مجلة الرسالة/العدد 809/ابن حزم الأندلسي

مجلة الرسالة/العدد 809/ابن حزم الأندلسي

ملاحظات: بتاريخ: 03 - 01 - 1949



مجموعة من المواهب والعبقريات

للأستاذ قدري حافظ طوقان

ابن حزم مجموعة من المواهب والعبقريات؛ وزير وابن وزير، ومن أصحاب الجاه الواسع العريض. هذا في ميدان الحياة العامة. أما في المعارف والعلوم فهو فيلسوف لمع في الدين والشعر والأدب والتاريخ.

نشأ في قرطبة في القرن الحادي عشر للميلاد من أسرة قال عنها الفتح بن خاقان: (بنو حزم فتية علم وأدب، وثنية مجد وحسب). وهو من بيت عريق بالمجد حافل بالترف والنعيم. لكن ذلك لم يدم، فقد تنكر له الزمان، وتعرض للنكبات والمصائب، وأصابه الاعتقال والتغريب والإغرام الفادح. لحقه الأذى والكيد من كل جانب، ولم ينعم بالاستقرار والاطمئنان.

انصرف ابن حزم إلى العلم بكل عزائمه، وأخلص له ولم يخلط به مأربا آخر. وهذا ما يميزه عن كثير من الذين يعنون بالعلم والأدب؛ ولم يقف عند هذا الحد، بل (تفرغ لنشره بين الناس فنفع به خلقا كثيرا)؛ ذلك لأنه كان يؤمن بأن للعلم زكاة هي نشره وإذاعته.

نشأ في بداية أمره في جو ساعد على بروز مزاياه النفسية والفكرية، فظهرت عبقريته متعددة النواحي، ونعمق في البحث والدرس فكان المرجع لأعيان الفكر في زمانه والأزمان التي تلت، ومصدرا من المصادر المعتمد عليها التي يستشهد بها رجال الدين والعلماء.

وقد أعترف بفضله وعلمه الأقدمون والمحدثون، فقال عنه أفاضل القدماء: (. . . ابن حزم حامل فنون من حديث وفقه وجدل وما يتعلق بأذيال الأدب مع المشاركة في كثير من أنواع التعليم القديم من المنطق والفلسفة. . .)؛ وقال الذهبي: (ابن حزم رجل من العلماء الكبار فيه أدوات الاجتهاد كاملة)؛ وقال ساعد: (برز ابن حزم على فحول العلماء بالأندلس حتى تفرد دونهم بميزات)؛ وشهد الغزالي بفضله: (وعظم حفظه وسيلان ذهنه). ولقد درس بعض تأليفه المستشرقون ورجال التاريخ أوربا وأمريكا، فأنصفوه بعض الإنصاف واعترفوا بأثره في الفقه والعلوم. قال رينيه بانسيه: (ابن حزم عالم عربي أندلسي، متفنن في علوم جمة، وهوفقيه مشهور ومؤرخ وشاعر مبرز، دقيق الملاحظة، شيق الأسلوب).

وتناول آراءه جولد زيهر وشرينر وإسرائيل فرد ليندر ونيكل وبتروف، فشرحوها وعلقوا عليها وأبانوا أثره في الفقه والمنطق والتاريخ. ويعترف سارطون في كتابه مقدمة لتاريخ العلم بفضل ابن حزم وعلمه فيقول: (ابن حزم افضل عالم في الأندلس، ومن أكبر المفكرين المبتكرين المسلمين فيها).

ترك ابن حزم مؤلفات ضخمة تدل على سعة إطلاعه وغزير علمه وعظيم أدبه؛ وقد (ملأ المغرب بعلمه وكتبه ومذهبه، وشغل أهله طرفا صالحا من حياته أحقابا طوالا، حتى كأنه أمة وحده لا فرد من أمة)؛ أعتز به الأندلس وباهى بفضله العراق الذي كان يومئذ يعج بحضارة ما رأى التاريخ لها مثيلا.

ويتجلى من كتبه ورسائله أنه كان يتمتع بفكر ثاقب وبصيرة نافذة وملاحظة دقيقة؛ فهم الشريعة حق الفهم وأفهمها بإخلاص وصدق للناس. وكان صريحا ومخلصا للحق إلى ابعد الحدود؛ وقد ضاق علماء عصره وحكامه بصراحته وإخلاصه، فأشهروا عليه الحرب العوان، فاحرقوا كتبه واضطهدوه شر اضطهاد، وصبوا عليه النكبات والمتاعب. ويمكن القول أنه (ملأ الأندلس حركة فكرية عنيفة آثارها سلبية وإيجابية، وجعل مجالس العلم وأقطاب الفكر معسكرين أنصارا وخصوما).

