مجلة الرسالة/العدد 809/لطمة على خد. . .

مجلة الرسالة/العدد 809/لطمة على خد. . .

ملاحظات: بتاريخ: 03 - 01 - 1949



للأستاذ محمد سعيد العريان

- 1 -

هذا المجلس الحافل بأسباب الأنس والمسرة، الحالي بالزهر والريحان، وبالقيان والندمان على الربوة المعشبة الظليلة في أعلى (اليرموك) - قد حان أن يطوى بساطه فليس فيه بعد اليوم أنيس ولا سامر. . .

وهذه الأباريق في أيدي السقاة المرد يطوفون بها على ندمان الملك ليفرغوا في كاس كل نديم جرعة من خمر وفي قلبه لذعة من جمر - يوشك أن يفرغ ما فيها من الشراب وتفرغ منها أيدي السقاة والندمان. . .

وهذه الأقداح المترعة في أيدي القوم تتلامس حافاتها كان رنينها ضحكات غانيات سكارى - قد حان أن تتحطم ويراق ما فيها من الشراب فتنتشى الأرض ويصحو السكارى. . .

وهذه النمارق المصفوفة والزرابي المبثوثة والكراسي المنضودة عن يمين صاحب العرش وشماله - يوشك أن ينتثر عقدها ويشت جمعها، فليس في أعلى (اليرموك) بعد اليوم عرش ولا تاج ولا صاحب سلطان، وتغدو (مملكة غسان) ذكرى، ويخمل ذكر (جبلة) وآباء جبلة من ملوك قحطان في الشام. . .

كذلك كان (جبلة بن الأيهم) ملك غسان يحدث نفسه وأصحابه من حوله يخالسونه نظرات خاشعة فيها قلق وريبة، قد جمدت في أيديهم أقداح الشراب فلا تدنوا منها شفة، وأعولت في آذانهم رنات المثاني والعيدان فلا تهتز لها نفس هزة طرب، وعبقت أرواح العطر والبخور في جو المجلس خانقة، فلا يكاد ذو نفس من ندامى الملك يملأ رئتيه. . .

أكان قلقهم وانقباضهم لأنهم يعلمون ما تجيش به نفس الملك في تلك اللحظة من الخواطر السود، أم كان ذلك لأنهم لا يعلمون. . .؟

وكانت جارية عاطفة على عودها في صدر المجلس تداعب أوتاره بأنامل رخصة وهي تغني من شعر حسان:

لله درُّ عصابة نادمتهم ... يوماً يحلُق في الزمان الأول

يسقون من ورد البريص عليهمو ... بَرَدى يصفِّق بالرحيق السلس أولاد جفنى حول قبر أبيهمو ... قبر ابن مارية الكريم المفْضل

يُغشوْن حتى ما تهرُّ كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبِل

بيض الوجوه أعفَّة أحسابهم ... شُمُّ الأنوف من الطراز الأول

ورفع الملك رأسه وهتف في صوت تتبين فيه مرارة اليأس والأسى:

- حسبك يا فتاة!

وخيم الصمت على المكان، وتعلقت بالملك عيون ندمانه وبطانته؛ وسلل القيان والغلمان واحدا اثر واحد ليهيئوا للملك وأصحابه خلوة ليست كما ألف الملك وألفوا من خلوات الأنس والسعادة. . .

وانحدر الملك على سريره ليقتعد الأرض، ووضع عن رأسه تاجه، وانحدر أصحابه عن كراسيهم وجلسوا بين يديه، وقد أيقنوا أن أمرا ذا بال يوشك أن يحدث أو يسمعوا نبأه. . .

ومضت فترة صمت قبل أن يبدأ الملك حديثه إلى نداماه من أشراف غسان ولحم وجذام؛ ثم نطق:

قد علمتم يا بني العم ما كان من أمر العرب والروم في هذه الأرض، فليس لأصحاب (هرقل) بعد اليوم مقام في الشام بعد أن غلبهم هؤلاء العرب النازحون من البادية على أرضهم وديارهم، وأجلوهم عن أركة، وتدمر، وحوران، وبصرى، ودمشق، واجنادين، وأذاقوهم الهوان عند (اليرموك) وفي حمص وتوشك أن تسقط في أيديهم حلب وقنسرين في الشمال، وبيت المقدس في الجنوب. .

