مجلة الرسالة/العدد 817/طرائف من العصر المملوكي:

مجلة الرسالة/العدد 817/طرائف من العصر المملوكي:

ملاحظات: بتاريخ: 28 - 02 - 1949



الروح القومية

للأستاذ محمود رزق سليم

الروح القومية عاطفة عامة، وإحساس مشترك بين بني الوطن الواحد، تشعرهم بأنهم مجموعة من الناس، من الخير لهم أن يأتلفوا ويتحدوا، ليكون لهم من وراء ذلك قوة يستطيعون بها أن يتغلبوا على صعاب الحياة وعقباتها، في الداخل والخارج، وتحدد لهم أهدافاً خاصة يرون فيها حفظاً لكرامتهم، وإحقاقاً لحقهم، وتغذية لنزعاتهم، وإقراراً لآمالهم.

ويتركز حب هذه الأهداف في نفوسهم تركز العقيدة، إيماناً بها وإيثاراً لها. لذلك يسعون جاهدين في سبيل بلوغها، مضحين بكل مرتخص وغال، من رأي ونفس ومال.

والروح القومية في الأمة مثلها مثل الكائن الحي، يولد ويتغذى وينمو ويقوي ويعمل ويوجه. ولها عوامل لميلادها وغذائها ونموها وقوتها، كما أن لها عوامل مضادة مناقضة، إذا هي صادفتها أضعفتها، وكبتها وأماتها.

وعوامل نموها وقوتها كثيرة متعددة لا مجال لحصرها والحديث عنها الآن، ولا لتوضيح أثرها؛ ولكننا نذكر أن من بينها اتحاد أبناء الوطن قي الوطن واتفاقهم في الجنس واللغة والدين وتجانسهم في الثقافة وتعرضهم لعوامل اقتصادية مشتركة أو لأخطار خارجية أو داخلية متشابهة، وكذلك قيام أفذاذ الرجال من بينهم وقادة الفكر الذين ينزعون نزعة وطنية خالصة من الشوائب، فيوقظون وينبهون ويحمسون ويوجهون، ويضرمون نار البعث والنشور، حتى تفيق الأمة من سباتها، وتتنبه من غفلتها، وتعرف لنفسها كرامتها وحقها، وتسعى لإدراك آمالها.

ومن عوامل لإضعافها تتابع الغارات الخارجية وطول العهد بالاستعمار، وضعف الثقافة واضطرابها، وانتشار الأوباد واستبداد الولاة ونحو ذلك.

وبمقدار ما يتاح للأمة من عوامل القوة، تذكو فيها الروح القومية، وتنشط النزعات الوطنية، ويقوى الرأي العام، ويفرض مناهج الأمة في السياسة والإدارة والاقتصاد والتعليم والأوضاع الاجتماعية، وغير ذلك.

وبعد فهل كانت بهذه البلاد المصرية العزيزة إبان العصر المملوكي روح قومية ونزعات وطنية ترمي إلى المحافظة على الكرامة العامة، ورعايةالحقوق؟ وإذا كانت هناك روح، فما مظاهرها وما عوامل حياتها؟ وإن لم تكن هناك روح، فما الأدلة على ذلك، وما الأسباب التي وجهتها الأقدار سهاماً إلى هذه الروح، فقضت عليها؟

الحديث في ذلك يطول، لا يستوعبه مقال واحد؛ إذ البحث فيه يتطلب النظر الطويل في التاريخ وفي النظم الإدارية والأحداث الاجتماعية، وفي أنواع الثقافة وأصباغها، وتتبع نزعات العامة، وتلمس مصادفاتها التي تخرج فيها عن وقارها، وعن حياتها الآلية العادية، في تلك العصور الوسطى التي امتحنت فيها الأمة بطغيان سلاطينها واستبداد أمرائها وعبث جندها وتراخي كثير من علمائها عن إصلاح إدارتها.

