مجلة الرسالة/العدد 747/أمي

مجلة الرسالة/العدد 747/أمي

ملاحظات: بتاريخ: 27 - 10 - 1947


ُمي

للأستاذ فريد عين شوكة

لا تلمني على بكائي وغمي ... أيُّ صبرٍ يُعين في فقد أمي

أي كنز فقدته في نواها ... أي خُسر أصابني، أيُّ غُرم

أين مني حنانها يُسعد الرو ... ح، وينفي عن خاطري كل هم؟

أين مني داؤها بركاتٍ ... تتوالى من السماء، وتهْمي؟

أين مني سؤالها عن طعامي ... وشرابي، وعن قيامي ونومي؟

أين مني حنينها للقائها ... إن تغيبتُ ساعةً دون عِلمِ؟

أين مني وداعها في رحيلي ... بالأماني التي تجدد عزمي؟

أين مني لقاؤها في إيابي ... بالتهاليل، حين أهتف باسمي؟

وهي تسعى إليَّ دون اقتدار ... بمحيّا كأنه بدرُ تِمِّ!

وعيونٍ تألّقَ البشر فيها ... كائتلاق السَّنَى بأسطع نجم

وفَمٍ ينظم التهانيَ حمداً ... أنني عُدتُ في أمانٍ وسَلْم

وتمدُّ اليمين منها فأُطفي ... حرَّ قلبي المشوق في فيض لثمي

ذكرياتٌ في خاطري تتهادى ... كحبيب الرُّؤى بأروع حُلم!

أين مني صدق الفداء، إذا ما ... مسني في الحياة أيسرُ سُقم؟

تسهر الليلَ وهي حوليَ ولهى ... تذرِف الدمع في خفاء وكتم!

فإذا ما انتبهتُ فهي تُلاقيـ ... ني بوجهٍ مستبشرٍ غيرِ جهم

وتروي جوانحي بأمانيَّ ... عذابٍ، تنفي ظنوني ووهمي

وتصومُ النهار عن كل زادٍ ... غيرَ ما يمسك الذِّماء ويَحمي

ومُناها لو أنها تفتديني ... بالذي يبتغي الفداء وترمي!

أين مني نفسٌ أسرُّ إليها ... فرحتي، أو شكايتي من مُلِمِّ؟

فترى السعد في هنائي، وترجو ... ليَ في النُّعْمَيات أوفر قسم

أو تسرِّي عني الهمومَ، فأرضى ... بالذي كان من قضاء وحكم

ثم تمضي الأحداث، والسر خافٍ ... فكأني ألقيتُه في خِضَمِّ هيهِ يا أخوتي. . . ونحن جميعاً ... في أسىً لافح اللَّظى مُدلَهِمِّ

كلُّنا في فجيعة الأم يطوي ... جانبيه على سهامٍ وكلْم!

كلنا مُترعٌ بما غمرته ... من رضاء ومن هناء وغنم

لم يكن بيننا أثيرٌ، ولكن ... متساوون في الحنان الأعمِّ

وإذا آثرَتْ شقيقاً بعطفٍ ... فلسقم، أو غربةٍ، أو عُدمِ

نظمَتْنا عِقداً، وكانت له الخيـ ... ط، فلم يبدُ مرةً دون نَظم

لا يرانا الزمان إلا أحبَّا ... َء، تلاقوا على ولاء ورُحم

شركاءً في السعد والبؤس، أعوا ... ناً على العيش في نضال وحزم

كشديد البنيان كنا، وكانت ... أمُّنا للبناء أثبتَ دعم

نبتغي عندها الرضاء، ونحيا ... طوْع إرشادَها على غير رغم

يا إلهي! هوَتْ دعامتنا الكبـ ... رى، فهل نستقر من غير هدم؟

يا إلهي! ندَّ القِراب عن السيـ ... ف، فكيف احتماله دون ثَلْم؟

يا ذوي قربتي! عزاءً جميلاً ... في مصاب دهى الظهور بقصم

قد حُرمتم نفساً أبرَّ وأحنى ... من شقيق لكم وخالٍ وعم

كم أتيتم رحابها، فلقيتم ... كرماً لا يزال كالبحر يَطمي

وحناناً من عندها وزكاةً ... في خفاء وفي حياء وبسم

وتبثُّون ما بكم. . . فتلاقو ... نَ لديها عوْناً على كل ظلم

ويحَ للجارة الوفية! تبكي ... كلما أقبلت فلم تلقَ أمي!

فقدتْ بعدها الوداد المصفّى ... والغياث المرجوَّ في كل أزْم

والفؤاد العَطوف يحنو ويأسو ... إن رماها كفُّ الزمان بسهم

واللسانَ العفيف لا يلفظ السو ... َء، ولا يتطيل يوماً بِشتم!

والحديث اللطيف يقطر كالشهـ ... دِ، بريئاً من اغتياب وذمِّ!

يالها من فجيعة رزأتها ... في سجايا عظيمةٍ أيَّ عُظم!

أيها الحزن! لا عدمتُك حتى ... تسحق النار في أتونِك عظمي!

أيها الدمع! لا هجرتك حتى ... يستوي في جوار أمي جسمي! لا أُطيقُ الحياة بعد نواها ... آهِ، يا ليت يومها كان يومي

يا عوادي الرَّدى فقدتُ رجائي ... فهلمِّي خذي الحياة. . . هلمي!

(منوف) فريد عين شوكة