مجلة الرسالة/العدد 765/مجمع فؤاد الأول بين الأمس واليوم

مجلة الرسالة/العدد 765/مجمع فؤاد الأول بين الأمس واليوم

ملاحظات: بتاريخ: 01 - 03 - 1948



للأستاذ محمود أحمد الغمراوي

مجمع فؤاد الأول للغة العربية

حسنة من حسنات محيي النهضة العلمية والفنية، ومجدد شباب اللغة العربية، المغفور له الملك فؤاد، له من الله الرحمة والرضوان، وهو أثر من آثار أياديه الكريمة، ومأثرة من مآثره العظمى التي أسداها إلى اللغة العربية الفصحى، لغة القرآن الكريم، ومفتاح أسراره، ومشرق هدايته، ومطلع أنواره.

أراد رحمه الله بإنشاء مجمع اللغة العربية المحافظة على سلامة هذه اللغة الكريمة، وأن يكون المجمع متابة للعروبة تتجدد فيه عناصرها وتتوثق أواصرها، وأن يكون أمناً للغة الذكر الحكيم يجمع شتاتها ويحيي مواتها ويحميها من عبث العابثين، وجور المعتدين؛ ويدفع عنها طغيان العجمة ويرد عنها وثبات العامية، حتى لا تستهلكها أشتات اللهجات، ولا تذهب بفصاحتها وصباحتها الندوب والآفات، فندب إلى هذا الغرض السامي النبيل، واختار لهذا المهم الجليل، كل عالم ندب من علماء اللسان، وفرسان اللغة والبيان ممن أنجبتهم معاهد العلم: الأزهر ودار العلوم وجامع الزيتونة، ومن أنبغتهم المدارس الإسلامية ومدارس اللغات الشرقية في بلاد المشرق والمغرب.

ولقد بذل هؤلاء الأفاضل الأعلام جهداً مذكوراً، وسعوا إلى تحقيق الغرض الذي ندبوا له سعياً مشكوراً. وجعلوا منذ اللحظة الأولى يمهدون السبيل، ويقيمون فيه لمن يريد أن يسلكه النار والدليل، حتى لا يخبط في مسيره خبط العشواء، ولا يهيم في أودية الأوهام؛ فوسعوا من القواعد وأقروا أموراً تكفل مراعاتها سلامة اللغة وتحقق لها النماء والزيادة، وتيسر على أهل العلم التصرف في مفرداتها حتى تستغني بما تنسله من لفظ أصيل كريم عما يراد إلصاقه بها من كل لفظ دعي زنيم.

وقد أشار رئيس المجمع المغفور له الدكتور محمد توفيق رفعت باشا في كلمته التي ألقاها في افتتاح دور الانعقاد الثالث سنة 1937 إلى الطريقة المثلى، وأومأ إلى بعض القرارات التي اتخذها المجمع في دور انعقاده الثاني للوصول إلى تحقيق الغرض المقصود من إنشاء المجمع، وأبان في تلك الكلمة المنشورة في الجزء الثالث من مجلة المجمع طبع سنة 1937 - خطأ الذين يؤثرون الأعجمي الشائع على ما لم يتداول في الاستعمال من فصيح اللفظ العربي، وفند هذا الرأي الفائل إذ يقول: وليس يذهب عنا في هذا المقام أن ننبه هؤلاء إلى أن لغتنا قد تخلفت دهراً طويلاً عن مواتاة العلوم ومسايرة كثير من أسباب الحضارة. فلو أننا آثرنا الأعجمي الدائر في كل ما يعرض لنا من هذا لأصبح الفصيح بين لغتنا أقل من القلة ولاستهلكته العجمة استهلاكاً بحيث لا يصح لنا وقتئذ أن نزعم أننا نتحدث بلسان العرب، وذلك هو البلاء العظيم. . . ومما ينبغي ألا يسقط من الحساب أنه لو ساغ لكل أمة أن تعدل عن اتخاذ الفصيح من لغتها لمثل تلكم الأسباب إلى الشائع على ألسنة أبنائها من المحرف والدخيل لاختلفت لغات الأمم العربية وما اجتمعت على هذه اللغة الكريمة، وهذا في الوقت الذي يدعو فيه المصلحون الصادقون إلى توحيد الثقافة في العالم العربي بأسره بحيث إذا استقلت كل أمة بأرض وطنها فإن العربية تظل لها جميعها الوطن العام على تطاول الأزمان.