وصمت الملك برهة، وهو يجيل عينيه فيمن حوله، ثم استأنف:

وقد علمتم يا بني العم ما كان لنا من الجاه والسلطان في هذه البقاع، حيث أقمنا لأبناء غسان في الشام عرشا لم يزل يتوارثه آباؤنا ملك عن ملك منذ قرون حتى آل إلينا، لا العرب من أبناء عمومتنا في المشرق يطمعون أن ينالوه، ولا الروم في الشمال؛ فكانت مملكة الغساسنه هي الحجاز بين العرب والروم، وهي لهؤلاء وأولئك سوق التجارة، وموئل السلام والحضارة، قد سالمنا العرب لأنهم اخوتنا في النسب، وشركاؤنا في التجارة، وسالمنا الروم لأنهم منا حيث علمتم من الحلف والمودة، قد رضوا منا بالإتاوة ندفعها كل عام إلى قيصرهم في القسطنطينية، وبالكتيبة من شبابنا يحاربون معهم تحت رايتنا إذا احتاجوا في بعض حروبهم إلى المدد والمعونة؛ ولم يكن يدور في وهمي يا بني العم أن تسخر المقادير منا ومن حلفائنا الروم سخريتها هذه الأليمة؛ فنصبح ذات يوم لنرى عرب المشرق قد دخلوا علينا الشام من أقطارها وباتوا يهددون عرش الغساسنة وعرش قسطنطين في وقت معا؛ ولكن كل ذلك قد كان ولم يكن لنا لدفعه يدان!

قال كبير القوم:

وقاك الله يا مولاي وجنبك العوادي، أن بيننا وبين العرب ما نعلم من النسب، ومن حسن الجوار والمودة؛ وقد علمنا إلى ذلك انهم لم يطرقوا ديارنا غزاة ولا فاتحين، ولكنهم أهل دين يدعون إليه، وأصحاب كتاب يؤمنون بما فيه؛ قد آمنوا بموسى وعيسى ومحمد؛ فليس بينا وبينهم من أسباب الخصام إلا أن نؤمن بما آمنوا، وقد سبقناهم إلى النصرانية، حين كانوا غارقين في الوثنية يتعبدون لآلهة من طين؛ فلا علينا إذا سبقونا إلى الوحدانية وثبا أن نتبعهم ونؤمن بنبيهم؛ فإن ذلك خليق بأن يجتث بيننا وبينهم أسباب الخصام والعداوة، ولأن ندفع الإتاوة لملك عربي من أبناء عمومتنا في يثرب، خير من أن نكون خولا لقيصر الروم في القسطنطينية؛ وإني لآمل يا مولاي أن يكون جبلة بن الأيهم في الإسلام أعز سلطانا منه في الجاهلية ويتسلسل الغساسنة في أبنائك وأحفادك على عرش الشام إلى يوم الدين!

ورفت ابتسامة على شفتي الملك وهو يقول:

هو ما قلت يا أبن العم؛ وإنما بدأت الحديث معكم رجاء أن ننتهي إلى ذلك الرأي؛ فقد عزمت منذ اليوم أن اكتب إلى عمر، أمير المؤمنين في يثرب، اعلمه بذلك وأستاذنه في القدوم عليه مسلما. . .

- 2 -

كان مقدم جبلة بن الايهم إلى المدينة يوما مشهودا، قد احتشد له الخلق من كل فج ليشهدوا موكب الملك الغساني في أبهته وسلطانه، قد لبس ثياب الوشى منسوجا بالفضة والذهب، وعلى رأسه تاج الغساسنة تتضوا خرزاته تحت الشمس، ويتدلى منه قرط مارية جدته الذي تتحدث به أمثال العرب، وقد تكنفه عن يمين وشمال، وأمام ووراء، خمسمائة من فرسان عك وجفنة، يلبسون مثله ثياب الوشى، وتلمع على رؤوسهم بيضاتهم، وتبرق مقابض السيوف في أيديهم.

