مجلة الرسالة/العدد 760/ذكرى الجهاد الوطني

مجلة الرسالة/العدد 760/ذكرى الجهاد الوطني

ملاحظات: بتاريخ: 26 - 01 - 1948



للأستاذ عبد الكريم غلاب

تستقبل مراكش ذكرى جهادها الوطني وهي أشد ما تكون حماسة وأقوى ما تكون إيماناً بعدالة قضيتها، وأحقيتها في أن تنال حريتها واستقلالها، كاملا ناجزاً، غير مشروط بقيود، ولا مغلل بأغلال.

وتستعرض الأمة المراكشية في هذه الذكرى السنوات الأربع التي مرت منذ أن قدمت (وثيقة الاستقلال) في 11يناير من سنة 1944 فتجدها حافلة بالكفاح المجيد من اجل حرية الوطن واستقلاله.

وتتلفت حول نفسها لترى ما قطعته من أشواط في سبيل هذا الكفاح فتجد نفسها وقد تقدمت قضيتها إلى الأمام، حتى أصبحت من القضايا العربية الهامة في المحيط العربي، والمحيط الدولي. كما أصبح مركزها في داخل البلاد أقوى من أن تقف فرنسا أمامه مكتوفة اليدين، تنظر إلى نفوذها يتحطم، ثم يتقلص ثم يصبح مهدداً بالزوال بين غمضه عين وانتباهها.

أليس في ذلك كله ما يجعل مراكش تستقبل هذه الذكرى وقد تضاعف إيمانها بأن الحق سيتغلب وإن أعوزته القوة المادية؛ وسينتصر وإن تغلبت عليه قوة الشر وطغيان الرجعية الاستعمارية، وتجمد عقلية المسيطرين على هذه البلاد.

لقد كانت الأمة المراكشية تكافح في صمت، وتناضل في شجاعة، وسيف المعتدين مصلت فوق رؤوس الأحرار، وسياط الرجعيين تلهب ظهورهم، وأبواب السجون مفتحة في وجوههم، والمنافي السحيقة معدة لاستقبالهم، والعالم كله في غفلة عما يجري في هذه البلاد النائية من ظلم واضطهاد وقال تشريد، وأبواق المعتدين تبشر العالم بما قدموه للإنسانية وللحضارة البشرية وللديانة الإسلامية من خير وبركة، في هذا البلد الذي أسعده الحظ فوقع تحت سيطرتهم، وشملوه برعايتهم وحمايتهم.

ولكن مراكش الحية المكافحة تحدت كل هذه القوى - والحرب مشتعلة الأوار - وأعلنت عن مطالبتها بالاستقلال التام، واتحدت كلمة أبنائها حول هذه الغاية. فكانت الدهشة التي غمرت الفرنسيين، وكان الانتقام الذي دفعتهم إليه جراحهم الدامية التي سببتها الهزيمة المنكرة. وكانت مدافعهم وعتادهم الحربي وجيوشهم - البيض منهم والسود - في خدمة الطغيان المنتقم، وكانت المجازر البشرية الكبرى التي شهدتها فاس وسلا والرباط وغيرها من المدن والقرى المراكشية.

ولكن ذلك كله لم يكن غير وقود ألهب عزيمة المراكشيين وقوى إيمانهم. وكانت محنة امتحن بها صبر هذه الأمة المجاهدة المكافحة فاجتازت الامتحان وخرجت منه وهي اصلب عوداً وأقوى شكيمة وأشد مراساً.

ولم تكن المحنة التي ابتليت بها الأمة المراكشية محنة الشعب وحده، ولكن جلالة ملكها الشاب كان أول من خفق قلبه لما يبيته الفرنسيون لشعبه؛ فأعلن تأييده لوثيقة الاستقلال، ووقف مع أمته يكافح لتحقيق الحرية والاستقلال، ويتزعم الحركة بنفسه، فيدفع عنها الأذى، ويلتف الشعب من حوله فيعلن رئيسه الأعلى إرادة أمته في شجاعة وعزم وإيمان، على رغم ما تعرض له جلالته من تهديد، وما حف حول العرش العلوي من أخطار. ولكنه الإيمان - الذي امتلأ به قلبه الكبير - بحق بلاده في الحياة الحرة الكريمة دفع به إلى الميدان، حيث واصل جلالته الكفاح إلى أن زار مدينة (طنجة) لا ليؤكد وحدة مراكش فحسب، ولا ليتصل بشعبه في شمال البلاد فقط؛ ولكن ليعلن للعالم كله أيضاً أن مراكش تريد أن تستقل، وأنها بلاد عربية مسلمة ستربط مصيرها بالبلاد العربية في الشرق، وستعمل جاهدة على أن تنال حريتها وتحافظ على استقلالها. وبذلك تزعم المليك المحبوب الفكرة الاستقلالية. ويكفي أن يتزعم المليك الحركة لنضمن لها وسائل النجاح ولتسير على هدى وبصيرة إلى الغاية المقصودة.

وهكذا كانت الأمة المراكشية بزعامة ملكها تطلب شيئاً واحداً، وتسعى لغاية واحدة، هي الاستقلال التام الناجز.

