مجلة الرسالة/العدد 833/صور من الحياة:

مجلة الرسالة/العدد 833/صور من الحياة:

ملاحظات: بتاريخ: 20 - 06 - 1949



قبعة تتزوج

للأستاذ كامل محمود حبيب

أما قصة زواجك أنت - يا صاحب القبعة - فهي عجب من العجب، قصة فيها سلوى للنفس وعظة للعقل ومتعة للقلب.

أتذكر يوم إن جئت، أيها الفيلسوف، من البلد الأجنبي - بعد أن نيفت على الأربعين - وإن رأسك ليزدحم بالخواطر والخرافات، وإن قلبك ليجيش بالآمال والأماني، وإن فلسفتك لتتحدث إليك بأمر.

ونظرت حواليك فتراءيت في عين نفسك عزباً تضطرب في الحياة وحيداً منبوذاً، والأيام تنطوي بسرعة في سرعة لتدفعك نحو الشيخوخة في غير هوادة ولا لين، وأنت تفتقد العطف والحنان فلا تستشعر الهدوء في الدار ولا الاستقرار في العمل، وإن وظيفتك لتدر عليك ما يفيض على حاجات نفسك ورغبات قلبك، وضقت بحياة القلق والاضطراب فعقدت النية على أن تتزوج.

وسيطرت عليك الفكرة فشغلت قلبك وعقلك، واستولت على مشاعرك فأرقت جفنيك وأزعجتك عن مرقدك، وبدا عليك الوجوم والصمت لأنك انطويت على نفسك زماناً ففقدت الأهل والصاحب والصديق فأغلق أمامك السبيل إلى الزوجة. ثم وجدت متنفساً حين جلست إلى زميل لك تحدثه حديثك وتقول: (إنني اشعر - دائماً - بالضياع والشقاء، فالأعزب رجل مقطوع الصلات مجذوذ العلائق، يجد الهم والأسى في داره، ويحس الضيق والملل في خلوته، ويلمس الضنى والعذاب في وحدته، تتراءى له - دائماً - أخيلة مفزعة تزعجه عن الدار، وتصرفه عن العمل وتملأ ذهنه بالخرافات، وتحطم أعصابه بالقلق، لا تهدأ له ولا يقر له قرار، وهو يرى نفسه لقيً في ناحية من حجرة، هملاً بين همل من الأدوات والأثاث والملابس. فإن أبق الخادم طار صوابه، وتناثرت خواطره، وتشعثت حاجاته، رغم أنه يثق بأن الخادم رجل يسرق ماله ويستلبه من وقته ويزعجه عن راحته، وهو هم لا يدفع إلا بهم آخر. وإن مرض انحط في فراشه ليكون بقايا إنسان قذر تافه تنطوي الساعات وإن نفسه لتئن أنينا رهيباً، وإن قلبه ليبكي بكاء مراً: لهذا - يا صاحبي - فأنا أشعر - دائماً - بالضياع - والشقاء). . .

وأطرق زميلك ساعة من زمان ثم قال: (لا بأس عليك، ستجد في بيت فلان بك بغيتك وتحس راحة نفسك، فهو رجل ذو مكانة وشأن وذو ثراء عريض. . . وابنته فتاة في مقتبل العمر ونضارة الشباب، تتألق بهاء جمالا وتشع رونقاً وصفاء، فيها جاذبية الأنثى وخفر العذراء، لم يلوثها بهرج المدينة ولا دنسها زيف الحياة، وهي قد تخرجت في الجامعة منذ قريب. . . وأبوها - سعادة البك - فيه الحصافة والرأي، وبينه وبيني صلات قربى ووشائج نسب. . . وأنت في - رأيي - خير من يتقدم ليخطب ابنته، فهو لا يطمع في مال، ولا يسعى إلى جاه، لكنه يريد رجلاً فيه الرزانة والعقل، لأنه يخشى شباب الجيل، وإن فيهم ميوعة وليناً، وإن فيهم استهتاراً وضعفاً). . .

وتفتح قلبك - لأول مرة في الحياة - لحديث زميلك حين أحسست فيه النصيحة والإخلاص فقلت: (لا ضير، ولكن من عسى أن يكون رائدي وأنا لا أستطيع أن أجد السبيل إليه وحدي؟)

فقال لك الزميل: (إن شئت رافقتك إليه). .

وفي أمسية يوم من أيام الصيف انطلقت - يا صاحب القبعة - بصحبة زميلك إلى دار السعادة البك، وجلستما إليه ساعة من زمان، ثم خرج زميلك وحده. . . خرج ليخلفك إلى جوار البك، وقد أنس كل منكما بصاحبه واطمأن إلى حديثه، فسميت الفتاة عليك بعد أيام، ثم خطبت إليك. . .

وهدأت جائشة نفسك، واستقرت أفكارك إلى شاطئ أمين. . . ولكن ترى فيما كنت تفكر؟ آه. . . إن فلسفتك العفنة قد لصقت بك فلم تترك ساعة واحدة في حياتك. . . لقد خيل إليك أن سعادة البك رجل يستطيع أن يشبع نهم طمعك وأن ينقع غلة أنانيتك، وأن ابنته فتاة تستطيع أن تمهد لك السبيل الوعر، وتفتح أمامك الباب الموصد، ثم تدفعك إلى الهدف في سهولة ويسر، وأنت من ورائها تندفع حتى تبلغ، فتركت مسكنك القذر الوضيع ورحت تعد داراً أنيقة لتستقبل العروس المنتظرة، ونبذت ملابسك القذرة المشعثة لتتأنق في الجديد الغالي ليروق مظهرك في ناظري أهل الزوجة، وتصنعت الرزانة والعقل لتخدعهم بثقافتك الفجة، وتجملت بالرقة والذوق لتصرفهم عن خواطرك السقيمة، وخرجت من عزلتك القاتلة لتكون رجلا لبس القبعة حيناً أو بعض حين.