وفي كلمة العلامة المستشرق (الأستاذ جب) عضو المجمع - وصف للعلاج الناجع الذي يتوقف عليه نجاح المجمع في تأدية وظيفته نحو العالم العربي حيث يقول. وإن تجاربنا في سنتي الطفولة (يقصد تجارب المجمع في السنتين اللتين مرتا عليه منذ أنشئ) - قد برهنت على أن نجاح المجمع في تأدية وظيفته نحو العالم العربي يتوقف على استعدادنا لسلوك طريق طويل المدى دارس العالم - طريق الاكتشاف والتوسع وهو طريق لا يسلك إلا بشيء من الجرأة، ولا يسلم من الضلالة فيه إلا من استعد له بكامل العدد.

ويقول: ولن يتحقق صعوبة وظيفة المجمع في القرن بين تيار الجديد وتراث القديم إلا من جربها، فويل للغة مصادرها ومعجماتها دون الشعور الحي للناطقين بها. وويل أيضاً للغة ينطق ويكتب الناطقون بها طوع أهوائهم ويضربون بمعجماتها عرض الأفق.

فإذا كانت التجارب قد دلت على أن نجاح المجمع في تأدية وظيفته نحو العالم العربي متوقف (كما يقول الأستاذ جب) على الاستعداد بكامل العدد لسلوك طريق الاكتشاف والتوسع في اللغة حتى يأمن سالكو هذا الطريق من التردي والضلالة فيه، وإذا كان من أهم هذه العدد العلم بقواعد اللغة نحوها وتصريف كلماتها ومعرفة أحوال تراكيبها وتذوق أساليبها ومعاني النظم فيها، والإحساس بما بين نظم ونظم من فرق وتفاوت في الحسن والجمال والصحة والاعتلال - فهل فكر أولئك الكرام البررة الذين عناهم أمر هذه اللغة الكريمة في إعداد الوسائل التي تكفل حياتها وإن تبقى سليمة نامية، وهل أخذوا لهذا الأمر أهبته، وأعدوا له عدته؟

لقد أنبأنا الأستاذ الجليل محمد كرد علي بك في كلمته التي ألقاها في افتتاح انعقاد المجمع في ذلك الدور أن مجمع اللغة العربية يسير في أوضاعه على النهج الذي سنه الملك الأعظم (المغفور له) الملك فؤاد، وأنه (أعلى الله في الجنة منزلته) تفضل فأطلع عليه الأستاذ حين شرفه بالمثول بين يديه من نحو عشر سنين خلت قبل إنشائه مجمع اللغة. والمتتبع لسير النهضة العلمية في ذلك الوقت يجد أن ذلك التاريخ يوافق الوقت الذي كان فيه جلالة الملك الراحل يفكر في التوحيد بين المعاهد التي تقوم بتعليم اللغة العربية والشريعة الإسلامية في مصر ليكون من هذه المعاهد مجموعة مؤتلفة موحدة النظام والغاية مندمجة في الأزهر، يتخرج منها الفقهاء المشرعون والعلماء الراسخون في علوم الشريعة واللغة ليجددوا ما اخلولق من آثارهما ويحيوا ما عفا من رسومهما وليكون من هؤلاء العلماء المختصين باللغة والشريعة مدى يغذي مجمع اللغة العربية وما ينشأ على غراره من مجامع الفقه والتشريع الإسلامي لا الروماني والفرنسي، وفي سبيل تحقيق هذا الغرض الجليل ألغيت مدرسة القضاء الشرعي وبدئ في إلغاء دار العلوم، واستبدل بها نظام الكليات وأقسام التخصص في الأزهر. فترى أن مجمع فؤاد كان جزءاً متمماً لذلك المشروع الجليل الذي اختط فؤاد العظيم خطته وأراد منه إحياء اللغة العربية لغة القرآن الفصحى وأن يبعث الاجتهاد في الفقه الإسلامي من مرقده لتتوثق باللغة روابط الوحدة بين الشعوب العربية، وتسهل مشارع الشريعة فيتيسر ورودها، ويصفو وردها لجميع الأمم الإسلامية.

