مجلة الرسالة/العدد 821/حول الفكر العربي:

مجلة الرسالة/العدد 821/حول الفكر العربي:

ملاحظات: بتاريخ: 28 - 03 - 1949



الغرض من دراسة الفكر العربي

للأستاذ عبد العزيز محمد الزكي

- 2 -

إن كانت نهضتنا الثقافية تحتاج إلى تقوية شخصيتنا العربية، عن طريق تجسيم المبادئ الإسلامية في ظروف الحياة العصرية، فإنها تحتاج كذلك إلى أن يضع العرب أيديهم على مواضع عبقريتهم التي لمستها الحضارة الغربية، ومحت معالمها الأصلية التي لن تتضح إلا إذا لجأ العرب إلى دراسة تراثهم الفكري الذي يعتبر الوثيقة الصادقة الوحيدة التي يختبئ في ثناياها سمات النبوغ العربي، وقدراته الفذة، والذي يسوق البحث فيه إلى معرفة اتجاهات هذا الفكر التي إذا أتيح لها فرص القيام بالأعمال التي تلائمها، وتتمشى مع نوازعها، مهرت في أداء كل ما تكلف به، وأظهرت براعة في كل ما يطلبه منها من واجبات سواء أكانت قومية أم دولية. ولذلك يجب على كل من يشتغل بالفكر العربي من العرب أن يراعي هذه الحقيقة، ويضعها نصب عينيه، ولا يقف عند حد تحليل العلوم العربية وفنونها، وإنما يجب أن يتعدى مثل هذه الأبحاث، ويرمي إلى إبراز مؤهلات العقلية العربية وكفاياتها، ويهدف إلى رسم الطرق التي تصمم أسس ثقافات جديدة تتفق مع روح المدينة الحديثة، وتحقق للعرب مآربهم في الحياة، ولا ينبغي لأحد من العرب أن يحاكي المستشرقين في دراستهم للفكر العربي.

لاشك أن المستشرقين هم رواد الباحثين في الفكر العربي، وإن كنا نقدر هذا السبق إلا أنهم لم يوجهوا البحث فيه وجهته الصحيحة، وذلك لأنهم ما أقبلوا على دراسته في أول الأمر إلا بتأثير نوعين من البواعث: أولهما حب الاستطلاع ومعرفة مدى ما وصلت إليه الثقافة العربية من رقي، في وقت كان الغرب يعيش على الفطرة، فبعثت دراستها في نفوس الغربيين الحسد والغيرة من تلك الثقافة التي اعتمدوا عليها في غذائهم الروحي فترة طويلة من الزمن، وأثارت الحقد على حضارة فشلت حملاتهم الصليبية في القضاء عليها، فحاول المستشرقون الحط من قيمة هذه الثقافة بالتشكيك في استعدادات العرب العقلية. والباعث الآخر لا يخرج عن دوافع استعمارية سعت عن طريق الثقافة، كما سعت عن طريق غيرها من الوسائل: تحطيم روح أمة لم تتهاون في مقاومة المستعمرين؛ وقصدت إخضاع العالم العربي بإضعاف الثقة في مقوماته العقلية وإشعاره بحاجته إلى غيره من الأمم الناهضة، فيضطر إلى أن يخضع ويقبل سيطرة الغرب، ويذعن لسيادته. فلا عجب إذاً من تحامل المستشرقين على العرب، ولا غرابة إذا زعموا أن العقلية العربية عقلية ساميَّة قاصرة عن الخلق، عاجزة عن استنتاج المعاني المجردة، غير قادرة على تجاوز الجزئيات المحسوسة، أو إذا ادعوا أن العرب استمدوا علومهم وفلسفتهم من قدماء اليونانيين الغربيين، ولا فضل لهم فيما عرفوه من فنون وآداب ومدنية، فإن معظمها مأخوذ من الفرس والهنود.

ولكن لما أخذت النزعة الاستعمارية تخف باستمرار مقاومة العرب لقوى الاستعمار، ومناهضة الآراء الاستعمارية، ومحاولتها الدائمة لرفع مستواهم المعنوي والمادي، وإظهار قوة مواهبهم، وقدرتهم على مجاراة المدنية الحديثة، والمساهمة فيها، اختفت تلك الآراء المتطرقة في العقلية العربية، وبدأ المستشرقون ينظرون إلى البحث في الثقافة العربية على أنه ضرب من الهواية العلمية، ينعمون فيها بفهم فكر ليس من نتاج عقول شعوبهم، أو يظهرون قسطاً من البراعة في كشف النقاب عن أسرار إحدى الثقافات القديمة، أي لا يبغون غير متعة روحية أو نزهة علمية، ولا ينشدون الكشف عن خواص العقلية العربية ومميزاتها، ولا يهدفون من وراء ذلك إلى إحياء تراث العرب وبعثه في صورة تناسب روح الحياة الحديثة، وتدفع بالشعوب العربية إلى الأمام.

