأنها كانت أهلاً لهذا اللقب، أو لأنها حقيقة كانت في ذلك المحل الرفيع من الكون، بل لأن أبناءها اغتروا بأنفسهم كثيراً، وحسبوا لوجودهم حساباً كبيراً، فاعتبروا مسكنهم مسكناً عظيماً يليق به أن يكون مركز الكون وأهم موضع فيه. والصواب أنهم لم يرعوا عن غيهم، ولم يضعوا أنفسهم في المقام الجدير بهم إلا منذ 30 أو 40 سنة فقط، لما عرفوا أن أرضهم هذه هي أقل من جزء من المليون من الذرة الصغيرة، بالنسبة إلى الكون كله، وأن الشمس هي بمقدار هذه الذرة فقط، وأن الإنسان نفسه هو أيضاً بمقدار يكاد لا يذكر.

لنفرض أولاً ثلاثة أشياء نسلم بصحتها، ودون أن نكلف أنفسنا مشقة الخوض في برهانها وإثبات حقيقتها.

أولاً: المادة مركبة من ذرات مكهربةتكهرباً إيجابياً وسلبياً، بروتونات وإلكترونات , وفي حركة دائمة، وبما أن الكهربائية تيار من الإلكترونات وحالة من أحوال الطاقة كذلك المادة هي مظهر طاقة، يمكن تحويلها لحرارة أو ضوء، كتحويل الشهب لحرارة أثناء احتكاكها السريع بدقائق الهواء.

ثانياً: كل ذرة في الكون تجذب كل ذرة أخرى بقوة تختلف عكسياً بحسب مربع المسافة بينهما، وطردياً بحسب حاصل كتلتيهما فكل ذرة في الشمس تجذب كل ذرة في الأرض، وكل شيء على الأرض له تأثير على كل نجم في السماء، وهكذا لا يمكنني أن أضرب بيدي على المنضدة دون هز النجوم من مواضعها؛ ولكنه هزٌ ضعيف جداً، لا يدرك ولا بأدق الملاحظات، وهو ضعيف بمقدار صغر كتلة يدي بالنسبة إلى كتل الكواكب كلها.

ثالثاً: المواد المتركبة منها الكواكب والشمس كالمواد المتركبة منها الأرض، ولكنها في الأولى تحت ظروف تختلف فيها تبعاً للحرارة والضغط.

في البدء قبل أن تكون شمس أو نجوم أو أي ضوء آخر، وكانت الظلمة تخيم على سكون عميق في كل أنحاء الكون، كانت دقائق المادة الصغيرة مبعثرة ومنتشرة انتشاراً متساوياً على أجزاء الفضاء كله، وكانت البروتونات والإلكترونات تجئ وتذهب هنا وهناك في كون لا نظام فيه ولا قانون يضبطه، وكل شيء كان في ظلام دامس من فوضى الطبيعة وفي حالة غير مستقرة وعلى وشك الانقلاب لأقل حركة تبدو فيه. كان الكون حينئذٍ عديم التوازن، كقلم أوقف على رأسه، أقل اهتزاز بغير وضعه إلى وضع ثابت أكثر اتزاناً أو كآلة تحتاج إلى من يحركها، أو كدولاب على وشك الانزلاق، يحتاج لدافع يدفعه لينطلق بدورانه انطلاقاً، كان بحاجة إلى يد الله تسري فيه تياراً من ذلك الغاز المنتشر، حتى يندفع بأجمعه لأن يخلق نفسه بنفسه، وتكون حاله إلى ما هي عليه الآن.

لا نعرف كيف أو أين ابتدأ التيار، ولكن أسباب ما جرى تشويش في نظام الطبيعة، حينئذٍ جعل ذلك الغاز يتجمع ويتضام ويكون من نفسه كتلاً , كبيرة وصغيرة وفي أماكن مختلفة من الفضاء، والكتل الكبيرة بعظم ما تجمع لها من المادة صار لها قوة جذب كبيرة قدرت بها أن تجمع أكثر من الغاز الذي حولها، وتتغلب بها على سرعة الذرات من أن تهرب. وحجم الكتلة يتوقف على شيئين: ثخانة الغاز وسرعة ذراته. ففي الغاز الخفيف تكون سرعة التيار ومدى توسعه أكثر من سرعته ومداه في الغاز الثقيل ولذلك تكون كمية المادة المتجمعة أكبر. وإذا كانت سريعة فإنها لا تنقاد لكتلة صغيرة لضعف جاذبيتها، كخروج ذرات الهواء عن طاعة القمر لقلة جاذبيته بالنسبة لسرعة الذرات. ففي غاز معلوم الكثافة وسرعة ذراته يكون فقط كتلاً لا ينقص الوزن فيها عن حد معين. وإن كان بعض الكتل صغيراً إلى حدٍ أن يمنعها من ادخار جاذبية كافية تقاوم بها سرعة الذرات الهاربة، فإنها لا تلبث أن تتلاشى وتنتشر في الفضاء كما كانت. والكبيرة بعكس ذلك، فان كبرها يزيد في قوة جاذبيتها التي تزيد في مادتها وحجمها، فكلما كبرت الكتلة كان طبيعياً فيها أن تتجمع وتكبر وتزداد مادة وقوة، وكلما صغرت ساعدت الأحوال على عكس ذلك.

