مجلة الرسالة/العدد 815/الفلسفة لطلاب السنة التوجيهية (6):

مجلة الرسالة/العدد 815/الفلسفة لطلاب السنة التوجيهية (6):

مجلة الرسالة - العدد 815
الفلسفة لطلاب السنة التوجيهية (6):
ملاحظات: بتاريخ: 14 - 02 - 1949



(2) مشكلات الفلسفة (1)

للأستاذ كمال الدسوقي

يعز علىَّ ألا أستطيع أن أحدثكم في (مشكلات الفلسفة) في أكثر من هذا المقال؛ قبل أن يفجأنا الامتحان - لتواجهوه مواجهة الأبطال الكماة - فقد أنسانا حديث ابن سينا مر الوقت أن نذكره؛ وما أكثر ما كنت أحب أن أقول في برتراند رسل! حسبكم في تاريخ حياة هذا الفيلسوف العظيم وفي كتاباته ما جاء بمقدمة الترجمة العربية لكتابه الذي بين أيديكم، فلن تظفروا في حياة فيلسوف معاصر بأكثر من هذا القدر، إذ قلما تعرف أقدار الرجال وهم ما يزالون أحياء؛ وإن كان فيلسوفنا ليرى مجده وعظمته حياً. . .

والترجمة التي لديكم لهذا الكتاب سهلة واضحة الأسلوب لا تخلوا من روح المؤلف في كثير من المواضع، فهي حسنة ومؤدية الغرض، ومُغنية عن النص الأصلي إن لم تجدوه؛ فيما عدا الكثير من الأخطاء المطبعية، وبعض السقطات النحوية التي تداركها من جانب القارئ.

والمحاضرات التي جمعها رسل في كتابه باسم (مشكلات الفلسفة) تمثل بدء اتجاهه المنطقي والمذهبي أولى من أن تعرض صورة ناضجة للمذهب في نموه واكتماله. لأنه من أوائل كتبه الفلسفية. ويمكن جمع مشكلاته تحت رؤوس ثلاثة. فالمحاضرات الأربعة الأولى تعالج فلسفة الوجود، والأربعة الأخيرة تتناول مشكلة الحقيقة ومدى ما تصل إليه المعرفة الفلسفية، والفصول الوسطى - وهى القسم الأكبر - تعرض لنظرية المعرفة بمختلف أنواعها. وليست الأقسام محددة المعالم، بل تختلط فيها هذه المباحث وغيرها اختلاطاً يظهرك على روح رسل الفيلسوف الرياضي المنطقي المجدد. ولتناول هذه المشكلات في سرعة وإيجاز:

في الفصل الأول والحقيقة بين معطيات الحسن والشيء 15 * 32 الطبيعي الحقيقي الذي هو غير ذاتنا، والذي لا يتوقف وجوده على إدراكنا. وأهم ما في هذا الفصل غير هذا تقرير أن الإدراك للمائدة مثلاً لا يتم بالحواس مباشرة، بل هو استدلال واستنتاج نستخلصهما مما نحس؛ وإلا لم نستطيع أن نتصور وجود المائدة ما لم ندركها، وجوع الق ما لم نرها في أمكنة مختلفة (ص 23).

أما الفصل الثاني فيتصدى لبحث وجود المادة، ويأخذ بمنهج ديكارت الذي يبدأ بالشك للوصول إلى اليقين، وبإثبات الذات لإثبات الموضوع إلا أن الذات التي يثبتها ديكارت لا يلزم أن تكون دائمة؛ بل قد تكون الأنا المدرك في لحظة إدراكه. وإذا صح أن أفكارنا ومشاعرنا الخاصة، وكذلك الأحلام والأوهام والإدراكات الحسية العادية هي ما يتصف باليقين الفطري؛ فقد لا تكون هذه رموزاً وعلامات للشيء الطبيعي المراد إثباته. وهنا نقف حائرين مع المؤلف بين نوعين من البرهان: الإدراك العادي البسيط يظهرنا على أن المائدة وغطاءها وأدوات الطعام فوقها ليست مجرد معطيات حس لا حقيقة لها، وحين أشترى المائدة لا أشترى مجموعة معطيات حس صاحبها؛ بل شيئاً حقيقياً. وحين تتفق مجموعة من الناس على رؤية مائدة - مع فارق بسيط - لا يتفقون إلا على وجود حقيقي. . . بينما المنطق يرى أن ليس ما يمنع من افتراض أن العالم يتكون - كما عند بركلي والمثاليين عموماً - من ذاتي وأفكاري وشعوري وإحساسي، وما عدا ذلك فهو وهم وخيال؛ وأن الحياة ذاتها حلم نبدع فيه بأنفسنا كل ما نتمثله أمامنا؛ فقد يكون وجودهم أنفسهم من صنعنا، وهم حلم يتراءى لنا. . . وينتهي هذا الفصل بالأخذ بالإدراك العادي البسيط القائل بالنظرية الطبيعية، ووجود أشياء لا يعتمد وجودها على إدراكنا. ونحن مهيأ ون للاعتقاد بها بالغريزة، ولا أستطيع رفع هذا الاعتقاد حتى يقوم الدليل على خطئه وتناقضه مع غيره. وإذا كان من بين هذه الاعتقادات الغريزية ما هو أقوى، وما هو شبه غريزي دخيل؛ فإن مهمة الفلسفة أن تبحث أيُّ هذه البديهيان والمسَلمات أولى بالقبول أو الرفض أو التعديل. وإلى أن تنهض بهذا التنظيم والفحص النقدي يجب أن نأخذ بهذه المعتقدات في شيء من الحيطة والشك.