لقد انضوت مصر تحت اللواء العربي، واندمجت في نطاق الأمم العربية، بعد الفتح العربي. ولا غضاضة على روحها القومية من هذا الانضواء والاندماج، ما دامت قد رأت في الإسلام عدالة فياضة، ومساواة كاملة، وأخوة نقية، وأنست في الحاكم الإسلامي رعاية عامة ونزاهة تامة، وتسامحاً كريماً، وحباً للخير.

ولكن جرت الأحداث في الدول الإسلامية، بعد، على غير ما يشتهي الإسلام، فانساقت مصر إلى الانفصال والاستقلال وأخذت سمتها نحوهما، واستردت روحها القومية حريتها في الظهور والعمل.

وبدأ ذلك بدءاً جميلا منذ العصر الطولوني، وما زال حتى كان تمهيداً حسناً للعصرين الفاطمي والأيوبي اللذين استقلت فيهما مصر استقلالا كاملا أكثر من ثلاثة قرون، وغزت جنودها باسمها في البلاد المجاورة وفرضت سيطرتها، وحملت أعباءها كاملة إبان الحروب الصليبية.

فلما آلت سلطنة مصر إلى حكم المماليك وجدوا فيها أمةمستقلة غازية حاكمةاتسعت رقعة مملكتها خارج حدودها، وعنيت بنشر ثقافتها عناية محمودة، فوجدوا من هذا، الأساس الوطيد لبناء مجيد.

وكنا نرجو لو أن المماليك نهجوا في سياستهم الداخلية منهجاً يرمي إلى إعزاز الشعب وإنهاضه، والسمو بمستواه الروحي، واتبعوا إزاءه هذا النهج الحميد الذي اتبعه وإلى مصر ومحييها الكبير محمد علي، بعدهم بنحو ستة قرون. . إذاً لاستطاع الشعب المصري أن يغير وجه التاريخ، وأن يفرض سيادته - على الأقل - على هذه الرقعة الواسعة من غرب آسيا أكثر مما فرض. ولتحققت لمصر على يدهم، أحلام محمد على، الذي صادفته عقبات لم يكن لها وجود في العصر المملوكي، كأتمار الدول الأوربية به، ووقوفها سداً منيعاً وعصبة واحدة في سبيل توسعه. ولكن المماليك تجاهلوا الشعب وأنكروا مواهبه وتناسوا حقوقه، وفرضوه بقرة حلوبا تدر لهم وهم ملاكها.

حقا! قد كونوا لأنفسهم جيشاً عظيما كثيفا مزوداً، حفظوا به كيان دولتهم وفرضوا مهابتها ووسعوا رقعتها، وحكموا به فيما حكموا البلاد الشامية والحلبية والحجازية، حتى أصبحت سلطنتهم أقوى سلطنات المسلمين شرقاً وغرباً. وفي هذا ما فيه من إعزاز لمصر، وتقوية لمعنوياتها، وتنشيط لروحها.

غير أنهم خلطوا عملا صالحاً وآخر سيئاً، وراشوا للروح القومية سهاماً قاتلة جديرة بالقضاء عليها، قمينة بأن تورث في النفوس ضعف الثقة بكفايتها، والارتياب بمواهبها، والشك في نباغتها.

لقد كان منهم الجافي الطبع الكثير الصلف، المتتابع الجور السريع إلى تقرير الضرائب الفادحة، العاجل إلى المصادرات الظالمة، المبالغ في فرض الغرامات المالية والعقوبات.

حقاً كان السلاطين والأمراء في طليعة ملوك الإسلام وأمرائه احتضاناً لشرعه، وتشجيعاً للعاملين على نشر سننه، واحتفاظاً ببلاده. ولقد احتضنوا الخلافة بعد زوالها من بغداد، فجددوا لها شباباً، وألقوا عليها ثياباً، وأنشئوها نشئاً آخر منذ عصر الظاهر بيبرس. وهي على علاتها قد جعلت القاهرة - فيما جعلها - رمزاً ومحوراً تطيف به قلوب المسلمين.