حسب هبل أحد الفلكيين أنه إذا انتشر كل غاز النجوم في

الفضاء انتشاراً متساوياً في جميع جهاته، فإن كثافة ذلك الغاز حينئذ تكون قدر كثافة الماء بـ (10) 300 مرة ووجد أيضاً

أن سرعة الذرات في حالتها تلك تكون حول 500 ياردة في

الثانية، فوجد من ذلك أن وزن كل كتلة من الكتل المتكونة

بواسطة التيار أكبر من وزن الشمس بمقدار يتراوح من 21

62 مليوناً إلى 400 مليون مرة، وعندا اكتشاف الفلكيين اليوم

لوجود آلاف من الأجسام التي لها هذا الثقل تحقق جيداً: أن

هذه السدم التي نراها اليوم هي ذات كتل التي تكونت بتأثير

ذلك التيار الابتدائي الذي حدث بين دقائق الغاز الأول.

وكانت هذه السدم التي تكونت مختلفة الحجم والشكل، وكان شكل الواحدة مترتباً على متجه التيار الذي أحدثها. فان اتجه التيار إلى المركز كان الشكل كروياً وبدون حركة. وإن زاغ الاتجاه عن المركز، وهو الأكثر حدوثاً، بدأت الكتلة بحركة دوران حول محور في وسطها. وللجسم الدائر صفة حفظ قوة الاندفاع الدوري وهي إن تقلص حجم الجسم يقصر طول قطره، فتزيد سرعة دورانه. وهكذا كان في أمر الكتل المتكونة حديثاً: زاد انكماشها بسبب جاذبيتها في سرعة دورانها أكثر فأكثر. وكان أثر ذلك الدوران أن حور شكل الكتلة من الكروي إلى شكل عدسي. وكما أن دورة الأرض سببت انبعاجها عند خط الاستواء وتفرطحها عند القطرين، كذلك ازدياد سرعة دوران تلك الكتل كان يزيد في تنظيمها إلى حدٍ بعيد. وكانت إذا زادت سرعتها أكثر من ذلك لا تزيد في تسطحها فحسب، بل تبدأ بقذف غاز من مادتها ينتشر حولها في المسطح الاستوائي انتشاراً متساوياً.

وهكذا حول كل كتلة تكون غاز خفيف. وله كالغاز الذي كون السدم نفسها صفة التجمع والتجزء إلى كتل تختلف قليلاً عن بعضها في الحجم والشكل، ولكنها أصغر من الكتل الأولى. وكما قدر العلماء رياضياً يتقارب وزن الواحدة منها من وزن الشمس ومعظم النجوم اللوامع. وإذا أدرنا بصرنا بالتلسكوب إلى السماء شاهدنا السدم اللولبية الشكل تبتدي بوسط غازي وتنتهي أطرافها بمجموعة من النجوم، وذلك يدل على أن أصل تكون النجوم والشمس هو من السدم.

هذه النجوم الجديدة المنفصلة عن السدم الدائرة، بقيت دائرة مثلها لتحفظ قوة الاندفاع الدوري. وقد كانت ولا تزال للآن تشع في الفضاء بلا انقطاع كميات كبيرة من الضوء والحرارة تنبعث منها نتيجة لاحتراق مادتها في داخلها. فالشمس التي نستضيء ونستدفئ بها تخسر من مادتها في كل دقيقة تمر حوالي 250 مليون طن وهذه كلها تحترق وتتحول نوراً وحرارة، فجزء قليل جداً نستمده، والباقي يذهب هباء في الفضاء. ذلك يدل على أن حجم الشمس والنجوم يقل تدريجياً، وقلة الحجم هذه تقابلها سرعة في الدوران، وتبقى السرعة في ازدياد مستمر ما دام الإشعاع في النجم مستمراً، وإذا ازدادت السرعة في بعض النجوم الكبيرة فقد نقسمها إلى قسمين متعادلين أو غير متعادلين تماماً. وبهذه الطريقة نشأت النجوم المزدوجة

وقد نظن هنا أن منشأ الكواكب في المجموعة الشمسية حصل من دوران شديد في الشمس جعلها تفصل عنها هذه الأجرام حولها. ولكن الأمر غير ذلك، إذ لو قابلنا أوزان بعض النجوم المزدوجة بأوزان الكواكب السيارة، لوجدنا الفرق بعيداً، فأوزان الأولى تقرب من وزن الشمس، ووزن أحد الكواكب كالأرض أقل من جزء من المليون من وزن الشمس. وعلى ذلك فمن غير المحتمل أن يكون منشأ نظامنا الشمسي على هذه الطريقة.