وإذ ثبت أن الظاهر الحسي دليل على الحقيقة الموضوعية يشرع رسل في بحث ماهية المادة، فيفند التفسير العلمي الفرضي الناقص من حيث نظرته للضوء والصوت وغيرهما بوصفها حركات تموجية؛ مع أنها في حقيقتها أكثر من هذا: إدراك نحسه بالسمع والبصر ولا نستطيع وصفه أو نقله للأعمى أو الأصم. وينقد كذلك نظرة العلم إلى المكان والزمان العامين المحايدين للشيء الحقيقي (المكان والزمان العام كما يسميهما) بصرف النظر عن مكاننا وزماننا الخاصين كمدركين للأشياء الطبيعية في المكان والزمان العلميين. . . يريد رسل أن يخلص من هذا مرة أخرى إلى توكيد التفرقة بين الشيء الطبيعي في المكان الطبيعي والزمان العام؛ في مقابل معطيات الحس في مواضع مكانية خاصة وزمان تقديري خاص (والأولى منها لا نعرفها في ذاتها؛ بل نعرف نوع تنظيمها نتيجة علاقاتها المكانية)، وإلى تقرير أن هذه الخواص والعلاقات القائمة في مقابل الأشياء الطبيعية ومعطيات الحس هي ما يمكن معرفته؛ أما الماهية فتبقى مجهولة؛ برغم أن معطيات الحس إن لم تكن هي الأشياء الطبيعية على حقيقتها؛ فإنها تشبهها قليلاً أو كثيراً.

أفليس ثمة إذن دليل على أن للمادة الحقيقية التي سلمنا بها. ماهية معلومة؟ يرى الفلاسفة المثاليون - وعلى رأسهم كل موجود فهو عقلي - حتى المادة ذاتها - ويدفعون عن مذهبهم بأدلة مستمدة في معظمها من نظرية المعرفة والشروط التي يجب توافرها في الأشياء لنعرفها. وعندهم أن وجود الشيء هو إدراكه، وحين يقال لهم إن الأشياء توجد حتى ولو لم ندركها حينئذ، وهو سر وجودها. فما يسميه رسل (الشيء الطبيعي) هو عندهم (أفكار في عقل الله) وما يسميه معطيات الحس هو مشاركتنا نحن الجزئية في هذه الأفكار. ويأخذ رسل على هذا المذهب (ويحسن أن ترجعوا إلى مذهب بركلي على الأقل لتقفوا على نموذج من المذهب المثالي في مصادره):

1 - أن الذي في عقولنا هو فكرة الشيء لا الشيء نفسه.

2 - يثير بركلي مشكلة أخرى هي: ما يعرف مباشرة يجب أن يكون في العقل؛ بدلاً من مشكلته: وجودالشجرة ولو لم ندركها.

3 - فكرة المائدة مثلاً يمكن تحليلها إلى فعل إدراك (هو عقلي لا شك) وشئ مدرَك (لا يمكن أن يكون عقلياً بحال). وبالجملة يرى رسل أن بركلي قد خلط بين الشيء موضوع الإدراك وفعل الإدراك ذاته، وأخذ كلمة فكرة بمعنى الأشياء المدركّة، فجعل المدرك والإدراك شيئاً واحداً؛ بينما التميز بينهما ضروري، لأن قدرة العقل إنما تقوم في تحصيل معرفة خارج ذاته؛ أي إدراك ما ليس بعقلي. فهو قد أخطأ في الشكل والموضوع. أما النظرية التي تقول إن ما يثير أهمية لدينا لا يمكن أن يكون حقيقياً، وبالتالي لا يمكن أن نعرف أنه يوجد شيء نحن لا نعرفه؛ فهي نظرية واضحة البطلان تقوم على الرغبة والمنفعة وتفترض أن المادة ما لم تكن مكونة من عقول وأفكار عقلية فهي أمر مستحيل ووهم مجرد. وينتهي رسل هنا إلى تحليل ألفاظ الفعل (يعرف) في لغات مختلفة ليخلص من ذلك إلى نوعية من المعرفة: معرفة الحقائق والمعرفة المباشرة.