وهذا ما يجب أن يطلبه كل من يبحث من العرب في آثار ثقافته، ولا يكتفي بدحض مزاعم المستشرقين وادعاءاتهم، أو يرضى باقتفاء أثرهم في مناهج أبحاثهم العلمية الدقيقة التي تتوخى تحليل الواقع تحليلا موضوعياً بدون أن تهتم بالاستفادة منه في ترقية مستوى العرب الثقافي، أي لا تصل هذه الدراسات ماضي العرب بحاضرها، أو تربط حياتهم في عهد الأمويين والعباسيين بحياتهم في العصور الحديثة، ولا تنظر إلى التراث العربي على أنه أحد التجارب الثقافية التي مرت بالشعوب العربية، وأنه يجب أن توجد علاقة وثيقة بين مختلف المراحل الثقافية العربية تبدو في تطورها الدائم، وتدفقها المتواصل نحو الرقي والتقدم، وأن الحضارات المعاصرة يجب أن تهتدي بالحضارات القديمة، وتتفادى ما وقعت فيه من أخطاء عاقت سيرها الطبيعي. فلو هدف العرب من دراسة فكرهم القديم للكشف عن مقوماتهم العقلية الأصلية لهيئت لهم السبل لتقوية ما يكتنفها من ضعف ونقص، وإبراز ما تشتمل عليه من نبوغ ومهارة في مختلف نواحي النشاط الإنساني، ولتجنبوا كل ما اقترفته سابقاً من أغلاط، وتمثلوا بكل ما أظهرته من براعة.

إن محاولات كثير من الكتاب لإثبات قدرة الفكر العربي على الابتكار والخلق يستهلك جهوداً عظيمة، تصرفهم عن البحث الحق في التراث العربي؛ وتشغلهم بكتابات بيزنطية لا تقدم ولا تؤخر. فبدلاً من أن نتطاحن في سبيل التدليل على قدرة العرب على تأليف العلوم، ووضع المذاهب، وتكوين النظريات، يجب أن نفتش عن الأسباب التي دعت العرب إلى الأخذ من غيرهم، وننعم النظر في الظروف التي نشأت فيها الحضارة العربية، وتطورت. فإن انتقال العرب المفاجئ من بلاد بدوية إلى بلاد ذات مدنية عريقة ومجد ثقافي، أصابهم بنوع من الذهول، شل تفكيرهم، وأفقدهم القدرة على التأمل الحر. ولما حاول العربي أن يندمج في الحياة الجديدة أخذ يحاكي الشعوب الخاضعة له وهي تفوقه حضارة ومدنية، ويردد علومها وفلسفاتها، حتى أصبح كأنه صاحب هذه الحضارات. ولكنه ما كاد يلم بمختلف الثقافات حتى تضاربت في ذهنه، وتشابكت الاتجاهات الشرقية والغربية، فأدى ذلك إلى أزمة روحية ظهرت جلية واضحة في نوبة الشك التي طرأت على نفس الغزالي، فعبرت بقوة وصدق عن مدى اضطراب الحياة الروحية في العالم العربي نتيجة لتصادم المذاهب اليونانية بالأفكار الفارسية والهندسية في العقلية العربية المتشبعة بتعاليم الدين الإسلامي، فانتاب العرب حيرة فكرية بلبلت أذهانهم وشتتّها.