ولكننا لا ننسى أنهم كانوا يباينون أهل البلاد وعامة شعبها في اللغة والجنس، ولم يحاولوا السير خطوة واحدة في سبيل محو هذه الفوارق الأصلية الجوهرية، التي من شأن بقائها وطول قيامها أن تصيب الروح القومية في الصميم، وتعمل على هدم الكيان الوطني، والفرقة بين عناصر الأمة.

بل لا نغلو إذا قلنا إنهم بكثير من تصرفاتهم، وبألوان من فهمهم السقيم قد زادوا هذه الفرقة وعملوا على هذا الهدم.

ونقصر حديثنا هنا على ثلاثة عناصر ذات مساس مباشر بالنواحي المعنوية في النفوس، مبعث الروح القومية الصحيحة، وهي ملكية الأراضي الزراعية، والجندية، والتعليم.

أما ملكية الأراضي الزراعية فقد حرموها على أهل البلاد، وقصروها على الطبقة الحاكمة، وهي المكونة من السلطان وأمرائه وجنودهم، ولعل لهم عذراً إذ وجدوا مثل هذا النظام الإقطاعي كان قائماً من قبلهم في عهد بني أيوب وغيرهم، وقد قسموها على أنفسهم، واتبعوا في تقسيمها أحد نظامين يسمى كل منهما (الروك) وهما الروك الحسامي نسبة إلى ملك مصر حسام الدين لاجين، والروك الناصري نسبة إلى ملك مصر الناصر محمد بن قلاوون.

والنظام الناصري هو الذي اتبع في أكثر أعوام العصر. ويتلخص في أن الأرض الزراعية تقسم إلى أربعة وعشرين قيراطاً. . للسلطان منها عشرة، وللأمراء والجنود أربعة عشر. ويختلف عنه النظام الحسامي في نسبة الأنصبة.

ثم قسمت الأراضي إلى قطع ذات مساحات مختلفة، كل منها يسمى إقطاعاً. يهب السلطان منها ما يشاء للأمراء والجنود في حدود النسبة المبينة المتفق عليها. والإقطاعات لا تورث بل ترد إلى السلطان بموت أصحابها. وكذلكيستردها السلطان إذا شاء لسبب من الأسباب، أو يستبدل بها غيرها.

وصاحب الإقطاع يستغل أرضه وينتفع بثمراته كما يشتهي وفق هواه، مستعيناً بمن يسكن في الإقطاع من الزراع.

ونحن لا نريد هنا أن نفيض في وصف تلك النظم الشائنة. وإنما همنا أن نشعر القارئ الكريم بما كان يعانيه المواطن المصري، وبخاصة الزراع؛ فقد حرم عليه أن يملك أرضاً ولد فيها جده وأبوه، وبنياته وبنوه، ووهب لها كل ما في قلبه من حب، وما في جسده من قوة. ثم هو لا ينتفع بشيء من غلاتها يتناسب وما يبذل في سبيله من جهد وكد وكفاح وعرق. فأية غضاضة ترين على نفسه وأية مرارة تفيض على فؤاده، وأي ضعف ينتاب روحه، وأي وهن يصيب معنوياته حينما يشعر بما يعانيه من حرمان وقسوة وشظف عيش. . .؟

لقد عرف الزارع حينذاك بأنه (فلاح). فقد قال المقريزي ما نصه: (ويسمى المزارع المقيم بالبلد (فلاحاً) قرارأً، فيصير عبداً قناً لمن أقطع تلك الناحية، إلا أنه لا يرجو قط أن يباع ولا أن يعتق، بل هو قن ما بقي، ومن ولد له كذلك).

وقد لبث الفلاح المصري محروما ملكية أرض بلاده الزراعية والانتفاع الحر بثمراته، حتى صدرت لائحة الأراضي في عهد سعيد باشا، فأباحت له الامتلاك والانتفاع، لأول مرة.

