مجلة الرسالة/العدد 74/محمد بك المويلحي

مجلة الرسالة/العدد 74/محمد بك المويلحي

ملاحظات: بتاريخ: 03 - 12 - 1934


3 - محمد بك المويلحي

الأستاذ عبد العزيز البشري

تتمة في نشأته ودراسته

لقد عرفت مما قصصنا عليك أن هذا الرجل وإن نشأ عظامياً بما لبيته

من الغني والحسب، فقد نشأ عصامياً بما حصل من العلم والأدب. اتكأ

على نفسه فأكب على الكتب دائرها ومجفوِّها. ولعل أكثر نظره إنما

كان في كتب التاريخ والسير، ولو قد وقع لك صدر من آثار أبيه

وآثاره لرأيت لهما في مواطن الاستشهاد فطنه عجيبة، إلى دقائق

دقيقة، مما يعلق بزوايا التاريخ أو بحواشيه، قل أن يفطن لها أكثر

القارئين، وقل أن يحفل بها أو يعلقها من يفطن إليها من الدارسين.

على أنها قد يكون لها في دواعي الكلام مقام عظيم، وكثيراً ما ترفعه

درجاتٍ على درجات.

كذلك اعتمد محمد في تحصيل العلم والآداب على الاتصال بصدور أهل الفضل يصاحبهم

ويلابسهم، ويلازم مجالسهم، ويشهد محاضراتهم ومقاولاتهم. كذلك داخل رجال الحكم وأصحاب السياسة في مصر وفي الآستانة فعرف أساليبهم، وأدرك مذاهبهم. ولم ينكسر على هذا وهذا؛ بل لقد صاحب كذلك أهل الظرف وأصحاب البدائه وشاركهم في أسمارهم، ودخل معهم في مناقلاتهم ومنادراتهم.

وعالج البيان من صدر شبابه، يصقل له أبوه القول، وبقرب له مصطفى اللفظ، ويأخذه بتجويد النسج، ويهديه إلى مضارب العلم. وسرعان ما نضج وأدرك، وجرى قلمه بالبيان حلواً متيناً نيراً، ووقع من فنون المعاني على أجلها وأكرمها. ونهج لنفسه أسلوباً خاصاً به إن تأثر فيه بأحد، فبالأسبقين من أعلام الكتاب فكان منه بذلك كله الأديب التام.

واحترف صنعة القلم، واشترك في تحرير جريدة المقطم بضع سنين على ما أضن.

أحسبه قد شارك أباه في تحرير الصحف التي أخرجها في عهد المرحوم الخديوي إسماعيل، فتاريخها إن لم يكن أبعد من مولده، فهو أبعد في أرجح الظن، من حمله القلم والله أعلم!

وكان أبوه، رحمة الله عليهما، كثير الاختلاف إلى الآستانة مثوى الخلافة يومئذ، فكان يصحبه في بعض هذه الرحلات، وقلد إبراهيم بك في زمن السلطان عبد الحميد منصب المستشار لوزارة المعارف العثمانية، وأقام فيه بضع سنين، لعلها تسع إن صدقتني ذاكرتي؛ فقضى محمد في الآستانة هذه السنين.

ولما اعتزل المرحوم إسماعيل باشا إمارة مصر، وآثر المقام في إيطاليا دعا بإبراهيم بك ليؤنسه ويسامره، ويخدمه في بعض مساعيه عند السلطان. فحمل معه ولده وأقاما في نابولي في قصر إسماعيل بضع سنين. ومن هنا تدرك كيف حذق محمد لغة التليان.

ولقد طاف كثيراً ببلاد أوربا، إما موفداً من أبيه في بعض مساعيه، وإما متفرجاً متنزهاً. وله في وصف مؤتمر باريس سنة 1900 مقال بارع بديع، كان ينشر منجماً في مصباح الشرق وطاف كذلك بالبلاد السورية، وزار المدينة المنورة ووصف القبر الشريف أحسن وصف وأبدعه، ونشره في جريدة المؤيد.

واستقر المويلحيان أخيراً في مصر ما يبرحانها إلا للنزهة والرياضة. وأصدر صحيفة

(مصباح الشرق). وقد مرت بك صفتها في أول مقال. ثم طواها كما ذكرت لك، واعتكف في داره لا يلى عملاً عاماً: حتى عين في سنة 1910 رئيساً لقسم الإدارة والسكرتارية في ديوان (عموم) الأوقاف، وأزيل عن هذا المنصب بعد إذ قامت الحرب العظمى، وتبدلت الحال، لأسباب لا يحتمل ذكرها هذا المقال. فعاد إلى اعتكافه لا يتدلى إلى البلد إلا في قضاء حاجة، أو مساهرة من يستطيب مجالستهم من الصحاب، وظل كذلك إلى الشكاة التي مات فيها، عليه رحمة الله. وكانت وفاته في يوم 10 مارس سنة 1930.

أخلاق المويلحي وعاداته:

قبل أن أطرق هذا الباب من مسيرة الرجل يحسن بي أن أقرر أنه لم يكن على حظ من نطاقة اللسان؛ بل لقد كان يعتريه في بعض الحديث ما يشبه الحبسة؛ بل لقد تتعثر الكلمة في حلقه فلا يستطيع أن يلفظها إلا بمط عنقه، كأنما يمرئ لها مجرى الصوت.