وبذا نكون قد وصلنا إلى القسم الثاني في مشاكل المعرفة وهو أهم أقسام هذا الكتاب؛ والمعرفة فيه نوعان. معرفة أشياء ومعرفة حقائق: أما الأشياء فمنها ما نعرفه مباشرة بإدراك الشيء بلا واسطة من عملية استدلال أو حقائق معلومة؛ كمعطيات حسنا عن المائدة من لون وشكل وصلابة. . وما نعرفه بالوصف للمائدة ذاتها كشيء طبيعي يُسبب معطيات الحس السابقة؛ وصف لحقائق شيء غير معلومة لدينا ماهيته على الإطلاق. فما نعرفه مباشرة من الأشياء الجزئية هو في الدرجة الأولى (معطيات الحس) ولكن لابد من معرفة الحقائق المجردة التي تسمى كليات:

2 - فهناك الذاكرة مصدر كل معرفة بالماضي.

3 - وهناك ثانياً التأمل الباطني والشعور الذاتي بالفاعلية الشخصية ثم بفاعلية الآخرين قياساً عليه ـ مما لا يوجد لدى الحيوان؛ أي الشعور بالذات العارفة المدركة في مقابل ادراكاتها الخارجية - مهما كانت الذات متغيرة - شعوراً مباشراً (الفقرة الثالثة ص 46 في غاية الأهمية في تلخيص هذا).

4 - وأخيراً المعرفة المباشرة للكليات والأفكار العامة. أي التطورات الذهنية للمدرك الكلي.

أما الأشياء الطبيعية فنعرفها بالوصف، ومن الوصف ما هو غامض مثل رجل، وما هو محدود مثل: الرجل ذو القناع الحديدي. أما الغامض فيسقطه رسل ويطلق كلمة الوصف على المحدد من نوعيه عموماً. وحينئذ يطلق الوصف ويراد به المفرد (هذا الشيء الفلاني) وتذكر له وحدة خاصة معينة يتميز بها دون أن يُعرف مباشرة من هو (الرجل ذو القناع أو المرشح الفائز؟). ومن الأوصاف الأعلام والكلمات العامة حين لا نعبر بها صراحة، حتى تختلف بين الأشخاص، ولدى الشخص في أوقات مختلفة (في ص 49: حكم بسمارك على نفسه معرفة مباشرة بالتأمل المذكور قبلا، وحكم صديقه عليه مزاج من معرفة مباشرة لمعطيات الحس في ارتباطها بأوصاف جسمه وعقله التي يعرفها فيه كشيء طبيعي يدرك بالوصف، ومعرفتنا نحن له وصفية صرف هي شهادة الغير والتصورات الجزئية والأحكام الكلية والتاريخية عليه). لاحظوا أننا هنا نبتعد عن المعرفة المباشرة ونوغل في المعرفة بالوصف على درجات أربع:

1 - فبسمارك الذي عرفه الناس بطرب من معرفة الناس المباشرة لشخص آخر (معرفة مباشرة رقم 3)

2 - وبسمارك الذي عرفه الناس من التاريخ فقط لا نزال نعرف من هو.

3 - والرجل ذو القناع الحديدي لا نعرف من هو، ولكننا نستطيع أن نستخلص من صفته هذه أحكاماً كثيرة.

4 - والرجل الذي عاش أطول مدة - لا يعرف عنه أكثر مما يتضمن هذا الوصف.

وللكليات تسلسل يشبه تسلسل الجزئيات هذا، والمهم هو مبدأ تحليل القضايا الوصفية: (كل قضية في مقدورنا أن ندركها يجب أن تتكون كليتها من مجموعة مكونات نعرفها مباشرة) أي أن يكون معنى الحدود التي نستخدمها في القضية نعرفها مباشرة (مثال يوليوس قيصر). وللوصف أخيراً أهمية تمكيننا من تجاوز حدود تجربتنا الخاصة ومعرفة الأشياء التي حال ضيق التجربة المباشرة دون إدراكها.