وانطلى على سعادة البك ما تكلفت من قول أو فعل فحباك بالثقة، وخصك بالتقدير، وقربك إلى قلبه ونفسه. . . واطمأنت الفتاة إليك ففتحت لك باب حجرتها لتجلس إليها في خلوة، وتحدثها في غير رقبة. .

واندفعت تزين للفتاة أن تصحبك إلى السينما وإلى المسرح وإلى الندي، فما تمنعت ولا تأبت، وهي لا ترى بأساً فيما تفعل لأنك زوجها. . . وتماديت في غيك فأردت أن تحملها على أن تنزع عن نفسها تقاليد الأسرة، وأن تمتهن تاريخها - وهو قد تدفق في عرقها منذ زمان - لترود معك الملاهي الوضيعة، وإن كثيراً منها لينَضم على فنون من الخلاعة والفجور، ويحوي ألوانا من الخداع والإغراء، فهي تثير في الرجل الدوافع الحيوانية، وتبذر في المرأة غراس الثورة على الدار والزوج والأولاد، وألقت الفتاة إليك السلم - بادئ الرأي - ثم استيقظت التقاليد في عقلها فرفضت أن ترتدغ في هذه المباءة، فرميتها أنت بالجمود والرجعية، واحتقرتها لأنها تمسكت بالشرف وتشبثت بالكرامة.

لقد كنت تريدها على أن تندفع في الغواية لحاجة في نفسك.

وأرادت فلسفتك الثعلبية أن تمكر بالفتاة فتخدعها عن نفسها فتتعلم الرقص وتصاحب رفاقك وتتحدث إلى صحابك، تأخذ منهم وتعطي، ولكنها كانت قد جبلت على الحياء وطبعت على الخجل فرأت الطريق أمامها وعراً وبدت لها الغاية صعبة، فتراجعت. .

وجلست إليها - ذات مرة - تخدعها عن نفسها وتغريها أن تصحبك لتزور معاً دار فلان باشا، وزعمت بأنه من ذوي قرابتك، فانطلقتما معا إلى داره مرات ومرات. واستقبلها الباشا - بادئ ذي بدء - في احترام وشملها بالعطف وانهالت عليها منه الهدايا، ثم راح يداعبها في رقة ويعابثها في ظرف، وهي تطمئن إلى عطفه وتسكن إلى حديثه، غير أنه ما تلبث أن سقط عن وجهه قناع التصنع فانكشف عن ذئب مفترس في مسلاخ إنسان، وامتدت يد الباشا إلى الفتاة فذعرت، وأوجست خيفة منه ثم أقبلت عليك تنفض أمامك ذات نفسها فأغضيت عن حديثها وامتهنت هواجس نفسها على حين أنك توقن بأن هذا الباشا داعر شرير لا يتورع عن نقيصة ولا يترفع عن دنيئة. وعز على الفتاة أن تلمس فيك هذا الخلق الواهي المنحل فلاذت بعقلها واعتصمت بكريم منبتها، ورفضت أن ترافقك - بعدها - إلى دار الباشا، وأصررت أنت وأصرت هي، ثم فزعت عنك إلى أبيها وفي قلبها أسى يتضرم وفي عينيها عبرات تترقرق.

وعجب البك أن يرى ابنته تنطوي عن زوجها وتهرب من لقياه، وعلى وجهها أثر الحزن وفي عينيها اثر البكاء، فجلس إليها يريد أن يهدئ من ثورتها وأن يمسح على أتراحها بقبلة الرفيق، فأجهشت للبكاء وهي تقص قصة زوجها الفيلسوف الذي لبس القبعة حيناً من الزمان وهو يدفعها إلى الهاوية مرة بعد مرة ثم يسوقها إلى دار الباشا الداعر لتنزل هناك عن كرامتها وتتخلى عن شرفها.

وثار البك لما سمع ثورة قذفت بالفيلسوف العبقري، صاحب القبعة، إلى خارج الدار بعد أن سامه الاحتقار والمهانة، قذفت به إلى خارج الدار لأنه حين لبس القبعة نبذ المعاني السامية للدين والوطن و. . .

وأصابتني الدهشة حين رأيتك - يا صاحب القبعة - تنصرف عن دار البك فلا تزورها وتنفر من زوجك فلا تلقاها، فذهبت أستوضحك الأمر فزورت كلاماً يمتهن عقل الفتاة المصرية ويضع من قدرها ويحط من خطرها، ويتهمها بالرجعية والجمود. فما انطلى على الزور، وأنا أعرف أنك استنزفت كل ما ادخرت في سني حياتك لتهيئ داراً أنيقة تستقبل فيها عروسك الجميلة ولتخلق من نفسك رجلا أنيقا جذاباً ولتغمر فتاتك بالهدايا الثمينة الخلابة. فعلت كل ذلك وأنت كز الجبلة شحيح الكف ضغين بالمال. فيا ليت شعري هل حملت نفسك ما لا تطيق لترضى سعادة البك ولتخدع الفتاة عن نفسها؟

آه، يا صاحب القبعة، لقد خسرت مالك وشرفك لأنك رفضت أن تكون مصرياً يتمسك بالمعاني السامية للدين والوطن و.

كامل محمود حبيب