مجلة الرسالة/العدد 786/من وحي الصوم

مجلة الرسالة/العدد 786/من وحي الصوم

ملاحظات: بتاريخ: 26 - 07 - 1948



هيام المتصوفين

للشيخ محمد رجب البيومي

(بقية ما نشر في العدد الماضي)

مَن مِن الناس غير المتصوفين يلوذون بالمقابر الموحشة في الغياهب الحالكة، وكأنهم يخفون إلى رياض مونقة يداعبها عاطر النسيم؟

اقرءوا ما سطره البهلول في سكون الأجداث، وتعالوا معي نتساءل كيف أوحت إليه من المعاني الممتازة ما توحيه الجنان الضاحكة لشعر مطبوع؟! أليس هذا من العجيب؟

وما تقولون في الأحلام الساحرة التي يشاهدها القوم في تلك الأماكن الباكية؟ وهل علمتم أن منهم من رأى في منامه قبوراً تنشق وتخرج منها طيور مجنحة تملأ الأفق، ثم يسطع نور علوي من السماء فيلبس الأجداث حللا بيضاء، ويهب نسيم عاطر فينعش الأموات!!

خيال غريب، وتزداد غرابته حين نعلم أنه أستمد أصوله من الأشلاء المتناثرة، والظلام الدامس، والحجارة الصماء!

أضف إلى ما تقدم كله، ما عرف عن القوم من السهر الطويل ومحاربتهم النوم بشتى الوسائل، ولعلهم يجدون في سكون الليل سلماً إلى التحليق في أجوائهم العالية، فقد شاع لديهم أن أعمال المؤمن تتبدد وتتلاشى إذا عرفها الناس، أما الأعمال المستترة فهي الباقية الدائمة، ومن ثم لاذوا بالظلام وتسربلوا ثيابه السوداء، فنشطوا للعبادة نشاطاً يغبطون عليه!! وتفرغوا للركوع والقيام فإذا نشر الفجر أجنحته تحسروا كثيراً لرؤية الضياء!!

أي سلاح كانوا يستعينون به في مصارعة هذه الأهوال؟!

لا شيء غير الصبر الجميل؛ فقد وطنوا أنفسهم على تحمل كل مكروه؛ وهم يرحبون بالأذى في الله ترحيباً يفوق كل ترحيب؛ ولهم في ذلك روائع مدهشات. قال ذو النون المصري: دخلت على مريض أعوده فسمعته يئن فقلت له: ليس بصادق في حبه من لم يصبر على ضربه. فصاح من أعماقه: لا ولا صدق في حبه من لم يتلذذ بضربه! وهذا رد مسكت بليغ وقد صفقت بدون وعي وأنا أطالعه في مصارع العشاق.

وشبيه ذلك ما حكاه علي بن سعيد العطار قال: مررت بكفيف مجذوم وفوقه زنبور يقع عليه فيقطع لحمه! فحمدت الله أن عافاني مما ابتلاه، فصاح في وجهي: (ما دخولك فيما بيني وبين الله؟ فوعزته لو قطعني إرباً، وصب علي العذاب صباً، ما ازددت له إلا حباً) فما رأيكم في هذا الرد الآخر؟ أن صحائف المتصوفين لتزدحم ازدحاماً بأمثال هذه الروائع. وهي عبر تخلق من الثكلى الصارخة حجراً صلداً لا ينبس بنت شفة وإن فارقها أعز الأبناء!

أن العارفين بالله يرون الأذى الجسمي امتحاناً سماوياً، ولا تصدق محبتهم إلا إذا قابلوه مقابلة طيبة ووقع من نفوسهم أطيب موقع وأرضاه، وقد يبدو لبعضهم أن يمتحن أصحابه بالإيذاء كما يمتحن المولى عبيده بالأوصاب، فقد زار أبا بكر الشبلي جماعة من أحبائه وهو مريض بالمارستان، فسألهم عن مجيئهم، فقالوا إنا محبوك يا أبا بكر، فرماهم بحجر كان في يده، فلاذوا بالفرار وصاح بهم الشبلي: يا كذابون، لو صدقتم في محبتكم ما هربتم! وكأني به وقد رأى في ربه أعظم مثال للاقتداء!!