أما الاستقراء فتتخلص مشكلته في إمكان التوسع والتعميم وبالتالي التنبؤ بالأحداث المقبلة، وتوقع أن وجود (أ) يستتبع دائماً وجود (ب) المرتبطة بها في تجربتنا (شروق الشمس غداً، سقوط الأجسام بفعل قانون الجاذبية. . .) فإن وجود شيئين في وقت واحد بصورة مطردة سبب كاف لتوقع وجوداً أحدهما متى وُجد الآخر في مناسبة تالية - أي أن كل علة تحدث نفس المعلول عن العلة مستقبلا يجعل هذا المبدأ موضع شك. أما القوانين الطبيعية (كالحركة والجاذبية) فيطرَّد وقوع الحوادث فيها بلا تخلف، ومهمة العلم أن يكشف عن هذا الاطراد في وقوع الأحداث الطبيعية والتنبؤ بالمستقبل على أساس الماضي، ما دام أن هذا الماضي مستقبل تحقق فعلا. ومبدأ الاستقراء بشطريه اللذين ورد ذكرهما 58 وتعديلهما ص 59 يفسران بوضوح هذه الفكرة. وعليكم أن تفهموا بعد هذا أن مبدأ الاستقراء قد يبرهن عليه بالتجربة الماضية، ولكنه هو الذي يبرر لنا الاستدلالات المقبلة، بمعنى أن ما سبق امتحانه من الأمثلة يصل بنا عن طريق الاستقراء إلى مبدأ عام يتولى هو البرهنة على ما لم نمتحنه بعد. فالاستقراء انتقال مما امتحناه إلى ما لم نمتحنه، والمعرفة التي تظهرنا بالتجربة الماضية على شيء لم يحدث من التجربة بعد هي اعتقاد لا نؤيده ولا نرفضه، ولكنه متأصل في نفوسنا بهذه التجربة.

وإليكم المبادئ العامة الأخرى التي تخلص لنا بالاستدلال من المحسوسات، والتي ليس لها من اليقين إلا ما نستمده من التجربة أيضاً، والتي حين تبرهن التجربة على يقينها وصحتها تصبح هي مبدأ يبرهن به عن طريق الاستدلال منه. هذه المبادئ من الوضوح لدرجة أنها تقوم في أساس كل استدلال عقلي، فلا مجال للشك فيها، لأنها تقوم في العقل كبديهيات مسلم بها. وأهم هذه المبادئ ما يسميه المنطق: قوانين الفكر الثلاثة:

قانون الذاتية ورمزه: أليس (ب).

قانون التناقض ورمزه: أليس (ب) و (لا - ب) في وقت واحد.

قانون الثالث المرفوع ورمزه: (أ) إما (ب) (أو لا ب).

وكذلك المبدأ المنطقي: ما ينتج عن مقدمات صادقة فهو صادق، ولا يقتصر الأمر في هذه المعارف الأولية على مبادئ المنطق، بل يوجد في الرياضيات مثلا البديهية التي تقول: المساوي لأحد المتساويين يساوى الآخر، ورمزها: أ=ب، ب=ج ? أ=حـ؛ وفي الأخلاق المبدأ الذي يقول: الإنسان ينشد السعادة ويتجنب الألم؛ وفي الاقتصاد المبدأ القائل: الإنسان يسعى بفطرته لخير نفسه. . . فكل هذه مبادئ لا نستنتجها من الأمثلة، بل نوضحها بذكر أمثلة لها، فهي أولية عقلية غير مأخوذة من التجربة، بل موجودة في العقل كبديهيات

وبالجملة يجب أن تفرقوا بين أحكام كلية تركيبية هي في أصلها تعميمات تجريبية (كل إنسان فإن) ومبادئ أولية عقلية غير مستنتجة بل موجودة أصلا في العقل (كمبادئ الهندسة والأخلاق والاقتصاد والمنطق التي ذكرنا). أما الأولى فنحصلها بالاستقراء الذي هو تعميم وانتقال من جزئيات إلى كلى أعم واشمل، وأما المبادئ العامة الكلية فقد تكفل بتفسير وجودها. في أذهاننا (كانت) الألماني حين ميز بين قضايا تحليلية وأخرى تركيبية؛ الأولى فطرية هي بمثابة قوالب في الذهن أولية وسابقة قبلية (ومن الخير هنا أن ترجعوا إلى نظريتي هيوم وكانت من الفصل الثامن وخصوصاً في تفرقة كانت بين الشيء في ذاته والظاهرة، والفرق بينهما وبين الشيء الطبيعي ومعطيات الحس عند رسل في الفصول السابقة).

ولن يعسر عليكم بعد هذا متابعة رسل في تفصيله القول في (عالم الكليات) وتطوره في تاريخ الفلسفة، ثم في (معرفتنا للكليات) مباشرة وبالوصف، ولكن يفيدكم كثيراً الوقوف عند صفحتي 93، 94 وتلخيص ما جاء فيهما في جدول عام شامل لتقسيم أنواع المعرفة عند رسل؛ على نحو يتبين لكم منه بسهولة ما كان يتحدث فيه كذلك ما سيحدثكم عنه بعد من معرفة الحقائق الواضحة بالذوق في بقية الكتاب.

كمال دسوقي