موكب لم تشهد المدينة مثله منذ كانت، فلم يبق بها يومئذ أحد إلا خرج يتفرج، حتى النساء والصبيان، وحتى الشيوخ والعجزة؛ صورة فريدة من أمجاد غسان، أو هي صورة من أمجاد الإسلام في مطلع فجره لم يزل يتحدث عنها التاريخ حتى اليوم، والى الغد، والى الأبد!

والتقى جبلة بن الايهم وعمر بن الخطاب، وشهد ملك غسان أن لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله.

وأقام جبلة بالمدينة حتى جاء موسم الحج، فاعد عدته للرحلة إلى مكة ليؤدي الفريضة المكتوبة.

- 3 -

في صعيد مكة - حيث يلتقي المسلمون كل عام من مشارق الأرض ومغاربها يطوفون بتلك البنية التي أقامها إبراهيم واسمعيل منذ القدم - لا يتبين ملك من سوقه؛ كل الطائفين عراة إلا من إزار غير مخيط يستر أبدانهم، ليس على رؤوسهم تيجان ولا عمائم ولا قلانس، حفاة إلا من خفاف لا تستر الأقدام من ظاهر، حشود هائلة قد وفدت من الشام واليمن، ومن عمان والبحرين وحضرموت، ومن مصر وبلاد البربر، ومن المدائن والقادسية، ومن وراء الجبال والرمال والبحار الصاخبة بالموج؛ لا عربي في ذلك الحرم ولا أعجمي، كلهم مسلمون يدينون بهذا الدين الواحد، هو (جنسهم) حين ينتسبون، وهو رباط قلوبهم حين يلتقون وحين يفترقون، تحيتهم حين يلتقون سلام، وحديثهم تلبية وتسبيح، وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين.

مشهد عميق الأثر، بليغ الدلالة على أسمى معنى من معاني الإخاء والمساواة والمحبة. . .

وكان جبلة الغساني يطوف مع الطائفين حول البيت، عاري الرأس ليس عليه تاج ولا ديباج، إلا إزارا غير مخيط قد لف جسده وتدلى عن كتفيه وانجر وراءه. . . وعن يمينه وشماله، وقدامه ومن وراءه، آلاف من الطائفين قد ائتزروا مثل إزاره، يتزاحمون بالمناكب ويطأ بعضهم أقدام بعض، ولهم ضجيج وعجيج وهتاف باسم الله صاعد إلى السماء. . .

وتعثر جبلة في زحمة الطائفين وهم أن يقع، حين وطئ إزاره طائف من فزارة فحله، وحمى انف الملك الغساني فالتفت وراءه مغضبا ليرى الفزارى الذي وطئ إزاره، فبربر بزيرة أصحاب السلطان ولطم انف الفزارى فهشمه. . .

وعبرت لحظة اضطراب لم تطل، ثم استأنف الحجيج طوافه وهتافه؛ لم يقطع ضجيجهم وعجيجهم إلا صيحة هاتف مستصرخ: واعمراه!!

واستمع عمر إلى دعاء المستصرخ فدعاه إليه. . .

من أنت يا رجل؟

امرؤ من فزارة. . .

وما دعاك إلى الصراخ في بيت الله وحين طواف الحجيج؟

طائف من الطائفين لطمني فهشم انفي أسال دمي!

أتعرفه؟

لا اعرفه اسما ولكني اعرفه صفة. . .

إذا نقيدك منه!

ووقف الفزارى والى جانبه غلام عمر يتصفحان وجوه الناس حين منصرفهم من الطواف، حتى مر جبلة فأشار إليه الفزارى: هو ذاك!

وسيق ملك غسان إلى مجلس أمير المؤمنين عمر، فأوقف بين يديه ووقف الفزارى يحاذيه كتفا إلى كتف. . .

ماذا تقول يا أخا فزارة!

هذا لطمني فهشم انفي!

وما تقول يا جبلة؟

أنه وطئ إزاري فحله، فلولا حرمة هذا البيت لأخذت الذي فيه عيناه!

قال عمر مخضبا:

على رسلك يا جبلة! أما أنت فقد أقررت، فأما أن ترضيه وأما أقدته منك!

أتقيده مني وأنا ملك وهو سوقة!

يا جبلة، أنه قد جمعك وإياه الإسلام، فما تفضله بشيء إلا بالتقوى!

