مجلة الرسالة/العدد 783/الأدب والفن في أسبوع

مجلة الرسالة/العدد 783/الأدب والفن في أسبوع

ملاحظات: بتاريخ: 05 - 07 - 1948



الملك الأديب

كانت زيارة جلالة الملك فاروق في الأسبوع الماضي - مظهراً رائعاً من مظاهر الاخوة العربية، وقد تحدثت الصحف عن الملك عبد الله حديثاً ندياً تضمن كثيراً من شمائله وسجاياه. ومما يجعل أن يذكر هنا عن جلالته، رعايته للنهضة الأدبية في شرق الأردن، ومشاركته الفعلية فيها، فهو أدب ممتاز يطرب للأدب الرفيع، ويروي الشعر ويقوله، ويكتب بأسلوب بليغ، ولا يكاد مجلسه يخلو من الأدباء والشعراء، يطارحهم الشعر ويناقلهم حديث الأدب، وقد ولى كثيراً من الأدباء أهم المناصب في الحكومة.

وجلالته يعطف على الشعراء الشاب الذين عبروا بالشعر في بلاد شرق الأردن الشقيقة إلى مجال المذاهب الحديثة وأوجدوا هناك نهضة أدبية مرموقة.

والجيل الأردني الجديد يتابع النهضة الحركة الأدبية في مصر ويقبل إلى قراءة الصحف المصرية، ولا سيما المجالات الأدبية.

التعبير الحماسي والأناشيد:

يقول (البسام) في كتاب منه: (قرأت ما كتبته عن أنشودة فلسطين التي غناها عبد الوهاب والتي سميتها أنشودة ناعمة أتريد أن يقوى حنجرته ويعلى صوته كما يصنع البكار؟!)

لا، أيها البسام. أن التعبير الحماسي القوي إنما يكون في التاليف، أو التلحين، أو الإلقاء. ما يتكلم الرجل الذي يملك أعصابه ويضبط نفسه، بنبرات هادئة قوية معبرة عن باسه وسطوته، وهو غير اللين المائع، وغير الصاخب الصارخ. وأنا لم اسمع إلى الآن من الإذاعة المصرية نشيداً حماسياً، تتبعي وكثرة ما تذيع من الأناشيد، وعلى رغم الحوافز الحاضرة، وإنما قسم منها الناعم والمائع، أو الصراخ الذي يقلق النائمين ويزعج الآمنين، واكثر ما تقدم من النوع الأخير، ومثله هذه البرامج المأخوذة من التاريخ الإسلامي والتي يراد فيها أن يؤدى الحماس بالجلبة والأصوات المنكرة. ولن تؤدى هذه الأصوات ولا تلك الأناشيد الصارخة إلا إلى تصديع الرؤوس وإقلاق الراحة.

وقد قرأت في بعض الصحف شكايات مؤلفين وملحنين معروفين في الإذاعة المصرية لأنها لا تقبل إنتاجهم، ومنهم: بيرم التونسي وزكريا احمد، إذ ألف الأول نشيداً، ولحنه الث وأخذته إذاعة القدس بعد أن أعرضت عنه الإذاعة المصرية. ونحن نستمع في الإذاعات العربية الأخرى أناشيد قوية لا نسمع منها من الإذاعة المصرية، وكثير من هذه الأناشيد من إنتاج مصريين.

الآفة هي - كما قلت في الأسبوع الماضي - في النطاق المضروب حول الإذاعة من المتصلين بموظفيها، فأنت تسمع أن النشيد أو البرنامج من تأليف فلان أو إخراج فلان، ولا يتغير هذا الفلان ولا يجدد شيئاً يحسن به علاقته بالمستمعين!

أهي سودنه أم جلنزة:

من أبناء السودان أن الحاكم العام أعلن الدستور السوداني الذي أراده الإنجليز، وتنص المادة (45) من هذا الدستور على أن (تكون الإجراءات في الجمعية ا (التشريعية) اللغة العربية ولكن بدون إخلال بما تدعو أليه حالة استعمال اللغة الإنجليزية متى كان ذلك)

وما دام الإنجليز هناك، فستكون اللغة العربية مخلة دائماً (بما تدعو أليه حالة استعمال اللغة الإنجليزية، وليس هذا جديداً، فالإنجليزية هي لغة التعلم في المدارس السودانية فيما عدى تعليم اللغة العربية، وهي لغة الحكومة السودانية في دواوينها ومكاتباتها وكل أعمالها، وذلك لان اللغة العربية تخل بحالة استعمال. الخ.

وهم يقولون انهم يقصدون السودنة من هذه الإجراءات. والسودان بلاد عربية لغتها العربية فهل من السودنة أن تهمل لغة السودان القومية. أو هي (جلنزة)؟.

ولك أن تقيس على ذلك سائر مشروعات السودنة.