ذلكم هو المشروع الذي ابتكره فؤاد الملك العظيم، وأبرزته عزيمته القوية الجبارة من عالم الخيال إلى عالم الحقيقة، لإحياء اللغة العربية والشريعة الإسلامية معاً؛ فماذا كان حظ هذه المؤسسات العلمية والعالمية من الحياة، وماذا كان نصيبها من البقاء؟

فأما أقسام التخصص فقد غلقت أبوابها، إذ لم يقصدها للعلم بل لأكل العيش طلابها. وأما كليات الأزهر فقد أمست مسارح شحناء، ومسابح دماء، يسعى طلابها بالفساد ليجعلوها مثل دار العلوم مدرسة لتخريج معلمين، لا لتكوين رجال عالمين! ومجمع فؤاد اللغوي - وقد عرفت مكانه من المشروع العظيم - هل تراه اليوم على العهد الذي كان عليه بالأمس مجمع فؤاد للغة العربية، وهل تحسبه آخذاً بأخذه، أو متبعاً سننه الذي سنه له منشئه، أو سائراً على النهج الذي قرر رجال مجمع اللغة العربية بالأمس أنه هو النهج الأقوم الموصل إلى الغاية المنشودة من إنشاء المجمع؟

إن الذين سمعوا كلمة معالي وزير المعارف التي ألقاها في مؤتمر المجمع في دور انعقاده الحاضر في أولى جلساته في الشهر المنصرم، يرون فيها خرجاً على إجماع المجمع بالأمس، وإهداراً للقواعد السليمة التي أقرها، وتوجيهاً للمجمع في غير الوجهة التي أنشئ من أجلها، وجواربه عن سواء السبيل الذي يقول العلماء الخبيرون إنه يجب على من يريد للغة العربية الحياة والبقاء والبركة والنماء أن يسلكه.

فمعالي الوزير يدعو المجمع دعوة صريحة بل إنه ليأمره بألا يقف في طريقه إلى تحقيق مهمته عند اللغة الرسمية (اللغة العربية الصحيحة) وأن يتجاوزها إلى اللغة الواقعية البعيدة عن صحيح اللغة (وهي اللغة العامية) وأن يتقبل كل كلمة ترد إليه هجينة أو أعجمية؛ ولئن كانت كلمة المجمع بالأمس على أن العدول عن اتخاذ الفصيح من اللغة إلى الشائع على الألسنة من المحرف والدخيل يستهلك الفصيح من اللغة، ويؤدي إلى اختلاف لغات الأمم العربية وتفرقها عن لغتها الكريمة - فإن كلمة وزير المعارف اليوم على النقيض من كلمة المجمع بالأمس؛ فمعاليه يفتح الباب على مصراعيه للمحرف والدخيل، ويطلب إلى المجمع أن يسجل على لغة العرب كل ما يرد عليه من الكلمات المحرفة، وأن يحمل عليها كل ما يصل إليه على ألسنة العامة من الألفاظ الأعجمية والدخيلة؛ فقد أصبحت مهمة المجمع إذن سهلة يسيرة وأمسى عمل المجمع في نظر معالي الوزير هو الإثبات والتسجيل، وليس له في الابتداع أو الخلق والتقدير.

لقد هانت إذن مهمة المجمع، وتبخرت في الهواء تجارب المجربين، وضرب بعرض الأفق كلام الخبراء العالمين، وأمنا ما خوفنا الأستاذ جب من ضلالة الطريق ووعورته، فما بنا بعد اليوم من حاجة في سلوكه إلى استعداد له بعدة أو اتخاذ دليل أو اصطحاب رفيق. يقول معالي الوزير: إن باب الاجتهاد في اللغة العربية مفتوح فعلاً فهو ليس منتظراً أحداً حتى يفتحه. فليت شعري من هم هؤلاء المجتهدون الذي يقول معاليه أن باب الاجتهاد قد فتح فعلاً لهم؟ أهم أولئك العلماء الذين استعدوا بكامل العدد ليأمنوا من الضلالة في طريق الاكتشاف والتوسع في اللغة، وأولئك الكتاب والناطقون باللغة، الذين يلتزمون قوانين اللغة وقواعدها ويرجعون إلى معجماتها فيما يكتبون وينطقون كما يشترط الأستاذ جب؟ أم هم هؤلاء الذين ينطقون ويكتبون طوع أهوائهم ولا يستطيعون تقديم ألسنتهم، والذين أنذر الأستاذ اللغة شرهم وتوعدها بالهلاك والويل منهم؟

يقول معالي الوزير إننا لا نستطيع أن ننكر على أي جيل حقه في أن يساهم في صنع لغته وفي أن يبتدع من الألفاظ ما يفي حاجته ويتمشى مع حضارته

فالمجتهدون في اللغة إذا في عرف وزير المعارف - هم أولئك الذين يتقبلون كل ما يفد عليهم من دخيل اللفظ، وتلوك ألسنتهم كل ما يسهل عليها من عابر القول من غير معيار ولا قاعدة.

