مجلة الرسالة/العدد 74/دار تبلى!. . .

مجلة الرسالة/العدد 74/دارٌ تَبلى!. . .

ملاحظات: بتاريخ: 03 - 12 - 1934


دار تَبلى! وكانت إلى الأمس القريب دار الأمة! عليها نزل وحي الوطنية، ومنها انبعث صوت الحرية، وفيها انبثق فجر النهضة، وبها وُلد معنى الاستقلال.

كانت ملجأ الخلافة في الآستانة، ومفزع الخديوية في القاهرة، ومخالفة الاستعمار في لندن، ومثابة الإسلام في العالم كله! تجمعت فيها للأمة رغائب، ونشأت بها للشباب آمال، وخفقت عليها للجهاد (ألوية)، وسمعت مصر في أفنيتها للمرة الأولى أصوات بَنيها الخُلَّص يهتفون باسمها، ويهزجون بمجدها، ويزفرون من الحفيظة لاستعبادها، ويستنجزون الغاصب المحتل وعدوه الممطول وعهده الفاجر! ثم كانت (عكاظ) للبلاغة الخطابية، و (فورم) للمساجلة السياسية، و (كعبة) يتجه أليها أبرياء الصدر من مخامرة الوطن، وأنقياء الصحيفة من ممالأة العدو تلك هي دار اللواء، ونادى مصطفى كامل!

تمر اليوم بمكانها من شارع (الدواوين) فتجد هذا الأثر الضخم والتاريخ الحافل تُعفيه الأحداث والنوازل! كأنها لم تكن في عهدها الداني قلب مصر النابض، وعزم نشئها الناهض، ومنارة أمرها الهادية! أتى البلى عليها أتُّى البلى فنكر أعلامها وأخفقت صداها! كأنها لم تنفض عن الوادي غبار الحمول، ولم تمسح عن الأجفان فتور الوسن! وكأن مصطفى لم يسجل على أركانها أول صيحة بالجلاء، وأول رغبة في الدستور، وأول غضبة للحرية!!.

ولكن الزمن الدوار القهار يحطم كل ما برأ الله وصور الناس من شخص وشيء، فلا يظهر على بأسه إلا الفكرة، ولا يخلد على رغمه إلا العقيدة.

ألا فاسلمى على رغم هذا البلى يا دار! فأن لك في كل قلب آية مسطورة، وفي كل تاريخ صفحة منشورة، وفي كل جيل نشيداً يعطف القلوب إلى الحق، ويلفت العيون إلى النور، ويهدي النفوس الشاردة إلى الغرض الأسمى والسبيل القصد.

ومن الذي ينسى ومضة الروح الإلهي في ذلك الجسد الضارع، فيفور فورة الجبارين، ويصمد صمود الرُسل، ويقوم في وحدة النبي وإيمان الشهيد يجاهد الإشراك بمصر، والكفران بالأمة، ويقارع بالحجج الثائرة الملزمة طغيان إنجلترا وهي يومئذ علة العلل ودولة الدول؟

أم من الذي ينسى خفقة التضحية القدسية في ذلك الشباب العليل، فيحرك ساكن شعبه بوجيب قلبه، ويضئ ظلام يومه بوميض روحه، ويذكى خمود عزمه بحرارة دمه، ثم يزهد في المال والجاه والحكم زهادة الحكيم، فيحيا للمبدأ والفكرة، ويموت للقدوة والعبرة؟

على إخلاص مصطفى وإيثار فريد وصدق سعد تسير اليوم هذه القافلة! حتى إذا كذب الرائد، ومكر الدليل، وخامر الحادي، انبلج في جوانب الطريق شعاع من هذه الأرواح البرَّة، فيجلو العمى، ويكشف الضلال، ويفضح المكيدة! وقد ماتوا رضوان الله عليهم ميتة الأنبياء، لا (عمائر) تحجب سماء المدن، ولا (دوائر) تشغل أرض القرى! لقد ملكوا وما تركوا! إنما ورثونا حفظ الكرامة وإن أرهقنا الظلم، وطلب الحرية وإن أجهدنا الطغيان، ورعاية الحق وإن خدعنا الباطل! كانت قافلتنا تسير باسم الله يا دار! تسير على ضوء من مبادئ الزعماء لا يخبو ولا ينكسر، فأصبحنا ذات يوم وإذا سيرها يثقل ونظامها يضطرب! فالتفتنا فإذا عصبة منا تسربلوا بالنار وتدرعوا بالحديد، ثم ولوا وجوههم إلى الخلف، وأخذوا بمؤخر القافلة جذباً وجراً، حتى لتكاد عواتقهم تهى، ومفاصلهم تنسرق، وانبث في الركب دعاة الرجعية وسماسرة الطغيان، يلبسون عليه الأمر، ويوهمونه أن هؤلاء هم القادة، وأن هذه الوجهة وعلى تلك الحال الأليمة لبثنا أربع سنين يتجاذبنا الوراء والأمام، ويتنازعنا النور والظلام، حتى ضعضع الصبر الأبى وثاقة الطاغية فخر صريعاً ليديه وفمه.

تقوض صرح الظلام والظلم أول أمس يا دار! فانتشر ما كان يحجبه من نور، وسرى ما كان يصده من نسيم، وعدنا إلى نهج الحياة شامتين بمن هوَوا من أعاليه وثوَوا تحت أنقاضه!

لقد أبلاه عدل الحوادث كما أبلاك ظلمها، وستبقى على الأبد آثارك المعنوية وآثاره! فأما آثارك فتبقى بركة على الناس، وحجة على البغي، وتفسيراً لمعنى البطولة؛ وأما آثاره فستبقى لعنةً في فم الدهر، ودمامة في وجه التاريخ، ووضاعة في كبر الإنسانية!

ألا فاسلمى على رغم هذا البلى يا الدار! فان لك في كل ذهن صورة، وفي كل نفس ذكرى، وفي كل غمرة من غمرات الجهاد روحاً تمسك القوى، وتلهم الصبر، وتعين على مخاوف الطريق!

احمد حسن الزيات