مجلة الرسالة/العدد 72/في الأدب الدرامي

مجلة الرسالة/العدد 72/في الأدب الدرامي

ملاحظات: بتاريخ: 19 - 11 - 1934


14 - الرواية المسرحية

في التاريخ والفن

بقلم أحمد حسن الزيات

تحليل موجز لرواية هرناني

هرناني

درامة شعرية في خمسة فصول نظمها هوجو سنة 1830 ومثلت أول مرة في (الكوميدي فرنسيز) يوم 25 فبراير سنة 1830 فكان تمثيلها معركة شعواء بين الاتباعيين والابتداعيين تبودلت فيها اللعنات واللكمات بين الفريقين. وكان أنصار المذهب الجديد قد وزعوا قبل يوم التمثيل (تذاكر) مجانية على طلاب المدارس وتلاميذ المصانع، فملأوا مشهد المسرح قبل بدء التمثيل بثماني ساعات. ثم أبتدأ التمثيل على المسرح، والعراك الصاخب في المشهد حتى أستدل الستار الأخير على فوز الابتداعيين وفشل الاتباعيين.

أهم أشخاص هذه الرواية: هرناني، وهو نبيل إسباني أتخذ اللصوصية وقطع الطريق وسيلة لأخذ ثأر أبيه المشنوق في جريمة سياسية؛ ودون كرلوس ملك إسبانيا، وهو الذي قتل أبا هرناني؛ ودون روي جوميز دوق سلفا؛ ودونا سول بنت أخيه التي يريد أن يتزوج منها. وقد وقعت حوادثها في سرقوسة، ثم في قصر سلفا ثم في أكس لاشابل، ثم في سراقوسة ثانية.

ففي الفصل الأول:

يعيش هرناني في الجبال مع ذؤبان الأنس، يقطع الطريق ويغير على البلاد؛ وهو يحب (دونا سول) وتحبه، ويغالبه على هذا الحب (دون كرلوس) ملك إسبانيا والشيخ روى جوميز عم الفتاة، ويقع هرناني في خطر داهم فينجو منه بفضل الملك.

وفي الفصل الثاني:

يقابل هرناني الملك في بيت دونا سول، وقد أقبل في حرسه يخطفها، فيملك حياته وموته.

ولكنه يبقى عليه ويخرج، فيجد البيت محصوراً بالجند الملكي فينجو بنفسه بعد لأي.

وفي الفصل الثالث:

يحكم الملك بالقتل على هناني ويجعل لمن يأتي برأسه جعالة مالية، فتذعن دونا سول لأحكام القدر وتستسلم لإرادة عمها فترضها أن تتزوج منه. وفي الساعة التي يتأهبون فيها للذهاب إلى الهيكل لعقد الزواج يدخل هرناني القصر في زي حاج يطلب الحماية والجوار من ربه. فإذا ما رأى حبيبته في زينة العروس يظن إنها نكثت عهده، ونسيت وعده، فتهون عليه الحياة ويعلن عن نفسه طالباً القبض عليه. ولكن واجب الضيافة لصاحب القصر يقوم دون ذلك. وليس جوميز ممن ينقض الذمام ويخيس بالذمة. على أنه يفجأ الحبيبين وهما يتساقيان الهوى ويتصارحان بالحب، فسيقتله الغضب وترعده الغيرة، ويدخل الحاجب عليه في تلك الحال ويعلن إليه قدوم الملك، فقد جاءه يطلب منه تسليم المجرم المحكوم عليه إذ علم إنه لائذ بقصره. فتتنازع الدوق عوامل الشرف والغضب والانتقام، وتتراءى له صور آبائه المعلقة على حوائط القصر تتحرك أمام عينيه تذكرة له وتبصرة، فيغلب الشرف ويخبئ هرناني في مخبأ سري أمين. ويدخل الملك فيعاتب الدوق على أن يجير عليه، ويطلب منه المجرم. فيجيبه جوميز في إباء وشمم أنه يؤثر الموت على أن يسلم جاره. فيغتصب الملك دونا سول ويخرج انتقاماً من عمها وثأراً لنفسه. ويخلو الدوق بهرناني فيرد إليه حياته وحريته بشرط أن يساعده على غسل هذه الإهانة عنه بدم الملك، فيجيبه هرناني إلى ذلك ويضع حياته في يده ضماناً بوعده، فيقسم أن يقتل نفسه متى نفخ الدوق في هذا البوق الذي يعطيه إياه.