لتعليل منشأ نظامنا الشمسي يأتي السر جينز بطريقته المعروفة بنظرية المد وهي أن يقترب نجمان مختلفا الوزن من بعض ويكون تأثير جاذبية الكبير على الصغير شديداً بأن يرفع على سطحه مداً من مادته الغازية كرفع القمر مياه الأرض بقوة جاذبيته. ولكن اقتراب النجمين ليس بالأمر الهين أو بالشيء الذي يقع مرة ويتكرر مرات، إذ أن عظم المسافات الشاسعة التي تباعد بين نجم ونجم، تجعل أمر الاقتراب شيئاً صعباً وبعيد المدى، وقد لا يحدث لملايين من السنين تمضي، ولكنه محتمل الحدوث ولو مرة في هذا الزمن الطويل.

دعنا نفرض مرور الملايين من السنين على شمسنا وهي سابحة في الفضاء وحدها بدون رفيق أو رقيب، ودعنا نفرض أن هذه المصادفة، مصادفة الاقتراب بين نجمين حدثت، وحصل هذا الشيء البعيد الوقوع والنادر الحدوث بين شمسنا ونجم أخر، ومر هذا النجم بالقرب من الشمس دون تصادم أو احتكاك، وكان كبيراً بحيث كان تأثيره قوياُ عليها، فتأثير ذلك النجم، على رأي جينز، كان أن عمل على سطح شمسنا مداً ارتفعت فيه كمية كبيرة من الغاز، وتمددت طويلاً متتبعة جهة أبعاد النجم عن الشمس، فانفصلت عنها وتكونت بشكل سيكار ثخين في الوسط ودقيق عند الطرفين، وصار هذا الغاز المنفصل وسطاً لتجمع كتل صغيرة وكبيرة ومتوسطة بقدر ما يستوعب وتستجمع من المادة التي حولها. ولصغر هذه الكتل ضعفت فيها قوة انبعاث النور والحرارة، وانطفأت شعلتها النارية، فبردت وانخفضت حرارتها تدريجياً، وتحولت الغازات أمطاراً من سوائل المعادن على سطوحها، وتقلص حجمها الغازي إلى حجم سائلي، وعند انخفاض الحرارة أكثر تجمدت السوائل. وتحول بعضها إلى مواد صلبة قاسية وانكمشت السطوح كثيراً، وتجمدت، وتكونت أجساماً معتمة، لا مصدر للحرارة أو النور فيها غير ما تستمده من الشمس أو من بعض المواد المشعة في داخلها. وجعلت حفظاً للاندفاع الدوري تدور حول الشمس دورات مختلفة في البعد والوقت. وهكذا كانت الكواكب السيارة، منها عطارد وبلوتو في طرفي السيكار، والمشتري وزحل في وسطه.

وفي بدء خلق هذه الكواكب، وقبل اعتدال دوائرها وثباتها حول الشمس كما هي الآن كانت تدور بغير انتظام يربطها، أو قانون يوحدها. فكانت تارة تقترب، وتارةً تبتعد عن الشمس؛ فحدث في أثناء ذلك أنه بينما كانت الأجسام غازات ملتهبة، اقترب بعضها من الشمس إلى حد مكن الشمس أن تسحب من غازاتها كتلاً أخرى انفصلت عنها وكونت أقمارها ومن جملتها قمرنا.

وهكذا من فوضى الطبيعة الأولى تكونت السدم، والسدم من جراء دورتها حول نفسها تشتت غازها وانقسمت إلى أنجم، كل نجم منها قائم بذاته، وسائر في الكون بقوة حركته واندفاعه. ومن سرعة سير هذه الكواكب ابتعدت عن بعضها أبعاد شاسعة. تكاد تعدمها حقيقة وجودها، بالنسبة لسعة الفضاء وعظمته، وصار مجرد اقتراب الواحد من الأخر من قبيل المصادفة فقط. ولكن حدث أن اقترب نجم من شمسنا، وسحب منها غازات توحدت وتجمعت كتلاً صغيرة وكبيرة. وتصلبت أجسامها وتحولت إلى كواكبنا السيارة هذه، ومن جملتها الأرض، وبمجرد اقتراب الأرض من الشمس انفصل جزء منها وكون القمر.

رام الله

فرح رفيدي