رويدك يا عمر، لقد - والله - رجوت أن أكون في الإسلام اعز مني في الجاهلية؛ وقد كنت من لشرف والمهابة في الجاهلية حيث علمت!

ني لأرجو لك من العزة بالإسلام ما ترجوه لنفسك ولكنه أخ مسلم يطلب قودا من أخ مسلم!

إذا أعود إلى النصرانية. . . لا يلطمني بدوي بوال على عقبيه!

أن تنصرت ضربت عنقك!

انطبقت شفتا جبلة على كلام كثير لم يلفظه، على حين ارتفعت أصوات كثيرة من وراء.

أولئك شيعة الفزارى وقوم جبلة يتلاحون حتى توشك أن تقع بينهم فتنة.

وغامت سحابة من الهم على جبين الملك، وصمت برهة ثم نطق:

أخرني إلى غد يا أمير المؤمنين.

لك ذلك يا جبلة!

- 4 -

لم ينكر أحد في البادية أمر تلك القافلة التي تعد السير في جنح الليل متجهة إلى الغرب؛ ليس في سمات هذا الركب ما يبعث الريبة. . . جماعة من البدو أو من الحضر على ظهور دوابهم، قد جعلوا يثرب وراء ظهورهم إلى غاية يقصدونها، وما أكثر قوافل البدو والحضر على ذلك الطريق في تلك الأيام. لعلهم بعض المتطوعة يقصدون إلى الشام مددا للمجاهدين، أو لعلهم بعض التجار. . . لم يخطر في وهم أحد رآهم انهم أشراف لخم وجذام وغسان، وان معهم جبلة بن الايهم، صاحب القرط والتاج وعرش جلق الفيحاء. . .

وانتهت القافلة إلى تخوم الروم، ثم استأنفت السير إلى القسطنطينية. وفي ضيافة قيصر، أقام جبلة بن الايهم، آخر ملوك غسان، عزيزا مكرما، قد اقطعه القيصر قصرا ملوكيا، وأوقف على بابه القهارمة والحجاب والعدد الجم من الرجال والفرسان؛ وفي مجلسه من ذلك القصر الملوكي كل ما تتوق إليه نفس من أسباب الترف والبهجة، وكل مظاهر العز والسلطان. ملك له عرش وتاج، وقهارمة وحجاب، ووزراء ومستشارون؛ ولكن حدود مملكته لا تتجاوز جدران قصره؛ وماذا يعنيه أن تكون مساحة مملكته، مادام له مجلسه وعرشه وتاجه وكل من حوله يأتمرون بأمره ويعنون بسلطانه وما هي أبهة الملك إلا ذاك؟. . .

وترادفت السنون، وانبسط ملك العرب في الشرق والغرب، وفي الشمال والجنوب، حتى تآخوا الروم في صميم بلادهم. . .

ووفد رجل من أصحاب عمر بن الخطاب إلى القسطنطينية ذات يوم رسولا إلى قيصر في شان مما يتراسل من اجله الملوك، فرغبت نفس الرجل في زيارة جبلة في قصره ذاك؛ فلم يزل يتلطف في الإذن حتى أذن له. . . فدخل إليه مجلسه. . . ورأى رجلا أصهب ذا سبال، وكان عهده بجبلة اسمر اسود اللحية والرأس؛ فلما نظر إليه أنكره، ثم عرفه ذلك أن جبلة دعا بسحالة الذهب فذرها في لحيته حتى عاد أصهب، وكان قاعدا على سرير من قوارير قوائمه أربعة اسود من ذهب. فلما عرف جبلة الرسول رفعه معه إلى السرير، وجعل يسأله عن المسلمين، وعن عمر، وعما فتح الله على المسلمين من البلدان والممالك، والرسول يجيبه عن كل ما يسال، وجبلة يسمع وشفتاه تختلجان، وعلى وجهه تتعاقب ألوان. . .