وفي الفصل الرابع:

يسافر الملك في أثناء ذلك إلى أكس لاشابل يروض لنفسه الأمور ويهيئ الأسباب لفوزه في الترشيح لإمبراطورية ألمانيا، ويأتمر الدوق وهرناني بالملك، ويتوافى المؤتمرون في حندس الليل إلى إبقاء الكاتدرائية على مقربة من ضريح شارلمان. ويقف دون كرلوس على سر المؤامرة فيجيء إلى مكانها يريد أن يفجأ المجرمون وهم جلوس على الجريمة ويظل مختبئاً ينظر وتهب عليه في تلك الساعة نفحة من قبر شارلمان وهو الذي يريد أن يخلفه على مجده وسلطانه، فتوحي إليه بتلك النجوى المشهورة التي تبلغ ستين ومائة بيت من عيون الشعر وغرره، ويدخل الملك ضريح العاهل فيتسنى له أن يسمع ما يقرره المؤتمرون فيعرف أن هرناني قد أنتخب بالقرعة ليقتله. ويدوي في تلك اللحظة صوت المدفع فجأةً فيعلن انتخاب دون كرلوس عاهلاً لألمانيا، فيخرج حين إذن من مكمنه ويدهم المتآمرين فيملأ قلوبهم رعباً ودهشة، ويريدون الفرار فيجدون المكان محصوراً بالجند، ويتقدم هرناني فيكشف للملك عن نفسه ويذكره بجنايته على أبيه. ويكون لهرناني ودونا سول والملك موقفاً رائع تتجلى فيه عواطف الحب والتضحية والشهامة، وينتهي بأن يعفو الملك عن جميع المتآمرين ويتخلى عن دونا سول لهرناني فيستعبد قلبه بهذه الأريحية. ويصبح اللص الشريف صادق الولاء مخلص القلب لشرلكان وهو الاسم الجديد للعاهل الجديد.

وفي الفصل الخامس:

لم تحل هذه النهاية في صدر الدوق جوميز. فلا هو رحض أهانته ولا هو نال حبيبته، فيأبى عليه طبعه أن يسعد غيره بشقوته، فيدع الزواج يتم والعرس يقام والعاشقين ينعمان معاً بنعمة الحب ولذة القرب، ولكنهما يسمعان نفخة بوق على بعد! ثم يدنو الصوت فإذا هو الشيخ جوميز يستنجز هرناني وعده بأن يقتل نفسه عند نفخة البوق، فيتوسل العروسان إليه بالرجاء والدعاء والدموع فلا يزداد إلا إصراراً وعناداً. ويظلم اليأس في عيني الزوجين البائسين فيخرج هرناني من منطقته قارورة من السم، فتأخذها منه دونا سول وتجرع نصفها وتقدم إلى زوجها الباقي فيشربه، فيخر الحبيبان صريعين تحت قدمي الدوق، ويهجم عليه هو أيضاً الندم ووخز الضمير فينتحر على جثتيهما الهامدتين.

ويؤخذ على هذه الدرامة أن العمل الروائي فيها خيالي محض، ينقصه الصدق والطبيعة، وأن تحليل أخلاقها سطحي غير عميق، وأن كثيراً من مواقفها غريب غير ممكن. وتجد هذا العيب أوضح ما يكون في الحل، فإن الدوق جوميز الذي ظل طوال الرواية شهماً كريماً لا يسوغ في العقل أن يكون في أخرها جامد الشعور زمن المروءة كما ظهر.

تتمة في الملهاة العامية

الملهاة العامية وهي ملهاة عرضها الإضحاك والإلهاء بتصوير العيوب المضحكة تصويراً يتعدى حدود الأدب والحشمة والذوق والإمكانية. فهي تقوم على الإحالة والبذاءة، كما تقوم الملهاة على السخر والأضاحيك.

والرأي بين الناس مختلف في بقاء هذا النوع في أمة راقية وحكومة منظمة ومسرح مهذب. فالذين يدافعون عن الملهاة العامية يقولون أن الناس يرفهون في صدورهم بشهودها، وأن الأذواق ليست واحدة في تقدير اللهو الرفيع، وأن العكوف على الجد الخالص واللهو الجدي يتعب الذهن ويكد القريحة، وأن الجمهور يجب أن تطلق له الحرية في اختيار ما يلهيه ويسليه.