هؤلاء هم المجتهدون في اللغة العارفون، وهؤلاء هم صنعة اللغة الحاذقون، ومبتكرو ألفاظها ونظمها والمبتدعون، وما يصدر عن هؤلاء من عابر القول، وما يتقبلونه مما يفد عليهم من متشرد الألفاظ الأعجمية فهو اللغة الفصحى التي اجتمعت عليها الأمة، والتي يجب على المجمع القائم أن يرصدها في سجلاته ويسجلها في اجتماعاته لحساب اللغة الجديدة الإقليمية، التي يراد إحلالها محل اللغة العربية، وتسجيتها ببردها وتسميتها بإسمها.

لقد اتضحت إذاً مهمة المجمع وعرف أن مهمته المطلوبة في عهده الجديد هي أن يسجل في دفاتره ما يرد إليه من بضاعة مزجاة من الألفاظ الأعجمية، ويضيفها لحساب اللغة الجديدة الإقليمية الدهماوية التي يراد بها إبعاد الأمة المصرية وإبعاد العرب عن لغتهم العربية التي هي رباط وحدتهم، ومنتدى جماعتهم.

ومهمة أخرى على المجمع أن يقوم بها، وهي كما وصفها معالي الوزير مهمة شاقة عسيرة، تلك المهمة هي أن ينصب المجمع للمولود الجديد الأنصاب ويتلمس له العلل والأسباب التي تصله بأسباب الوجود، وتكفل (لا قدر الله) له الحياة والخلود.

منذ أمد غير بعيد نشرت جريدة الأهرام نبذة لمراسلها الخاص بلندن اقتبسها من الفصل الافتتاحي الذي عقدته جريدة المانشستر جارديان عن إصلاح النحو في مصر، تضمنت هذه النبذة أن أدباء مصر يتوفرون على إصلاح النحو العربي. وقالت (بلغة المستعمرين الذين يسمون الأشياء بأسماء أضدادها فيسمون الإفساد إصلاحاً واستعباد الأمم حرية)! قالت: إن هذا الإصلاح قد يكون بين ضروب الرقي العديدة (التي تمت منذ ولي الملك فاروق العرش) - أبعدها أثراً على الإطلاق. وقالت: إن من العوائق العظيمة لنشر العلم ومن ثم لتحقيق التقدم الاجتماعي في شتى النواحي هو الاختلاف الكبير بين العربية الفصحى واللغة العامية مما جعل ملايين من الناطقين بالضاد لا يستطيعون فهم اللغة الفصحى فضلاً عن قراءتها وكتابتها.

فاللغة العربية في نظر المانشستر جارديان، ومن ينفخ في بوقها من دعاة الاستعمار هي سبب انحطاط العرب وتأخرهم في العلم وفي التقدم الاجتماعي في شتى النواحي. وهذا الذي تذيعه هذه الجريدة وغيرها من جرائد الاستعمار هو ما يتقوله عداة اللغة العربية ودعاة العنصرية في مصر على هذه اللغة الكريمة من المثالب والأكاذيب ليكرهوها إلى أهلها فهم يقبحون منها كل ما حسن، حتى ليودون أن يستبدلوا بحروفها الرشيقة الجميلة حروفاً أفعوية لاتينية ليقيموا بذلك حداً منيعاً يحولون به بين الأجيال المقبلة من أبناء الأمم الإسلامية وبين تراث أسلافهم العلمي، وليقطعوا الصلة بينهم وبين كتاب الله الكريم فلا يهتدوا بنوره ولا يقتدوا بهداه.

فهل ما ينادي به معالي وزير المعارف في دار المجمع وما يدعو إليه من تجاوز اللغة العربية إلى اللغة الإقليمية العامية، وما يردده دعاة السوء من وجوب أقلمة اللغة وتمصيرها، وتبسيط قواعدها وتلتين حروفها هو الذي تعنيه جريدة المانشستر من إصلاح النحو في مصر؟

وهل هذا هو الغرض من إنشاء مجمع فؤاد للغة العربية؟

قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا ... ثم القفول فقد جئنا خراسانا

محمود أحمد الغمراوي

من علماء الأزهر

شيخ معهدي دسوقي والزقازيق سابقاً