ولسنا بحاجة إلى القول بان حيوية ابن حزم لم تنقطع بموته، بل أودعها كتبه وتأليفه فاستمرت تعمل عملها زمنا طويلا. وان المتصفح لأدبه وأسلوبه يجد أن فيهما ثورة على التقليد، فلم يتقيد بأسلوب من تقدموه، ولم يلتمس في أدبه طريقهم، وهو يقول في هذا الشان: (وما مذهبي أن أنضى مطية سواي، ولا أتحلى بحلي مستعار). وهذا (كما يقول الأستاذ سعيد الأفغاني): (السر في تأثير بلاغته وأخذها بمجامع القلوب، ونفاذها إلى أعماق النفوس). ولهذا لا عجب إذا امتاز بأسلوب خاص، وأدب له لونه الخاص، وقد حلق به عاليا فجعله (أديبا عالميا سبق عصره قرونا عديدة).

وابن حزم صاحب رأي مستقل يأخذ بالعقل ويخالف بالعقل، لهذا نراه حارب الخرافات وهاجمها بشدة، حتى أنه استعمل ألفاظا نابية لا يليق بمثله أن يأتي بها مما يعطي فكرة عن شدة ألمه من الأخذ بالأوهام والاعتقاد بالخرافات. كان يدعو إلى الأخذ بالعلم الصحيح والاعتماد على العقل، يتجلى ذلك في كتابه (الفصل في الملل والأهواء والنحل) بشان النجوم وأثرها في الناس وهل تعقل؟ قال ابن حزم: (زعم قوم أن الملك والنجوم تعقل وإنها ترى وتسمع. . . وهذه دعوة بلا برهان. وصحة الحكم بان النجوم لا تعقل أصلا، وان حركتها أبدا على رتبة واحدة لا تتبدل عنها. وهذه صفة الجماد المدبر الذي لا اختيار له. وليس للنجوم تأثير في أعمالنا، ولا لها عقل تدبرنا به إلا إذا كان المقصود إنها تدبرنا طبيعيا كتدبير الغذاء لنا، وكتدبير الماء والهواء ونحو أثرها في المد والجزر، وكتأثير الشمس في عكس الحر، وتصعيد الرطوبات (التبخير). والنجوم لا تدل على الحوادث المقبلة).

ومن هذه الآراء يتضح أن ابن حزم لا يأخذ رأيا إلا بعد أن يمحصه ويسلط عليه العقل والبرهان، فإن أجازه العقل وأمكن البرهنة عليه اخذ به، وإلا فهو غير مقبول لديه.

وخالف ابن حزم الأقوال التي تشير إلى أن النيل وجيحون ودجلة والفرات تنبع من الجنة، وتهكم على قائليها. وبعد أن فند هذه الأقوال بين أن لهذه الأنهار منابع معروفة في الأرض على ما هو موضح في كتب الجغرافيا.

ولابن حزم آراء علمية ونظريات فلسفية (هي في الطبقة الأولى من القيمة الذاتية الحقيقية) كما يقول الدكتور عمر فروخ.

ومن هذه النظريات الجديرة بالذكر والاعتبار نظرية المعرفة، وقد عقد لها فصلا خاصا في كتابه: (الفصل في الملل والأهواء والنحل). وتتركز الأسئلة في هذه النظرية على ما يلي:

كيف تعرف الأشياء؟ وما نعرف عنها؟ وما الدليل على صحة المعرفة؟ ولقد بحث في هذه النظرية اليونان، لكن بحثهم لم يكن من العمق والسعة بحيث يجعلها كاملة، إلى أن جاء الفيلسوف الألماني (كانت في أواخر القرن الثامن عشر للميلاد، فبحثها بحثا وافيا شاملا جعل مؤرخي الفلسفة الأوربية يقولون: أن الفضل في إيجاد نظرية المعرفة وفي شرحها، يعود أولاً إلى كانت.

ولكن الدكتور عمر فروخ في كتابه عبقرية العرب درس الآراء التي وردت في كتاب ابن حزم وقارنها بما قاله (كانت) فتبين له أن نظرية المعرفة قد عرضت لابن حزم قبل (كانت) بسبعة قرون ونصف القرن.