فالبيئة الثقافية التي نشأ فيها الفكر العربي هي التي لم تسمح له بأن يتدرج في مراحل النضوج، مرحلة بعد مرحلة، وإنما ساقته دفعة واحدة من حالة يدوية إلى حالة راقية، لم تمهله لينمو نمواً طبيعياً، وعجلت بنضوجه قبل الأوان فلم تتح له فرص الترقي، أو التمرن على التفكير الذاتي المستقل، لأنها زودته بثقافات تامة التكوين، بهرته، فتعلق بها تعلقاً شديداً لجدتها عليه، فوقع في أسرها، ولم يستطع أن يتخلص منها، ويتعداها، لأن ذلك يحتاج إلى فكر تعود التأمل العميق، ومارس الحياة الثقافية مدة طويلة. وليت تأثير هذه البيئة الثقافية المعقدة في الفكر العربي وقف عند هذا الحد، بل كما عجلت بنضوجه عجلت بإطفاء جذوته بعد أن أجهدته، لدرجة أنه بذل كل طاقاته في استيعاب شتى الثقافات الشرقية والغربية، فأصابه ضرب من الجمود والركود نتيجة لهذا الإجهاد المفتعل أقعده عن أن ينتج إنتاجاً عربياً خالصاً يتميز به، فأوحى ذلك للمستشرقين بأن العقلية العربية عاجزة عن الإبداع العلمي، ولم ينصفوا العرب ويعلنوا أن هذا العجز خارج عن إرادة عقليتهم ولا يرجع إلى أي نقص فيها، وإنما يعود إلى اضطراب الظروف الثقافية التي نشأت فيها هذه العقلية.

بالرغم من كل هذا بزغ بين العرب أفراد قلائل استطاعت عبقريتهم أن تتغلب على هذه الظروف المضطربة، وتتجاوز ما هو مألوف بينهم من علوم وفنون، وأبرزت قدرة العقلية العربية المجال العلمي، وابتكرت علوماً جديدة لم ينتبه إليها عامة علماء العرب. ولم يساهم واحد منهم في ترقيتها. ومن بين هؤلاء المفكرين الأفذاذ عبد القاهر الجرجاني الذي نجح في وضع نظرية جديدة في الأدب لم يعهدها العرب من قبله، وهي تعتمد على إنعام الذوق في النصوص الأدبية وكشف أوجه البلاغة فيها؛ إلا أن هذا المذهب سريعاً ما ابتلعته النظريات الشائعة التي تستند على المنطق الأرسطي، ولم يجد له من الأنصار الأكفاء من يرعاه من بعده حتى يستكمل تكوينه. وذلك لإيمان العرب الساذج بسحر المنطق وضرورة تطبيقه على كافة العلوم ليأخذ الصبغة العلمية في ذلك الوقت. وكذلك الحال بالنسبة لابن خلدون الذي وفق في تأليف أصول علم جديد أطلق عليه (علم العمران) ويعرف الآن باسم (علم الاجتماع) ابتكرته قريحته التي شغفت بالتاريخ وولعت بملاحظة أحوال مختلف البلدان التي رحل إليها وتجول في ربوعها، واكتسبت ملكات التفكير المنظم من دراسة الفلسفة بفروعها فساعدته هذه الدراسات وغيرها من العلوم والفنون على استخلاص هذا العلم الذي افتقر من بعده لمن يتعهده، حتى نسي ونسب وضعه إلى أوجست كونت الفرنسي الذي ظهر بعده بقرون

فأحسب أنه يبدو أن اضطراب البيئة الثقافية، وتعقدها هو أصل داء الفكر العربي وعلة أخذه من ثقافات الغير بدون أن يضيف إليها شيئاً كثيراً. ولذلك يجب أن نتعظ بما أصاب عقلية أسلافنا من عقم، ونجنب فكرنا الحياة في أي جو ثقافي خانق يعوق انطلاقه في عالم الخلق، ويعرضه لنفس الاتهام السابق، فتتأكد مزاعم المستشرقين في العقلية العربية. وأول خطوة يجب أن تخطى في هذا السبيل هو أن نهيئ لأنفسنا بيئة علمية تحث عقولنا على أن تسلك سبلها الطبيعة، ولا تنخدع ببريق الثقافات الغربية الحديثة، أو تغتر بما وصل إليه الغرب من مدنية، ونقبل عليها إقبالا أعمى، وتظن أن حشو أذهاننا بكافة العلوم والفنون الغربية يعد دليلاً على التمدن الصادق، ويتخذ مقياساً للتثقيف الكامل، وتغفل عن أن الثقافات الغربية بما بلغته من رفعة وعمق، لا تستطيع أن تنضج العقلية العربية التي تختلف مقوماتها الروحية عن مقومات العقلية الغربية المادية. فلا ينبغي بأي حال أن يقتصر أحد من العرب على التزود بعلوم التربيين وفنونهم، بل يجب عليه أن يعتمد اعتماداً رئيسياً في التثقيف على نتاج عقول أمته، فينهل من معين الثقافات العربية، وما يشابهها من الثقافات الشرقية؛ لأن فكره في كنفها يشعر باطمئنان وحرية وانسياب فيستجيب لها، ويبدع في شتى نواحي النشاط الفكري، ولا يحس بضغط أية ثقافة غريبة عن مزاجه تلزمه أن يطرق طريقها قسراً، أو تجبره على أن يتشكل باتجاهاتها بالرغم منه، فتعرقل تقدمه، وتعدم ابتكاره.