ونحن لا نكر مطلقاً على الملهاة العامية أنها تلهي الجمهور وتسر الناس، بل نعترف بأن الرومان كانوا يهجرون مسرح (تيرانس) ويحتشدون عن المصارعين والمهرجين، ولا ننكر كذلك أن القليل من الناس هم الذين يدركون معنى الحق والجمال والخير، فيلذهم إدراكهم ويمتعهم فهمه، وأن دهاء الشعب وسواده لا يلهيهم إلا المحال الفاحش والبذيء المقذع، وأن من الأذهان ما يعتريه الكلال من الجد فلا يشحذ إلا بالمزاح الخالي من الذوق والفكر، ولكنك سلطان هذا النوع على الشعب هو مصدر الخطر فيه ومنشأ الضرر منه. فإن من يحبه ويميل إليه يكره غيره ويصد عنه. وانصراف الشعب عما يغذي عقله بالحكمة وذوقه بالجمال ووجدانه بالفضيلة، إلى ما يملأ عينه بالفحش وقلبه بالرجس ولسانه بالبذاء، مؤد إلى الوهن والانحلال والعدم. ذلك إلى أن اللهو الفارغ تستسهله النفس وتفضله. وإذا أسترسل المرء فيه خمدت نفسه بترك الفكر، كما يخمد جسمه بترك العمل. أما قولهم أن الملهاة العامية لا تضر ما دامت تسر، فذلك مثل قولهم: أن نوع الغذاء لا يهمك ما دام يلذك.

أن هذه الملهاة خلقت لرعاع الشعب وغوغائه فلتبق لهم والتحى بينهم، بشرط أن تظل على شكلها العامي الخشن في أدب وحشمة، فتقوم في الأسواق والأعياد والموالد تحت الخيام والمضارب، حتى لا تجذب إليها إلا خشاش الناس ممن تعود أنفه النتن فلا يشمه، ومرن لسانه على الهجر فلا يهمه. أما رفعها يفحشها ورجسها إلى المسارح الراقية وتمويهها بالرقص والموسيقى، وتزيينها بالزخرف المناظر والأزياء، فذلك تذهيب لحافة الكأس المسمومة يشربها الشعب فتقتل فيه عناصر الخير وعواطف الفضيلة!

المأساة العامية

المأساة العامية درامة تتألف من الحوادث الفاجعة، والمواقف المروعة، والهزل الجريء، وتستعين بالرقص والموسيقى. وقد علق بها اسم (الميلودرام) في منصف القرن الثامن عشر، وأشتهر بتأليفها من الكتاب الفرنسيين (جيلبير دبكسير يكور) و (دوكانج) و (دينيري). ولكن ما كتبوه عافه النقد لتبذله وتسفله. يمتاز هذا النوع بأثره القوي وعمله العنيف. فموضوعه إما أن يكون طاغية غشوماً يرتطم في مراغة العيب والفحش، أو رئيس طغمة من قطاع الطرق يطارد فتاة طاهرة عفيفة فاضلة، أو خائناً يخب في ظلال ويوضع في الغي، أو حبيباً باسلاً يقع حبيبه في قفص الأشرار فيغالب الأخطار ويصارع الفجار حتى يرد مكرهم ويدفع شرهم، أو غبياً يعقد العمل بغباوته ويحرج الموقف بساخفته. ثم تتدخل العناية الإلهية بعد هذه التقلبات الشديدة، والمشاكل العديدة، فتأخذ للبريء من المجرم وتقتص للفضيلة من الرذيلة. وعملها شديد العنف قوي الأثر، يضحي بالإمكانية في سبيل الضربات المسرحية والمفاجآت القوية، وتعتمد على الخناجر والسموم والحرائق في الأخذ بكظم النفوس وإثارة الرعب في القلوب. أما موسيقاها فتعبير عن المواقف والعواطف، وتتقدم دخول الأشخاص، ورقصها قد يكون تعبيراً عن معنى وتمثيلاً لفكرة وقد يكون إمتاعاً وتسلية يتخلل حوادث الرواية. وأما أسلوبها فمزيج من البهرج الخالد والعامية المبتذلة، مما يلائم هذه الأفكار التي تشرحها، والعواطف التي تصفها. وماذا تجدي الأساليب الفخمة، والتراكيب المونقة، في جمهور لا يريد أن يتأثر إلا بالزياط والعياط، ولا يتسلى إلا بالصراع والقراع، ولا يعرف إلا أن يقول في نهاية الفصل الخامس وهو مجذوب بالحادث مكروب للبطل: آه! رباه لقد نجا!! على أن مال هذا النوع إلى الفناء، فأن الشعب كلما رقت عواطفه وتهذب حسه، ودق شعوره، آثر الصدق والإمكان، وقدر الفن والبيان، وعاف الصخب والهذر والعنف، ولذلك تجد الدرامة تحتل في كل مكان محل الميلودرام.

(يتبع) الزيات