أما الجندية والتعليم فقد سبق لنا أن أشرنا إليهما في بعض هذه المقالات. ولقد كان بالبلاد نوعان من التعليم: عسكري وشعبي. أما التعليم العسكري فقد كان مقصوراً على طائفة المماليك دون سواها لكي تتكون منها جنود الدولة والطبقة الحاكمة من أمراء وسلطان. وكان المدد التقليدي لها، المماليك الجدد الطارئين على البلاد أرقاء من الأسواق الخارجية. ولا يسمح لأي فرد من أفراد الشعب بالانتظام في سلك الجندية، ولا أن يتعلم في طبقاتها. كأن المهارة العسكرية وقف على طائفة المماليك دون سواهم، وموهبة خاصة خلقتها العناية فيهم. وفي هذا ما فيه من إضعاف للروح القومية، وقتل للثقة بالنفس، فكنت ترى الشعب وكأنما استقر في أفئدة أبنائه أنهم لا يصلحون لحرب أو ضرب، وأنهم غير أكفاء للدفاع عن أنفسهم ووطنهم.

غير أن من الإنصاف أن نذكر أن الوطني المصري الصميم لم ينعم بالانتظام في مسلكالجندية ببلاده منذ زمن بعيد جداً، قد يصل إلى ما قبل العهد الروماني، ولم يرد إليه هذا الحق الطبيعي إلا منذ النهضة الحديثة في عهد محمد علي.

أما التعليم الشعبي فكان في جماع أمره دينياً ومكانه المساجد وما شابهها من دور التعليم. وقد أغدق عليه السلاطين إغداقاً محموداً وعنوا به عناية مذكورةمشكورة، وكذلك فعل الأمراء والرؤساء.

وقد وجد الشعب في هذا الضرب من الثقافة شيئاً يعوضه ما حرمه من التعليم العسكري، فكان فيه متنفس لمواهب أبنائه. ومن حسن الحظ أن طائفة المماليك لم تشارك الشعب في الأخذ من هذه الثقافة بنصيب إلا لماماً لماماً - وقد يكون هذا من سوء الحظ كذلك - فاتسع نطاق العمل أمام أبنائه الذين يتخرجون في هذا التعليم الشعبي الديني، وسموهم المتعممين، ووكلت إليهم مناصب القضاء الشرعي، والكتابة، وما إليهما من الأعمال.

وأهم ما يشوب هذا الضرب التعليمي أنه كان يقدم إلى الشعب صدقة عليه وإحساناً، لا على أنه حقه يؤدي إليه.

ومهما يكمن شيء فاختلاف الثقافة هذا الاختلاف الصارخ بين العنصرين، وحرمان الشعب من التعليم العسكري - فضلاً عن الاختلاف في اللغة والجنس - كان له أثره في شجب هذه الأمة والتفريق بين طوائفها، وخلق جو من الشقاق والحقد والشك بينها.

وهذه العوامل كلها من دأبها أن تشيع الغربة بين طبقات الشعب، وأن تسلط بعضها على بعض، فيستأثر البعض بالنعيم والسلطان، ويبوء الآخر بالفقر والحرمان. ولا يتحقق بينهم معنى التعاون الصحيح الناشئ عن الشعور العميق بالواجب ومقتضياته. ولهذا يروي ابن إياس أن الشعب امتنع عن دفع الضرائب للأشرف طومان باي سلطان مصر حين الفتح العثماني مع حاجة هذا السلطان الشديدة إلى الضرائبالمذكورة. وكانت حجة الممتنعين أنهم لا يدرون حينذاك لمن البلاد! أللمماليك هي أم للعثمانيين الغازين؟ فهم ينتظرون ريثما ينجلي القتال ويعرف ولي أمر البلاد الشرعي، فتؤدي إليه الضرائب. . .

على أن جميع العوامل التي انتابت الأمة المصرية في ذلك العصر، لو انتابت أمة غيرها لقضت عليها القضاء الأخير، وشتت شمل بنيها، وفرقتهم أيدي سبأ، ولعانى الزمان معجزة إذا هم بجمع شملها ولم شعثها مرة أخرى.

