مجلة الرسالة/العدد 722/الأدب في سير أعلامه:

مجلة الرسالة/العدد 722/الأدب في سير أعلامه:

ملاحظات: بتاريخ: 05 - 05 - 1947


13 - تولستوي

(قمة من القمم الشوامخ في أدب هذه الدنيا قديمه وحديثه)

للأستاذ محمد الخفيف

في القوقاز

قرأ ليو كثيراً في القوقاز وهو منذ حداثته لا يسلو الكتب مهما صرفته عنها أهواء شبابه؛ فإذا عاد إليها أقبل يقرؤها في جد وعناية وقراءة تدبر واستمتاع، ولم يتفه كتاب مما كان يصدر يوم ذاك في روسيا أو في أوربا، كذلك لم تفته صحيفة أدبية تعنى بألوان الأدب المعاصر وتهتم بنقده، وكان في مقدمة تلك الصحف مجلة (المعاصر) التي نشرت له أول آثاره. . .

وكان لترجنيف جانب كبير من اهتمامه، وكان ترجنيف الذي يكبره كما أسلفنا بعشرة أعوام قد نشر سنة 1947 أول كتاب له وهو (مذكرات رجل صيد) الذي سبق أن أشرنا إليه، فكان ليو يعيد قراءته بين الحين والحين؛ ولعل ما استمتع به ترجنيف من ذهاب الصيت بكتابه الأول هذا قد ألقى في نفس ليو تولستوي أحلام المجد الأدبي وبخاصةً بعد أن صادف كتابه (عهد الطفولة) ما أشرنا إليه من نجاح.

وكان لجوجول كذلك منزلة عظيمة في نفس تولستوي، فكان يطيل التأمل في قصة (الأنفس الميتة) في قصته الفكهة (في). . .

ولم يسه تولستوي عن الأدب الأوربي فكان يقرأ آثار أعلامه جميعاً، وكان يتتبع ما ينشر دكنز في شغف كبير ويقدمه على كل قصصي سواء؛ وكذلك كان عظيم الإعجاب بالكاتب الإنجليزي ستيرن الذي ذكرنا اسمه قبل فيمن ذكرنا ممن قرأ الفتى آثارهم؛ كان ستيرن من رجال الدين ولد سنة 1713 وتوفي سنة 1768 فهو من أعلام القرن الخامس عشر وقد اشتغل بالأدب، وامتازت مؤلفاته بروح الفكاهة والعاطفة، وبلغ في قوة خلق الأشخاص وتصويرهم مالا يبلغه إلا الأفذاذ القلائل، فكان لآثاره ميزة الأصالة والنبوغ، وقد نشر قبيل وفاته أشهر كتبه وهو (الرحلة العاطفية)، وقد كان تولستوي شديد التأثر عظيم الانجذ نحو هذا الكتاب؛ يضعه في مستوى آثار روسو من حيث قيمته في ذاته ومن حيث أثره في نفسه. . .

وكثيراً ما كان الفتى يطيل التأمل في ساعات فراغه، أو عقب قرائه كتاباً من كتبه، وكثيراً ما كان يثبت تأملاته في كراسته فكان لهذه الكراسة بذلك خطرها كمصدر من مصادر تاريخ حياته.

وكان أول ما تأمل الفتى في الدين ولما يمض عليه في القوقاز غير أيام، ولم تكن هذه أول مرة يتجه فيها تأمله هذا الاتجاه، فقد سبقتها مرات ومرات؛ وقد أشرنا قبل إلى ما ذكره في مستهل كتابه (اعترافاتي) عن ذلك الصبي الذي تحدث إليه ذات مرة وهو في نحو العاشرة عن الله ووجوده، وكيف تلقى ذلك الحديث في اهتمام وأفضى به إلى أخوته. . . ومما ذكره كذلك في مستهل ذلك الكتاب قوله (لقد عمدت ونشأت على العقيدة المسيحية الأورثوذكسية؛ وقد عملت هذه العقيدة في طفولتي وطول أيام يفاعتي وشبابي؛ ولكني عندما تركت الجامعة وأنا يومئذ في الثامنة عشرة لم أعد أصدق شيئاً مما علمته. . . وقد ذهبت المعتقدات الدينية التي علمتها في صغري؛ ونظراً لأني منذ سن الخامسة عشرة بدأت أقرأ الآثار الفلسفية، فإن رفضي هذه المعتقدات كان أمراً شعورياً في سن مبكرة جداً؛ فمنذ سن السادسة عشر انقطع ذهابي إلى الكنيسة وانقطع صومي؛ ولم أصدق ما لقنت في طفولتي ولكني كنت أصدق شيئاً ما؛ أما ما هو ذلك الشيء فما كنت أستطيع وقتها أن أقول، لقد صدقت بالله أو على الأصح إني لم أنكر الله، ولكني لم أستطع أن أقول أي إله هذا، وكذلك لم أنكر المسيح ولا تعاليمه، ولكم مم كانت تتألف تلك التعاليم؛ ذلك أيضاً ما لم أكن أستطيع أن أقوله. . .