ولنا أن نتساءل: أكان المتصوفون يشعرون شعوراً تاماً بشدة ما يكابدونه من أنواع الإيذاء؟ أما أن فيهم من وصل إحساسه إلى درجة يهون معها التعذيب كما تنطق بذلك بعض الروايات؟

أرجو أن يكون القارئ واسع الصدر فلا يتعجل بتكذيب ما نعرضه بين يديه، فلن نرسل الكلام إرسالاً بدون تعليل وتدليل، وإن كنا نتكلم في خوارق بعيدة، تفعل بالعقول - بادئ ذي بدء - ما تفعله الزلازل في قنن الجبال.

فهل صحيح ما روي عن أحد الأقطاب أنه كان يسير على الماء وحوله الموج المتلاطم يتراكب بعضه فوق بعض، وكأنه يسير في طريق ممهد يدرج عليه الناس!!

وهل صحيح أن الشبلي كان ينتف اللحم من وجهه بمنقار حاد، فإذا سئل عن ذلك قال: ظهرت الحقيقة ولست أطيقها فأنا أدخل على نفسي الألم لأحس به ولكن هيهات هيهات!!

وهل صحيح أن أبا الحسن النووي سمع منشداً يقول:

ما زلت أنزل من ودادك منزلا ... تتحير الإفهام دون نزوله

فتواجد وهام في الصحراء ثم وقع في أجمة قصب قد قطع وبقيت أصوله كظبا السيوف، فكان يمشي عليها وبعيد البيت إلى الغداة والدم يسيل من قدميه، ولا يشعر بشيء من العذاب!

أن في كتب التصوف أقاصيص عديدة من هذا الطراز؟ فهل نحكم عليها بالوضع والاختلاق؟!

سنجد كثيراً من الناس يلوون ألسنتهم ويقولون في تهكم بالغ: خرافات كاذبة، ما كان لكاتب أن يسطرها في صحيفة الرسالة الغراء!!

ونحن - في الرد على ذلك - لا تستشهد بما سطره المتقدمون في بطون الأسفار، ولكننا ننتقل إلى القرن العشرين لنرى ما يجد فيه من خوارق العادات.

لقد نقلت مجلة الهلال بعددها الصادر في أغسطس سنة 1947 عن مجلة (انتير) الفرنسية، حوادث مدهشة تفوق ما قدمناه؛ وقد أعترف بها كثير من أساطين العلم الحديث، ولم يعدموا لها التعليل العلمي ولو أنها سطرت في كتب المتصوفين لقوبلت بكثير من الاستخفاف. ولا نحب أن نطيل على القارئ، ولكن نضع أمامه هاتين الحادثتين - مما ذكرته الصحيفة الفرنسية - وله أن يقول فيهما ما يشاء.

1 - كان (ريشادسون) الفرنسي يضع الجمر في فمه ويمضغه فلا يصاب بأذى، وقد وضع على لسانه جمراً فوقه قطعة لحم ثم قدمها ناضجة بعد دقائق إلى من شاهدوه من العلماء!!

2 - قام الهندي (كودابوكس) بتجربة رائعة في إنجلترا أمام رهط من رجال العلم والصحافة أثبت فيها قوته الخارقة على مقاومة الاحتراق بالنار، فقد حفروا حفرة طولها أربعة أمتار وعرضها متر ونصف وقد ملئت بالخشب والحطب، وأضرمت فيها النار حتى ارتفع لهيبها، وجعل الهندي يمشي في ذلك الأتون الملتهب ذهاباً وجيئة من أول الحفرة إلى آخرها، وفحصت قدماه بعد ذلك فلم يظهر بهما أثر من آثار النار!!

فما رأى القراء في هذه الخوارق؟ وإذا صحت على يد أناس لا يتصلون بالسماء، فكيف ننكر أشباهها على الأولياء!

إن الإنسان العادي قد يوجه تفكيره إلى ناحية هامة تستولي على إدراكه فلا يشعر بشيء سوى ما يفكر فيه. وقد قرأت في الصحف ذات يوم، أن النار قد شبت في حجرة ريفية وكان بها طفل صغير، فاقتحمت أمه النار، وأنقذت ولدها ثم خرجت إلى الناس واللهب يمزق قدميها وهي لا تشعر به حتى نبهها الحاضرون فليت شعري هل يحس بألم جسدي من يرى بعينيه أنوار السماء مهما مزق جسده الرصاص؟!

أفشوا إلى قلوبكم أيها القوم فأن الحق يتسرب إليها بدون استئذان؟

لماذا نسير في طريق معوج ولا نلجأ إلى الصراط المستقيم؟ ألسنا نعرف أن القرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فماذا قال هذا الكتاب؟!