ففي بقاء هذه الأمة، وفي حرصها على الذود عن كرامتها، والدفاع عن حقها، والسعي لإدراك أملها، ما يدل دلالة واضحة على مذ خورها العظيم من القوى الروحية والمقومات المعنوية.

وقد بدت منها هذه الروح في عصر المماليك في مناسبات كثيرة ومظاهر جمة. وأبرز تلك المظاهر هذه المكانة التي تبوأها علماء الدين وفقهاء الشريعة. فقد كانوا من صميم الشعب وناشئته وآلت إليهم - كما نوهنا - مناصب والكتابة والتدريس والفتوى ورعاية الوقف وأموال اليتامى وما إلى ذلك، فأصابوا حظاً وفيراً من الفقه والعلم والدين والمال جميعاً، أنبت في نفوسهم عزة ومنعة، وفي أفئدتهم أنفة وإباء، فكان كثير منهم يتأبى إلا على الحق، ويترفع إلا عن العدالة. وكانوا بطبيعة نشأتهم، وبطبيعة عملهم الرسمي وغير الرسمي، ألصق بالشعب وأدنى صلة به وأكرم هيمنة عليه، وأقدر على التأثير فيه. ولهذا خشيهم السلاطين وتملقوهم لكي يدرءوا عن أنفسهم مغبة سخطهم، ورحبوا بالوافدين منهم الأمصار الإسلامية، الفارين من وجه، الطغاة والغزاة ببلادهم. وأخذوا يستشيرون النابهين منهم في كثير من أمور الدولة، وبخاصة إبان الأزمات.

ومنهم عز الدين بن عبد السلام الملقب بسلطان العلماء، كان ذا مهابة وجلال، توقف عن مبايعة الظاهر بيبرس بالسلطنة، فعطلت المبايعة حتى ثبتت له عتقه. ومنهم أمين الدين يحيي الأقصرائي الذي كف يد قايتباي - على قوته وجبروته - عن المساس بمال الوقف، وقد أراد الاستيلاء على شيء منه للأنفاق على حروبه، ولهذه الحادثة أشباه.

على أن العلماء أنفسهم كانوا لا ينون يبذلون البذل الشديد والجهد الجهيد في نشر الدين القويم بين الناس، وبث الشريعة السمحة، والدعوة إلى العمل بها واتباعها، وتميز الحلال من الحرام، فقعدوا للتدريس العام في المساجد، وتصدوا للفتوى العامة، يقصدهم من أجلها القصاد، ويراسلهم بها المرسلون من فجاج العالم الإسلامي، فنهضوا بهذا العبء أفضل نهوض، وجرى الجدل بين بعضهم والبعض بسبب هذه الفتاوى والمساءلات. والعامة تترقب نتيجة الجدل وعاقبة النقاش، وتتعصب للبعض على البعض، وتتحيز لفريق دون فريق، فكان من وراء ذلك حركة ذهنية فكرية لا بأس بها ذات مساس بالعقيدة، ووجد الناس فيها عوضاً عن هذا الكبت السياسي، وبديلا من هذا الحرمان العسكري، ومتنفساً عن هذا الاختناق.

ومن المظاهر الحية لتلك الحياة الفكرية المحاكمات التي جرت على بعض العلماء المجهدين - كابن تيمية الحراني وتلميذه ابن القيم - بسبب بعض آرائهما وأدى ذلك إلى سجنهما واشترك في الجدال عدد جم من أفاضل علماء العصر، وألفت في موضوعاته شتى الرسائل والمؤلفات.

وفي عهد الأشرف قايتباي قامت فتنة كبرى بين العلماء وتابعهم فيها العامة، واشترك في لجتها العلماء. وكانت بسبب الشاعر الصوفي عمر بن الفار - أحد شعراء العصر الأيوبي - وما ساقه من ألفاظ وعبارات في تائيته المشهورة، مما رمزبه إلى الذات الإلهية. فكفره بعضهم ونسبة إلى الحلول، وأعتذر له البعض بضيق اللغة عن أداء معانيه النفسية، وكانت ضجة كبرى ضلت زمناً، وألفت فيها الرسائل والمقالات والبحوث والأشعار، وأوذي بسببها بعض العلماء، حتى حسمها السلطان بفتوى كتبها شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، وكانت في صالح ابن الفارض.