وإذا رجعت إلى تلك الحقبة من عمري أرى الآن في وضوح إن إيماني، إيماني الحقيقي الذي لم يكن لي غيره، ذلك الذي كان يحفز حياتي بصرف النظر عن غرائزي الحيوانية هو عقيدتي في بلوغ الكمال النفسي، ولكن مم يتألف هذا الكمال وما غرضه؟ ذلك ما لم أستطع أن أبينه، لقد حاولت أن أكمل نفسي عقلياً، فدرست كل ما استطعت أن أدرس، كل شيء ألقته الحياة في طريقي، وحاولت أن أكمل إرادتي فوضعت قواعد أخذت نفسي بإتباعها، وكملت نفسي من ناحية البدن قد دربت قوتي ونشاطي بكافة أنواع التمرينات، وعودت نفسي التحمل والصبر بكافة ضروب التقشف؛ واعتبرت كل أولئك وسائلي نحو الكمال؛ وكان أول ما اتجهت إليه الكمال الأدبي ثم أعقب ذلك وحل محله الكمال من جميع الوجوه، أو الرغبة في أن أكون أحسن حالاً، لا في نظري فحسب ولا عند الله وحده، ولكن في نظر غيري من الناس. . . وسرعان ما اتجهت محاولاتي بعد ذلك إلى رغبة أخرى هي أن أكون أقوى من غيري وأبعد منهم صوتاً، وأعظم خطراً وأكثر ثراء. . .

هذا هو مبلغ اهتمام الفتى بالدين وكل ما هو من الدين بسبب منذ حداثته، أما اهتمامه به في القوقاز فنجد شاهداً عليه فيما أثبته هناك من تأملاته ومنها قوله بعد أن ذكر إنه لم ينل ليلته بسبب صلاته ونسكه لله (إذا أريد بالصلاة إنها استغفار أو شكران فإني إذاً لم أكن أصلي؛ بل إن رغبة كانت تتملكني نحو شيء طيب سام. أما عن كنه ذلك الشيء فذلك ما لا أستطيع تفسيره، ولو إنني أشعر شعوراً تاماً ماذا يكون ذلك الذي رغبت فيه؛ إن الذي رغبت فيه هو أن أذوب فأمتزج بذلك الجهور المحيط بكل شيء وأن أستغفره عن آثامي. . . لا، ليس هذا ما رغبت فيه لأني شعرت إذ منحني هذه اللحظة المباركة إنه بهذا منحني كذلك المغفرة).

والذي يستخلص مما كتبه تولستوي حتى هذه السن إنه لم يفقد الإيمان لحظة بقوة مطلقة في هذا الوجود، وكان مرد إيمانه إلى عاطفته وإن كان يشعر إنه لا يستطيع أن يصالح عليها عقله ومنطقه، فلقد كان شديد الشك في صورة العقيدة كما تضعها الكنيسة الأورثوذكسية الروسية، ولذلك عظم الصراع بين عاطفته وعقله. . . وتراه يتساءل ذات مرة في دفتره معتمداً على العقل والقياس قائلاً: حتى ولو إن الجسم والروح شيئان، وإن الجسم يلحقه الفناء، فماذا في ذلك من البرهان على فناء الروح؟ لقد رأيت الجسم يموت، وعلى ذلك أستخلص إن جسمي أنا سوف يموت، ولكن ليس في ما يريني إن روحي سوف تموت، وعلى ذلك فبناء على ما يقوم في فكري أقرر إنها خالدة).