وهذا لا يعني أن العربي لا يجب أن يهتدي بتجارب الغرب الثقافية في تنمية علومه وفنونه، فإن له جهاداً فكرياً عظيم الشأن لا يمكن لأمة تريد أن تنهض علمياً أن تستغني عنه، أو لا تنتفع بما كسبه هذا الفكر للإنسانية من خيرات، كان لها أكبر الأثر فيما نحن فيه من حضارة. إلا أنه لا يجوز أن تترك لهذا الفكر أن يسيطر على عقولنا، أو يتحكم في أهوائنا، حتى لا نقع فيما وقع فيه الغزالي من قلق نفسي وارتياب عقلي، ونعاني شعوراً مؤلماً بالنقص في قدرتنا العقلية من جراء تضارب نزعاتنا الشرقية بالنزعات الغربية، الذي قد يحول دون تقدمنا العلمي، ويجعلنا نحس بحاجتنا الدائمة إلى عون الغرب. فإعداد الجو الثقافي الملائم لطبيعة العقلية العربية يعتبر الدعامة الأساسية التي تربى عليها النوازع الفكرية تربية حرة تساعد على تشييد حضارة جديدة تنافس الحضارة الغربية.

تلك الحضارة التي لم تعرف طريق المجد إلا بعد أن حطمت قيود الكنيسة التي فرضتها على الفكر، وتخلصت من استبدال رجال الدين الذين حبسوا العقلية الغربية داخل نطاق التعاليم المسيحية الروحية التي تحالف اتجاهات الغرب التي تميل للمادية، فكانت حركة النهضة الأوربية التي استغاثت بكفايات الفكر الغربي القديم، الذي يتمثل في الفكر اليوناني، فقامت النهضة الحديثة على أساس بعث ثقافة اليونان، واستغلال مقوماتها في خلق حضارة جديدة. وفي هذا الجو الثقافي نجح الفكر الغربي في أن ينفض عن نفسه ذلك الخمول الذي نشره طغيان الأفكار المسيحية على الروح الغربية، ووفق في وضع علوم مبتكرة، واختراع صناعات متنوعة وآلات كثيرة.

فلم لا يحاكي العربي الغربيين في هذا العمل، ويكف عن تقليدهم في عاداتهم وأخلاقهم، ويكتفي بما أخذه منهم من ثقافات ويكشف عن مزايا العقلية العربية عن طريق دراسة مخلفات الأفذاذ من العرب أمثال عبد القاهر الجرجاني وابن خلدون وغيرهما دراسة تحليلية، يحاول أن يستشف منها ميول الفكر العربي الأساسية، ثم يسعى في أن يبث هذه الميول في عقول صغارنا، حتى يأتي ذلك اليوم الذي ترى أثرها ظاهراً في كل ناحية من نواحي الحياة العربية.

ننتهي من هذه المقالة والتي قبلها إلى أن تحقيق نهضتنا الحديثة يعوزه تعاون رجال الدين ورجال الفكر في جميع البلدان العربية على خلق وسط حضاري تنبسط فيه العقلية العربية، وتنساب حسب سجيتها، لا يعوقها أي مؤثر خارجي ولا يفسدها أي عيب داخلي، ولذلك يجب أن يساهم كل من هاتين الفئتين من الرجال في تنقية الأخلاق العربية، وتوجيهها أثناء هذه التنقية توجيهاً اجتماعياً صالحاً يتفق مع التعاليم الإسلامية، ويعود على الوطن العربي بالخير، ويكسب العرب شخصية قوية ذات لون خاص يميزها عن غيرها من الشعوب. ويمكن أن يستغلوها في مواجهة المشاكل القومية أو الدولية كما يجب أن يشتركا في التنقيب عن خواص العقلية العربية، حتى يمكن لرجال التربية من وضع الطرق التربوية الصحيحة التي تتسق مع العقلية العربية وتنميها إلى أقصى حد يمكن أن تبلغه من الكمال، ثم استغلالها في خلق ثقافة عربية جديدة، تتصل بالحضارات العربية السابقة وتعبر عن حياة العرب الوجدانية والعقلية في صور تنسجم مع روح المدنية الحديثة.

عبد العزيز محمد الزكي

مدرس الآداب بمدرسة صلاح الدين الأميرية بكفر الزيات