ومن أهم ما يلفت النظر في خلاله أنه كان أقل خلق الله تأثراً بما يغمر المرء من متعارف الناس ومصطلحهم في عاداتهم وتقاليدهم وسائر أسبابهم؛ بل لقد كان له نظره الخاص في الأشياء، وكان له حكمه الخاص عليها، وهو إنما يأخذ نفسه بما يصح عنده من هذه الأحكام، لا يبالي أحداً، ولا يتأثر، كما قلت، بأثر خارجي، ولو كان مما انعقد عليه إجماع الناس، وإذا كنت قد نعته (بالفيلسوف) فإنما أعنى هذه الصفة فيه. فإنني لم أكد أرى رجلاً لاءم كل الملاءمة بين رأيه في أسباب الحياة، وشدة تحريه أخذ النفس بأحكام هذا الرأي، كما بان لي من خلة هذا الرجل بحكم ملابستي له السنين الطوال.

ولقد كانت له آراء في كثير من الأشياء لقد تبدو غربيةً حتى يظن أن في طريقة تفكيره شيئاً من الشذوذ والانحراف. وما أُحيلُ هذا إلا على أنه لا يخف لمطاوعة الناس في كل ما يستوي من الإدراك للناس!

ثم لقد كان رجلاً يرجح عقله ذكاءه. وإنه ليحتاج في تفهُّم دقائق المعاني إلى شيء من المطاولة والتدبير. على أنها بعد هذا تتسق لذهنه مدركة ناضجة، لا كما تخطر لحداد الذكاء (خطرة البرق بدا ثم اضمحل)!

كذلك كان مما يلفت النظر في شأن المويلحي أنه شديد الإستيحاش من الناس، فلا تراه يستريح بالحديث إلى من لا يعرف منهم ولم يألف، ولقد يكون في مجلس يجمع الصفوة من خلانه، ومعهم رجل لا يعرفه، فإذا هو يفتر وينقبض حتى يكاد (وحش في المجلس). وعلى هذا لقد كان يكره، بالطبع، الدخول في زحمة الناس، والترائي للجماهير، وما إلى هذا من مقتضيات الظهور. ومن أجل صفات هذا الرجل حدة العزم، وقوة الصبر، وشدة الحمل على النفس. فما إن رأيته يوماً شاكياً ولا مظهراً للبرم بالحياة مهما كرثه تصرف الحياة. ولقد يكثر المال في يده فيبسطها، إلى ما يقرب من السرف في النفقة في حاجاته، وإصابة ما يحلو له من المتسع واللذائذ. ولقد يرق المال في يده، فيلزم داره الشهرين والثلاثة لا يبرحها أبداً، متجملاً في عامة شأنه بما عنده مهما يبلغ من القلة، لا يسأل أحداً عوناً ولا يطالع الصديق بحاجة.

كذلك كان من أجل صفاته الصدق في القول، ولقد عاشرته ما عاشرته، فما أذكر والذي نفسي بيده، أنني أحصيت عليه كذبة واحدة قط، ولا من ذلك النوع الذي يتورط فيه المرء في مصانعة الناس ومجاملتهم، فان ألحت التقاليد عليه في شيء من هذا سكت أو ورّى.

ولقد أذكر أنه قابل ولي الأمر الأسبق في يوم من أيام رمضان، فسأله أصائم أنت يا محمد بك؟ فأجاب من فوره (والله ما أكذبش عليك يا أفندينا)! فضحك ملء شدقيه من هذا الجواب.

ثم لقد كان، رحمه الله، شديد العناية بالنظافة في جميع ملابساته، متأنقاً عظيم التأنق في كل شيء، يحب الزهر ويكلف به، ويحسن تأليفه وتصنيفه، ولا يمس إلا أزكى العطر وأغلاه وكان شديد الاحتفال للطعام، مبالغاً في التأنق فيه. ولربما طالع طاهيه المرات العديدة في مطبخه، يتقدم إليه بأن يفعل بهذا اللون كذا وكذا، ويصنع بتلك الصفحة كيت وكيت، وهو بهذا حق خبير. فإذا قُرِّب إليه طعامه اجتمع له اجتماع شهوانٍ يلتذ به أيَّما التذاذ. على أنه مع هذا كان حسن الأكل، يلتزم في تناوله ومضغه وإزلاقه أعلى الآداب.

وكان رجلاً طباً، كأن طول تمرينه في النقد الكتابي قد طبعه على النقد في كل شيء، وأنضج ملكته فيه، فلا تراه يتخذ شيئاً في أي سبب من أسبابه إلا إذا فحص ونقد تخيّر، فما يكاد يخدع على أمر أبداً!

وهو، بعد، يحب النكتة البارعة ويحتفل لها. على أنه إذا وصل المجلس بينه وبين أصحابه ممن حذقوا هذا الفن ويرعوا فيه من أمثال المرحومين السيد محمد البابلي، ومحمد بك رشاد، ومحمد بك رأفت، لم يكن في الغالب هو المنشئ للنكتة والمبتكر لها. ولكنها ما تكاد تسقط من فم غيره حتى يتولاّها بالتخريج والمط والتوليد والتلوين؛ فما ينتهي أحد في ذاك منتهاه.

ومهما يكن من شيء فان هذا الرجل كان من أوسع الناس علماً بطباع المصريين وأخلاقهم وعاداتهم ومداخل أمورهم، على اختلاف طبقاتهم وتفاوت مراتبهم. فإذا تحدث في هذا الباب فحديث المتمكن الخبير. ومما ينبغي أن يذكر له، ويختّم به هذا الحديث، أنه رجل لم يجد الإلحاد ولا الزيغ إلى قلبه السبيل؛ بل لقد كان مؤمناً شديد الإيمان بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر، والحمد لله رب العالمين. فان رأيت منه شيئاً من الانحراف في تخريج مسألة جزئية من مسائل الدين، فأحِل الأمر على مجرد الخطأ في الاجتهاد والتأويل. رحمه الله واسعة، وغفر لنا وله، وأحسن جزائه في دار الجزاء.

عبد العزيز البشري