يرى ابن حزم أن المعرفة تكون (1) بشهادة الحواس - أي بالاختيار لما تقع عليه الحواس، (2) بأول العقل - أي بالضرورة وبالعقل من غير حاجة إلى استعمال الحواس الخمس، (3) برهان راجع من قرب أو من بعد إلى شهادة الحواس وأول العقل.

ويرى ابن حزم أن الغرض من الفلسفة والشريعة يجب أن يكون إصلاح النفس حتى تستعمل (النفس) الفضائل وتكون في دائرة السيرة الحسنة المؤدية إلى السلامة في المعاد وحسن السياسة للمنزل والرعية جاء في كتاب (الفصل في الملل والأهواء والنحل) ما يلي: (الفلسفة على الحقيقة إنما معناها وثمرتها، والغرض المقصود نحوه بتعلمها، ليس هو شيئا غير إصلاح النفس بان تستعمل في دنياها الفضائل وحسن السيرة المؤدية إلى سلامتها في المعاد وحسن سياستها للمنزل والرعية. وهذا نفسه، لا غيره، هو الغرض من الشريعة. هذا ما لا خلاف فيه بين أحد من العلماء في الفلسفة، ولا بين أحد من العلماء في الشريعة. .)

وابن حزم من المقدمين في الظاهرية والمتحمسين لها. ومذهب الظاهرية هو مذهب الجماعة الذين يقبلون ما جاءت به الآيات الكريمة والأخبار الموثوقة من الحديث والسنة، ولا يتأولون شيئا على ما لم تجر به سنة العرب في فهم لغتهم. وقد وضع في الظاهرية تأليف قيمة تعرض فيها لمسائل فقهية ومشاكل دينية وكان فيها مبتكرا، إذ طبق الأصول الظاهرية على العقائد. ومن آرائه التي أودعها كتبه يتبين أنه كان من الذين (انتفضوا على التوسل بالأولياء ومذاهب الصوفية وأصحاب التنجيم). كان يميل إلى المناظرة والهجوم على خصومه والذين يخالفونه في آرائه، لكنه كان يتوخى دائما إنصاف الخصوم ويتجنب التضليل واختلاق التهم.

ولابن حزم رسالة لطيفة قيمة هي رسالة في المفاضلة بين الصحابة، شرح فيها مذهبه في المفاضلة سالكا طريقا منطقية محكمة. ولقد احسن الأستاذ سعيد الأفغاني في نشرها، فقدم بذلك خدمة علمية جليلة يشكر عليها أجزل الشكر.

وفي هذه الرسالة النفيسة كان ابن حزم مبتكرا في الطريقة التي اتبعها في ترتيب موضوعاتها: وكانت على النمط آلاتي: تقرير للأسس ثم بسط الدعوى، ثم استعراض آراء الخصوم وشبههم وأخيرا دفع للشبه وبرهان للدعوى؛ وهي كما يقول الأستاذ الأفغاني (طريقة محكمة كاملة) تعلم الحوار المضبوط، والمناقشة الدقيقة، والجدل الصحيح القوي، وفوق ذلك، فقد دلت هذه الرسالة على (براعة في تحليل النصوص وجودة الاستنباط، ودقة الفهم لها. . .)

يرى ابن حزم في هذه الرسالة أن العامل يفضل في عمله بسبعة اوجه لا ثامن لها وهي العرض في العمل والكيف والكم والزمان والمكان والإضافة. ثم يشرح كلا من هذه الأوجه في قالب جذاب يستهوي القارئ وبأسلوب سهل فيه ابتكار وفيه أحكام ومنطق.

والآن لا يتسع المجال لشرح آرائه ونظرياته، ولكن يمكن القول أنه ترك تراثا ضخما لم يصل إلينا منه إلا القليل، وهي تبحث في الفقه والأدب والأخلاق والفلسفة وأخلاق النفس والأصول، والإمامة والسياسة والمنطق والإيمان والفرق الإسلامية والإجماع والتاريخ. ولعل اشهرها كتاب الفصل في الملل والأهواء والنحل، وكتاب طوق الحمامة، ورسالة المفاضلة وقد مر ذكرها.

وهذه كلها تدل على علم واسع وعقل حصيف وفكر خصيب وانه كما يقول الأستاذ الأفغاني (أحد ذهنية انبثقت عنها الأندلس في جميع عصورها) وهو يمثل العبقرية الأندلسية أروع تمثيل. وقد سما نبوغه وارتفع درجات جعلت المؤرخين والباحثين يعتبرونه من المقدمين في تاريخ تقدم الفكر والعلم ومن أعلام العلماء الخالدين. . .

قدري حافظ طوقان