من طرف المجالس:

كان موضوع الحديث هو مقال (أدباء معاصرون أرشحهم للخلود) لمعالي الأستاذ إبراهيم دسوقي أباظة باشا، وكان اكثر من بالمجلس من الأدباء الذين لم يذكرهم معاليه مه من رشحهم للخلود، وكان بعضهم ممن ذكروا ولم يرضهم الترتيب. وبدأ الحديث بالاحتجاج والتساؤل عن بعض الأسماء التي وردت في المقال، وذكر أسماء لم ترد فيه وكانت حرية بتقدير الباشا، ولكن سرعان ما انقلب الحديث إلى مجرى فكاهي سرت فيه روح الدعابة والمرح، عندما قال أحدهم: لا عليكم. أن هذا (الكدر) لا بد أن يليه (تنسيق)

واستمرت المناقشة على هذا النحو أو على هذه (القافية) فمن قال انه من (المنسيين) وقال انه أحق من فلان (بالأقدمية) وقال ناشئ انه وان كان لا يطمع في التنسيق، ينتظر دوره في (تنميق التنسيق) وقال من يرضه أن يذكر مؤخراً: انه وان كان قد شمله حسن تقدير الباشا إلا انه يريد تصحيح الوضع حتى لا يتكرر في (الحركة) التالية تقديم من هو احدث عليه.

واستقر الرأي اخسراً على مطالبة معالي الأستاذ إبراهيم دسوقي أباظة باشا بإصدار تنسيق الأدباء فانهم يعرضون القضية على (مجلس الدولة) مع تكليف (العباس) بان يبلغ معاليه هذا القرار على جناح الرسالة.

صرخة في واد:

أصدرت لجنة البيان العربي ديوان الأستاذ غنيم (صرخة في واد) وهو الديوان الذي فاز بجائزة الشعر الأول في مسابقة مجمع فؤاد الأول للغة العربية سنة 1947

وقد أهدى صاحب الديوان نسخة منه إلى السدة الملكية الكريمة، فتلقى من معالي رئيس ديوان جلالة الملك خطاباً يبلغه فيه شكر جلالته وتقديره السامي.

وشعر محمود غنيم يمتاز بعذوبة التعبير ووضوح الفكرة. وهو شاعر يحس إحساس الجماعة، فهو اكثر شعرائنا تناولاً المسائل القومية وتصويراً لأحوال المجتمع؛ وهو يتجه إلى هذا المذهب حتى فيما يصور فيه حياته الخاصة وما يحيط به، إذ يربط ذلك بالمائل الاجتماعية العامة؛ ويمزج كل ذلك بروح شعرية محببة إلى النفوس.

لذلك لم يكون ديوان غنيم، كما سماه، صرخة في واد.

الأدب والبلاغة في المدارس الثانية:

في سنة 1945 ألف وزارة المعارف لجة لبحث وسائل ترقية اللغة العربية في المدارس الثانوية والابتدائية، والنظر في البرامج والكتب المؤلفة وتيسير قواعد النحو، وشكلت اللجنة برئاسة الأستاذ احمد أمين بك وعضوية الأساتذة الجارم بك وإبراهيم مصطفى وبعد الحميد حسن ومحمد خلف الله ومحمد علي مصطفى، وعقدة اللجنة بعد تشكيلها بعض الجلسات ثم وقفت أعمالها إلى أن تعيد تأليفها في فبراير سنة 1947 مع ضم الأستاذين منصور سليمان وزكي المهندس بك، والدكتورين عبد الوهاب عزام بك وعبد العزيز القوصي - إلى عضويتها. ووالت اللجنة عملها، ووضعت تقريراً ضمنته خلاصة أبحاثها ومقترحاتها في أغسطس الماضي. وعقد بعد ذلك المؤتمر الثقافي العربي الأول في لبنان، وكان هذا التقرير أساس مناقشات المؤتمر في مجموعها متفقة مع آراء اللجنة.

ورأت الوزارة أن تعرف آراء المشتغلين بتعليم اللغة العربية ومدرسيها الأوائل بالمدارس الثانوية ونخبة من مدرسيها، ليبدوا ملاحظاتهم عليها. وعقد رجال اللغة العربية بالوزارة مؤتمراً عاماً لهذا الغرض في فبراير الماضي، وانتهى المؤتمر إلى تأيد مقترحات اللجنة مع بعض التوصيات والرغبات التي رآها كفيلة بتنفيذ تلك المقترحات على الوجه الأكمل.

وأخيراً قدم الأستاذ إسماعيل القباني بك المستشار الفني لوزارة المعارف إلى معالي الوزير مذكرة لخص فيها محتويات التقرير ولا ملاحظات التي أبديت عليه في مؤتمر رجال اللغة العربية، كما ضمنها رأيه في تنفيذ تلك المقترحات، وقد وصف الأستاذ القباني بك ذلك التقرير بأنه ينم على جرأة في الأخذ بوسائل الإصلاح وميل إلى التجديد ولكن من غير طرفة.