ثم أومأ جبلة إلى خادم بين يديه، فذهب مسرعا، وإذا خدم قد جاءوا يحملون الصناديق فيها الطعام، فوضعت، ونصبت موائد الذهب وصحاف الفضة، فأكل جبلة وأكل ضيفه، فلما رفع الطعام جئ بطاس الفضة وأباريق الذهب، فغسلوا أيديهم؛ ثم أومأ جبلة إلى خادم بين يديه، فمر مسرعا، وإذا خدم معهن الكراسي مرصعة بالجوهر، فوضعت عشرة عن يمينه وعشرة عن يساره، ثم اقتربت أصوات ناعمة، وإذا عشر جوار مطمومات الشعر متكسرات في الحلي عليهن ثياب الديباج لم ير مثل جمالهن ذو عينين، فأقعدن عن يمين الملك، ثم اقتربت أصوات ناعمة، وإذا عشر جوار أخرى، فأجلسن على الكراسي عن يساره، ثم سمع صوت رقيق فاتن، وإذا جارية كأنها الشمس حسنا، على رأسها التاج، وعلى ذلك التاج طائر ذو جناحين، وفي يمناها جامة فيها ماء ورد، فأومأت الجارية إلى الطائر، فطار عن رأسها حتى وقع في جامة ماء الورد، فاضطرب فيه لحظة؛ ثم أومأت إليه ثانية، فطار حتى نزل على صليب في تاج جبلة، فلم يزل يرفرف حتى نفض ما في ريشه من ماء الورد على التاج؛ وابتسم جبلة، ثم التفت إلى الجواري اللاتي عن يمينه، فأندفعن يتغنين: يخفقن بعيدانهن ويقلن من شعر حسان:

لله در عصابة نادمتهم. . . . . . . . . . . .

ثم التفت إلى الجواري اللاتي عن يساره، فإندفعن يتغنين: لمن الدار أقفرت بمعان ... بين أعلى اليرموك فالصمان

ولمعت دمعتان في عيني جبلة، ثم انحدرتا حتى توارتا في لحيته، واختلجت شفتاه أختلاجة هم واسى. قال له ضيفه العربي دهشا:

أتبكي يا جبلة وأنت من هذا النعيم فيما لا يخطر على قلب بشر؟!

قال جبلة وقد تتابعت عيناه:

هيهات هيهات يا أخي؛ تمنيت لو لم يكن كل هذا كان وعشت بين العرب واحدا من قومي!

قال صاحبه:

ويلطمك فزارى على انفك فيهشمه كما هشمت انفه!

ويلطمني فزارى على انفي أو يلطمني عمر؛ فذاك اعز لي من شتات داري وجوار غير أهلي. . .

ثم غلبه مدمعه، وحضرته أيشجانه؛ فراح ينشد:

تنصرت الأشرافُ من عار لطمة ... وما كان فيها لو صبرت لها ضررْ

تكتَّنفني منها لجاجٌ ونخوة ... وبعت لها العين الصحيحة بالعور

فيا ليت أمي لم تلدني وليتني ... رجعت إلى الأمر الذي قال لي عمر

وياليتني أرعى المخاض بقفرة ... وكنت أسيراً في ربيعة أو مضر

وياليت لي بالشام أدنى معيشة ... أجالس قومي ذاهب السمع والبصر!

- 5 -

قال عمر، وقد عاد إليه رسوله من القسطنطينية فوصف له ما رأى وما سمع:

رجوت أن يشرح الله صدره للإسلام ويفئ إلى الخير؛ فهلا منيته - لو أناب إلى الله - بأن يكون في الإسلام عزيزا ممتنعا؟

أحسبه - يا أمير المؤمنين - أهلا للإنابة والفئ إلى الله، لو ضمن أن يكون له في الإسلام عرش وتاج، وان يزوجه أمير المؤمنين إحدى بناته ليكون له إلا الإمارة سبب!

فابتسم عمر وقال:

أما صهري فهو - والله - كفء؛ وأما الإمارة فوددت لو أنه علم أنها ليست مغنما يرجى ولكنها تكليف يفدح. اذهب إليه عن أمري فادعه إلى الحضور على شرطه! وعاد الرسول من حيث أتى يريد جبلة في قصره بالقسطنطينية ليبلغه رسالة عمر، ولكنه لم يكد يبلغ حاضرة الروم حتى لقي الناس قافلين من تشييع جنازة جبلة بن الأيهم!

ومات آخر ملوك الغساسنة على الجاهلية وغلبته شقوة الأبد؛ ترفعا بنفسه عن المساواة برجل من قومه!.

محمد سعيد العريان