وإذا علمنا أن الدول الإسلامية في تلك العصور كانت تقوم على أساس من الدين متين - والدين أهم دعائمها - تبين لنا خطر مثل هذه الفتن والمشكلات، وفهمنا أنه تمت بصلة ما إلى سياسة الدولة وعقلية الجماهير ومشاعرهم.

من هذه الحوادث وأشباهها نستدل على أن روحالمعارضة والإقدام على النقد كانا على ضرب من الحياة محمود، والنقد والمعارضة الصالحة بعض مظاهر الروح القومية ومقومات الرأي العام

وقد سبق لنا في إحدى هذه المقالات أن تحدثنا عن النقد الاجتماعي وبينا كيف تناول كثير من الأدباء والشعراء الحياة الاجتماعية بالنقد المرير السافر، فنقدوا الأسرة ونظامها وعلاقات أفرادها بعضهم بالبعض، والنظام الإداري وما فيه من فوضى واضطراب وقلق وسرقات وادعاءات ورشوة ومحاباة وظلم وما بين طوائف الأمة المختلفة جنساً ولغة وديناً من أحقاد وأحن. وقد مزح بعض الشعراء نقده اللاذع بالتورية والفكاهة والدعابة فخرج مخرجاً كيساً مقبولا.

والحق أن الشعب المصري كان - على علاته - ذا إحساس سياسي ناقد عجيب، شارك به في حادثات بلاده على اختلاف ألوانها. يبدو لنا ذلك مما يقحمه بعض المؤرخين - كابن إياس - من العبارات في ثنايا روايتهم التاريخية كقولهم في سياق حادثة ما:

و (كثر القيل والقال) و (أرجف الناس) و (فأشيع بين الناس) و (فضج الناس له بالدعاء) إلى نحو ذلك من العبارات. وأذكر أن ابن إياس قال في إحدى عباراته ما مؤداه: (إن أهل القاهرة ما تطاق ألسنتهم، ويل لامريء تقع عيونهم منه على مذمة) هذه العبارات وأشباهها تشعرنا بوجود ذلك الإحساس الذي أشرنا إليه، وإن كانت ساذجة غامضة. غير أن هذا الإحساس لم تتح له حرية كافية للظهور والعمل خوفاً من المستبدين الطغاة، ولم ينضج نضوجاً كافياً يسمو به إلى تكوين رأي عام له أثر في سياسة الدولة وإرادتها.

على أن التاريخ يحدثنا أن الشعب كثيراً ما نهض إلى معونة حكامه في حروبهم الخارجية، وقدم إليهم ما طلبوا من الدواب والغلال والمال، ولم يتأب كثيراً على الضرائب التي يفرضونها عليه، ولكنه كان يتأبى عليها ويقاومها إذا كانت فادحة ظالمة. ومثال ذلك ما حدث في عهد الأشرف الغوري، فقد فرض ضريبة جائرة ضج لها الناس وثاروا في وجه نائب سلطنته وغيره من الأمراء، وعرضوا لهم في الطريق ورجموهم بالحجارة، فأعمل المماليك فيهم السيف وقتلوا منهم وأثخنوا فيهم.

والذي نحب أن نخلص إليه - ما سبق أن نوهنا به - وهو أن هذا الشعب المصري الكريم - على علاته - تكمن فيه روح قومية فطرية قويمة سليمة تحتاج إلى ما يظهرها ويحسن توجيهها ويسير بها في الطريق السوي بما يعود بالنفع والعزة لهذا الوطن الكريم.

محمود رزق سليم

مدرس الآداب بكلية اللغة العربية