وقال عن الصلاة في موضع آخر (هل الصلاة لازمة؟ وهل هي ذات فائدة؟ إن التجربة وحدها هي التي ترينا مدى ما يكون في ذلك من اقتناع. إني أصلي هكذا. رب نجني من السوء ومن الغواية أن أفعل السوء، وهب لي الخير أو هب لي القدرة على أن أعمل صالحاً؛ وسواء أكان خيراً أم كان شراً ما أعمل فإن مشيئتك هي النافذة).

وعاد يبحث عن الله في قوله (هل لي أن أنجح نجاحاً لأمرية فيه فأكون عن الله واضحة وضوح فكرتي عن الخير؟ لقد باتت هذه الرغبة أقوى رغابي!

إن فكرة الإنسان عن الله هي وليدة تغطية إلى ضعفه هو. . . ولم يقنعني بوجوده بصلتنا به شيء أقوى من هذه الفكرة: ألا وهي أن كل مخلوق قد وهب من المسكنة ما يتفق مع ما يرغب فيه من مطالب، لا شيء أكثر من ذلك ولا شيء أقل؛ ولأي غرض وهب الإنسان قوة إدراك مثل هذه المسائل وهي العلة الأولى والأبد واللانهاية والقوة المطلقة؟ إن المقدمة فيما أتحدث عنه هي فروض تؤيدها علامات، وإن الإيمان حسب تقدم المرء يتمم صحة هذه الفروض).

وتشتد حيرته بعد ذلك فيقول: إني عاجز عن أن أثبت لنفسي وجود الله، أو حتى عن إيجاد قرينة مقنعة به؛ كما أني لست أرى ثمة ضرورة حتمية لهذا الإدراك، إنه لأيسر وأبسط أن نتخيل الوجود الأبدي للكون بنظامه العجيب الذي لا يمكن تصور مداه، من أن نتخيل وجود خالق له. . . إن تطلع الجسم والروح إلى السعادة هو السبيل الوحيدة إلى تفهم أسرار الحياة، وإذا تصادمت نوازع الجسم ونوازع الروح فيجب أن تهيمن نوازع الروح لأن الروح خالدة كالسعادة التي تنتجها. . . وإن تحقيق السعادة هو السبيل لتقدم الروح ورقيها. . . إني لست أفهم ضرورة وجود الله، ولكني أومن به وأصلي له كي يعنيني على أن أدركه).

وتنطوي سنوات كثيرة قبل أن يغير تولستوي ما أثبته في كراسته في نوفمبر سنة 1852 وهو قوله (إني أومن بإله واحد لا تدركه الأبصار وأومن بخلود الروح وأومن بالجزاء على أعمالنا؛ وما يضيرني أني لست أفهم خفايا الثالوث ومولد أبن الله؟ إني أجل عقيدة آبائي ولست أجحدها).

ويتأمل الفتى غير الدين في أمر يتصل بالأخلاق فيقول (إن الضمير خير رائد لنا وخير ما نعول عليه من هاد، ولكني ما هي الشواهد التي بها نميز صوت الضمير من بين الأصوات الكثيرة التي تنبعث في أنفسنا، على إنه الصوت الوحيد الحق؟ ذلك لأن الغرور يتكلم بنفس القوة. . . إن الرجل الذي يكون غرضه في الحياة سعادة نفسه هو رجل سوء؛ وإن الذي يكون غرضه حسن رأى الناس فيه رجل ضعيف؛ وذلك الذي يجعل غرضه إسعاد الآخرين رجل خير؛ ولكن الذي يجعل غرضه وجه الله هو رجل عظيم. . . إن الشر في رأي يتكون من إتباع السوء تجاه الآخرين والخير كامن في محبة الخير لهم؛ بهذا يتحدث الضمير أبداً؛ وإن غرض الحياة لهو الخير وهو عاطفة موروثة في النفس، ورأى أن الوسيلة لنعيش عيشة طيبة هي معرفة الخير والشر. . . وأنا لن نكون أخياراً إلا عندما توجه جميع قوانا دائماً نحو هذا الغرض).

(يتبع)

الخفيف