وقد كانت اللجنة جريئة حقاً فنفذت إلى صميم مشكلات تعليم اللغة في المدارس، وقد خصت الأدب والبلاغة بأكبر قسط من التغيير فأدخلت على مناهجهما تعديلاً شاملاً يتناول أسسها، قالت اللجنة في تقريرها أنها (لاحظت أن دراسة الأدب تبدأ في المناهج الحالية بدراسة التاريخ دون أن يكون للتلميذ محصول كافٍ من الأدب ترتكز عليه وأنها قد شغلت مكاناً فسيحاً من مناهج الدراسة ونالت قسطاً كبيراً من جهود المعلمين والتلاميذ حتى طفت على دراسة الأدب فأصبحت الفائدة منه قليلة. الطريقة الطبيعية في الدراسة الأدبية أن تبدأ بدراسة الأدب نفسه وتجعل له الحظ الأوفر من الجهد والاهتمام) وعلى هذا الأساس وضعت اللجنة منهج الأدب في سنوات التعليم الثانوي بحيث يكون النص محوراً للدراسة، ويعتبر التاريخ على هامش الأدب.

واستعرضت اللجنة تطور النقد العربي وصلة النقد بالبلاغة، ووصلت إلى أن تدريس البلاغة بشكلها المألوف لا يحقق الهدف المقصود من هذا اللون من الدراسة وهو تربية الذوق الفني عبد التلاميذ أعانتهم إلى حسن فهم الجمال الأدبي وتذوقه وإنارة الطريق أمامهم في نواحي الخلق والإبداع الأدبي. لهذا رأت اللجنة أن تعود بالنقد إلى وظيفته الأولى وان تجعله جزءاً عملياً أصيلاً من دراسة النص، ورسمت له منهاجاً مدرجاً مرتبطاً من ناحية بمنهج النصوص ومناسباً من جهة أخرى للتطور الذهني عند التلاميذ، وجعلت اللجنة في السنتين الرابعة والخامسة مكاناً لبعض النواحي النظرية الأصيلة في النقد كدراسة الكلمة والجملة واثر كل منهما في أداة المعنى، وكدراسة طرق التصوير المختلفة وبيان ما فيها من جمال دون كثير تعرض للتفصيلات، وكدراسة الفنون الأدبية النثرية والشعرية وشروط جودتها وعرض نماذج منها.

وواضح من ذلك أن اللجنة إزالة هذه (البلاغة) التي تسخر فيها بالمنهج الحالي عقول التلاميذ، ووضعت مكانها (النقد الأدبي) بشكل مبسط مفيد، مما دعي بعض المتمسكين بتلك (الرياضات الذهنية) العقيمة إلى معارضة ما جاء فيه المنهج متعلقاً بذلك، وقد وافق مؤتمر رجال اللغة العربية على ما جاء قيه المنهج مع التوصية بان تكون دراسة البديع عملية في خلال دراسة النصوص الأدبية.

معرض الفنون الجميلة:

أقام اتحاد خريجي الفنون الجميلة العليا، معرضه الأول بمتحف الفن الحديث بشارع قصر النيل. وقد افتتحه في هذا الأسبوع سعادة إلهامي حسين باشا.

ويضم هذا العرض مجموعة مختلفة من أعمال خريجي مدرسة الفنون الجميلة العليا في التصوير والنحت، ويتجه أصحابها في إنتاجهم اتجاهات مختلفة بحسب الشخصية الفنية لكل منهم، ولكنهم جميعاً يسيرون على مقتضى الأصول والثقافة الفنية التي تلقوها بمعهدهم. وهم يمثلون الجبة المحافظة بالنسبة لجماعة الفن المعاصر الذين يقتفون مذهب (السريالزم). وقد زرت معرض الفن المعاصر ثم زرت هذا المعرض، فوجدت الاختلاف بينهما بيدو على الأقل في وضوح الفكرة وظهور الجمال الفني في المعرض الثاني معرض الفنون الجميلة. ومما يذكر في أنصاف هؤلاء انهم يعيدون عن (الفوتوغرافية) ونقل الطبيعة كما هي، بل هم يتجهون في اكثر أعمالهم إلى رسم الخطوط المؤدية إلى الفكرة بصرف النظر عن الواقعية البحتة. وقد وقفت أمام كثير من تماثيلهم ولوحاتهم مأخوذاً بقوة الأداء فيها، كالبنت المسكينة المشردة التي نحتها جمال السجيني، وليالي الكرنك لعبد السلام الشريف، والعامل الكدح الذي صوره محمد عبد الرحمن، ووادي الملوك لصلاح الدين طاهر، وعجوز لصبري عبد الغني، وزنوبا لعباس شهدي، وصورة الدكتور محمد ولى بك لعبد العزيز درويش. أما تمثال الأستاذ إسماعيل الأزهري فهو محتاج إلى أن يقال لمن يعرف الأستاذ الأزهري أن التمثال صنع له. .

ومما لاحظته أيضاً قي هذا المعرض وجود بضع صور تشبه صور جماعة الفن المعاصر في التحرر والغموض.

العباس