واليوم ومراكش تحيى ذكرى جهادها، وتستعيد مراحل هذا الجهاد أثناء السنين الماضية، لتبتهج بما آلت إليه القضية المراكشية بعد هذا الكفاح الصادق الذي يقوم به أبناؤها المخلصون داخل البلاد وخارجها، تحت راية الوطني الأول جلالة الملك محمد الخامس. فقد كان من فضل هذا الجهاد أن آمن الشعب المراكشي بأن حياته لن تستقيم ما دام الأجنبي يسيطر على موارد هذه الحياة، ويخنق فيها الحيوية المتدفقة، ويميت فيها الشعور الحي. وكان من ذلك أن جند الشعب نفسه لمكافحة هذا الطغيان الأجنبي الذي يتشبث بأذيال مراكش تشبث الحريص ولمناهضة وسائله التي يتخذها حتى فشلت كلها؛ برغم تغيير المشرفين عليها، وبرغم الخطط التي اتبعها هؤلاء المشرفون وما أحاطوا به مشروعاتهم من ضمانات النجاح. ولأول مرة في مراكش شعر الفرنسيون بأنهم في حاجة إلى أساليب جديدة لمواجهة الشعور الوطني ولمقاومة الفكرة الاستقلالية التي تمكنت من قلوب الشعب، فأصبحت خطراً على كيانهم ووجودهم في مراكش. ومن ثم بدأ المقيم العام يفكر في تغيير معاهدة الحماية لا لتتخلص منها البلاد، ولكن ليستطيع أن يحكم وهو في حل من أية معاهدة تقيده، ومن أية سلطة تعطيها هذه المعاهدة للملك، وذلك هو الذي أوحى إليه بفكرة (فترة الانتقال) الذي وضع مشروعه الجديد على أساسها. وهكذا يحلم المقيم أن يحكم مراكش وقد تخلص من القيود التي تتمثل في سلطة الملك العليا. ولكن الشعور القومي في البلاد قد تنبه إلى هذه الألاعيب وأعلن (حزب الاستقلال) على لسان الشعب أن (لا مفاوضة إلا بعد إعلان الاستقلال) وبذلك سقط المشروع الجديد الذي أراد المقيم الفرنسي أن يحكم البلاد على أساسه. وكانت الضربة القاضية التي ذهبت بالمشروع وأصحابه مذكرة جلالة الملك إلى رئيس الجمهورية الفرنسية التي أذيع خبرها أخيراً، وارتجت لها الدوائر الفرنسية؛ فقد شعر جلالة الملك بأن المقيم يريد أن يلعب لعبة يقضي بها على ما بقي لمراكش من كيان، فأرسل جلالته مذكرته هذه يحتج على تصرفات المقيم ويؤكد مطالبته باستقلال بلاده. وهكذا تنهار السياسة الفرنسية في مراكش أمام عزم المليك، ويقظة الشعب؛ وحرص الأمة على استقلالها التام الناجز.

وكان من فضل هذا الجهاد الوطني أيضاً أن أصبحت قضية مراكش قضية البلاد العربية كلها، وأصبح لها دوي في الشرق العربي وفي أوربا وأمريكا. فقد كان الاستعمار من قبل يقوم باعتداءاته الصارخة دون أن يسمع لهذه البلاد صوت، ودون أن يتردد صدى أنينها في خارج البلاد، وذلك بفضل النطاق الحديدي الذي ضربته فرنسا على بلاد المغرب العربي حتى تمكنت من كبت كل صوت يرتفع، والقضاء على كل حركة تحررية. ولكن الحركة الاستقلالية في المغرب العربي أخذت عدتها هذه المرة فأصبح لها مكاتب عدة في الشرق العربي وفي أوربا وأمريكا. وقامت هذه المكاتب بفضح أعمال الاستعمار الفرنسي، فأصبح صوتها مدوياً في البلاد العربية، وربطت قضية مراكش بالقضايا التي تكافح الجامعة من أجلها، وأصبح صوتها أيضاً في أوربا وأمريكا مسموعاً. وبذلك استحال على الإدارة الفرنسية أن تقضي على الحركة الاستقلالية، أو أن تخلق في البلاد اتجاهاً يرمي إلى الإصلاح بدل الاستقلال، دون أن تثير عليها الأمة العربية جمعاء ودون أن يتردد صدى ذلك في العالم كله.

وكان هذا سبباً في انهيار المشروعات الاستعمارية التي طالما بيتتها الإدارة الفرنسية لبلاد المغرب العربي.

وهكذا أخذت الحركة الاستقلالية في مراكش تضرب نطاقاً من حديد على الاستعمار الفرنسي فتحطم صروحه واحداً بعد الآخر، وتعد البلاد المراكشية لتحمل أعباء الاستقلال والتحرر من طغيان الرجعية الاستعمارية.

وتحل ذكرى الجهاد الوطني اليوم والمراكشيون منهمكون في كفاحهم، يقودهم وببارك حركتهم مليكهم الذي تزعم الحركة الاستقلالية فدفع بها إلى الأمام ورسم خطتها، فأصبحت تهدف إلى غاية واحدة.

عبد الكريم غلاب