لقد ذكر أن امرأة العزيز جمعت صواحبها واعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكيناً، وقالت (ليوسف) أخرج عليهن؛ فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك كريم. فهل نمتري في ذلك بعض امتراء.

لقد أبدع اليافعي رحمه الله حيث قال في التعليق على هذه الآية الكريمة (وهذا في محبة مخلوق فكيف في محبة الخالق، ولا ينكر ذلك إلا من لم يذقه) وأنا أقول زيادة على ما تقدم، إن عدم الإحساس بتقطيع الأيدي كان تعله لامرأة العزيز وهي حينذاك مدعية كاذبة، فكيف ننكر نظائره على البررة من الأولياء، أما معجزة يوسف فهي تأويل الرؤيا بدون نزاع.

إذن فقد آن لنا أن نعترف بما قدمناه عن المتصوفين فنجزم أن الشبلي لا يحس بتقطيع لحمه، وأن النووي لا يشعر بتقاطر دمه؛ ونصدق قول الجنيد رحمه الله (كنت أسمع السري يقول: قد يبلغ بالعبد إلى حد لو ضرب وجهه بالسيف لم يشعر به. وكان في قلبي من ذلك شيء حتى بان لي أن الأمر كما قال).

والواقع أن هذه الخوارق العجيبة هي التي جذبت الخاصة والعامة إلى هؤلاء المتصوفين فكانوا أقوى سلطاناً من الملوك، وكان العارف يعتصم بجبل نازح فتخف إليه الوفود تلو الوفود، وقد يقول الرجل كلمة فترفع الخامل وتسقط النابه، بل أن أمراء المؤمنين كانوا لا يستنكفون من الخضوع لما يمليه الزهاد، وأخشى أن أعرج على شيء من ذلك، أخوض في حديث معاد!.

هل أتاكم نبأ أبي سعيد أبي الخير؟ لقد كان مريدوه يتضاربون بالسيوف حرصاً على ماء وضوئه، والسعيد من حصل على قطرة واحدة يضئ بها جبهته. ويذكرون أن قطعة صغيرة من قشر البطيخ قد سقطت منه، فتهالك عليها الناس واشتراها أحدهم بعشرين ديناراً. فهل بلغ هذه المنزلة في النفوس أمير أو وزير!! ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

ولقد ظهر انكباب العامة على العارفين في حلقات السماع، حيث كان لكل متصوف مجالس إنشاد تقام في أوقات معينة، فما يحين ميعادها حتى تتدافع عليه الناس من كل حدب وصوب، وطبيعي أن يكون المنشد ويسمى (بالقوال) حسن الصوت، لطيف الذوق، فيختار من الأبيات الرقيقة ما تطرب له المشاعر وتهيج به القلوب، حتى كان بعضهم يصيح من وجده، وأحياناً تأخذه النشوة، فيهيم على وجهه في الأفاق كأنما نشط من عقال.

إن للصوت الجميل أثره البالغ في الإحساس، فما ظنك إذا اقترن بمعنى سماوي رائع، ثم سمعه صب ذواق يدرك ما يهدف إليه تمالم الإدراك؟ أليس من القليل عليه أن يترنح ذات اليمين وذات الشمال كمن دارت برأسه العقار.

وقد يرق شعور المتصوف فيسمو إلى مالا تحيط به عين، وإذ ذاك يقف في مكانه لا ينطق بشيء. وليس ذلك في مجلس السماع فحسب، بل في كل موقف تهطل فيه سحائب الرحمة، فقد وقف أبو بكر الشبلي على عرفات مدة طويلة فلم تتحرك شفتاه بشيء، وللحجاج حوله ضجيج وعجيج، فهل يكون هؤلاء أكثر رغبة منه إلى الله؟ أم أنه شاهد ما خفي عن غيره فعقد الموقف لسانه، ورجع إلى مقره شارد العقل متقد الضلوع.

إن كثيراً من المتصوفين يتخيلون أنفسهم تحلق في عالم آخر وتشاهد أضواء متألقة لا تتاح لأحد. وقد سئل بعضهم في ذلك فقال: والله لو غاب عني لحظة لتقطعت (وهم يجزمون أن العارف الصادق يصبر عن كل شيء عدا رؤية مولاه. وقد وقف رجل على الشبلي رحمه الله فقال له أي الصبر أشد على الصابرين؟ فقال الصبر لله! فقال الرجل: لا. فقال الشبلي: الصبر مع الله، فقال الرجل لا، فغضب أبو بكر وقال: ويحك فأي شيء إذن؟ فقال الرجل: بل الصبر عن الله عز وجل. فصرخ الشبلي صرخة كادت تتلف روحه، وكأنه رأى صاحبه قد سبقه في الطريق فعنف نفسه أحر تعنيف وأقساه!!.

وكثير منهم من يذرف الدموع الغزار حين يخطر بباله أنه غير أهل لمحبة ربه. كيف وقد وقر في نفوسهم أن ما على الأرض من حيوان ونبات وجماد يسابقهم مسابقة شديدة في الافتتان بخالقه، فهم يتنافسون فيما بينهم منافسة حادة تضطرم فيها الأحشاء. ولهم في هذا الصدد نوادر غريبة، فقد حكى سهل ابن عبد الله أنه قابل دباً في فلاة فحادثه وناقشه!! وعلم منه أنه - مع فريق من الوحش - هائم في ذكر ربه!! فما منشأ هذه النادرة؟ وهل استنبطها سهل من قول الله (وإنَ من شيء إلا يسبح بحمده) وما موقفه بعد ذلك بيد يدي نفسه حين يرى أنه بالنسبة إلى غيره ليس في العير أو النفير! مسكين مسكين!!

وإذا غرق العارف في لجج الصبوة لم يجد في قلبه فرغاً يسع شيئاً آخر غير ما هو في سبيله، ولذلك كان الصوفيون رهباناً لا يتزوجون ولا يتنعمون، مع أنهم ينضوون تحت لواء الإسلام؟؟

هل سمعتم تحذير مالك بن دينار من لزواج؟ وهل فكرتم في علة ذلك؟ لأنه يرى اللذة الجسدية سبة نكراء لا يميل إليها غير الدهماء، أم ترى ماذا يكون.

إن القوم مكبلون لما ورد في الكتاب والسنة من الترغيب في الزواج فبأي سلاح دافعوا عن مبدأيهم الغريب؟.

لا يستطيع السامع أن يظفر منهم في هذا الموضوع بغير الأساطير، وللأساطير في نفوس العامة فعل السحر، فهي تقوم مقام الآيات والأحاديث، إن لم تفقها عندهم في بعض الأحايين، وفي آدميين من سلبوا العقل الناصح فهاموا كالدواب!!

وأقرأ هذه (الخرافة) أمام عامي ساذج فستجده ينجذب إليها أتم انجذاب، وربما ندم على ما فرط في جنب الله حين أقدم على الزواج.

(قال بعضهم كنت في زاوية بمصر فخطر بقلبي أن أتزوج، وقوي عزمي على ذلك. فخرج من القبلة نور لم أرى مثله، وإذا بيد فيها نعل من ياقوته حمراء وشراكها من زمرد أخضر مرصع باللؤلؤ، ثم سمعت هاتفاً يقول: هذه نعلها، فكيف لو رأيتها! فذهبت عني شهوة النساء).

فما معنى هذه الأسطورة؟ وهل يحرم من الحور في الجنة من يتصل اتصالاً شرعياً بالنساء؟ هذا جائز جداً في منطق البلهاء.

أن القلب لا يتسع لأكثر من واحد، فلا على الصوفي إذا قنع بمحبة ربهن ولكن ما ذنب العامة من الدهماء؟

أن للقوم شطحات وشطحات، ولا حيل لهم فيما يشطون به من الآراء، فقد تفرد الله وجده بالكمال. ومن ذا الذي ترضى جميع سجاياه؟

وبعد فقد حاولت أن أروح عن نفسي بكتابة هذا البحث، فقد حبب إلي أن أقوم بجولة خاطفة في ميدان التصوف النظري فأطالع الأسفار، وأستنطق السطور، بعد أن أخفقت في ميدان التصوف العملي، فقد أعددت العدة، وسرت خطوة واحد، ثم وقفت كالمقيد المكبول، فلا أستطيع أن أتقدم، ويعز علي أن أرجع حيث بدأت وأنا في الاضطراب والحيرة كأسير أم عمرو الذي قال فيه أحد كبار الهائمين.

سلوا أم عمرو كيف بات أسيرها ... تحل الأسارى دونه وهو موثق

فلا هو مقتول ففي القتل راحة ... ولا هو ممنون عليه فيطلق

(الكفر الجديد)

محمد رجب البيومي