مجلة الرسالة/العدد 843/على هامش (دراسات عن المقدمة):

مجلة الرسالة/العدد 843/على هامش (دراسات عن المقدمة):

ملاحظات: بتاريخ: 29 - 08 - 1949



رأي ابن خلدون عند الحصري

للأستاذ محمد سليم الرشدان

- 1 -

كتب الأستاذ أبو خلدون (ساطع الحصري بك) في العددين (819 و820) من الرسالة الزاهرة، بحثاً قيماً أورده جواباً على سؤال تقدم به إليه الأستاذ الكبير (صاحب الرسالة) وكأن مؤداه: (هل الشقاق طبع في العرب؟). وقد تطرق الأستاذ الحصري في جوابه إلى الحديث عن ابن خلدون وعن رأيه في العرب الذي جاء في مقدمة تاريخه. ثم تدرج من خلال ذلك إلى الحديث عن كتابه (دراسات عن مقدمة ابن خلدون) واستشهد من هذه الدراسات (نموذجين من البراهين المسرودة فيها). كان أحدهما من القسم الأول عن المقدمة، والثاني من القسم الأخير منها.

فأغراني حديث الأستاذ هناك أن أصطحب (دراساته) تلك، لأجعلها شغل فراغي في المصيف الذي جنحت إليه، فكانت خير مشغلة، وكانت نعم الرفيق. وهأنذا أتقدم بهذه الكلمة المتواضعة، تعليقاً على هامش تلك (الدراسات) فأقول:

لقد كان الوازع الذي حفز الأستاذ الحصري لإصدار هذا الكتاب - كما أحسست من دراسته - أنه معجب بابن خلدون إعجاباً جعله يتكنى باسمه، ولذلك يدافع عنه في رد هذا المأخذ الذي أخذه الناس عليه من رأيه (في العرب). ولقد حاول جهد طاقته أن يظهره بمظهر الحدب الشفيق، وأن يلبس أقواله زخرفاً يخضد معه كثيراً من هذه الأشواك التي يلمسها (ناتئة وخازة) كلُّ من ينصرف إلى دراسة آراء هذا المؤرخ الفاضل في الأمة العربية منذ أقدم أزمانها إلى أيامه.

وإنك لتجد الأستاذ الحصري في (دراساته) يبذل غاية الجهد في هذا السبيل. فهو لا يدع حجة تلوح له من قريب أو بعيد إلا ساقها فيستشهد بنص يورده كاتب فرنسي. كما يشير إلى آخر يورده كاتب تركي. ويقبل بعد هذا كلام المؤرخ يستقرئه حيناً، ويحمله فوق ما يحتمل أحايين. ثم لا يقف عند هذا الحد، بل يلجأ إلى كلام تواطأت عليه العامة، فيدو حوله طويلاً حتى يكاد يبرزه بين معظم هذه السطور التي أعدها للدفاع عن ابن خلدون. وهاأنذا أسوق للقارئ الكريم طرفاً من دفاعه، وأظهر مبلغ تساوقه مع الحقيقة، مستشهداً - ما وسعني المقام - في استجلاء ما أشكل وأنبهم، بكلام المؤرخ نفسه كما أورده في مقدمته.

يقول الأستاذ الحصري عن كلمة العرب عند ابن خلدون ما يلي: (إن كلمة العرب في مقدمة ابن خلدون من الكلمات التي ولدت أغرب الالتباسات وأنتجت أسوأ النتائج. ذلك لأن ابن خلدون استعمل الكلمة المذكورة بمعنى البدو والأعراب، خلافاً للمعنى الذي نفهمه منها الآن، كما تبين من الدلائل والقرائن الكثيرة المنبثة في جميع أقسام المقدمة).

ويتحدث بعد هذا طويلاً عن دحضه أقوال لكثير ممن تحاملوا على ابن خلدون بسبب خطئهم في فهم ما يقصده من كلمة (العرب) ومن هؤلاء - على حد تعبيره - مدير المعارف العراقية الذي دعا إلى (حرق كتبه ونبش قبره باسم القومية، زاعماً أنه من الكافرين بالعروبة. . .).

ثم يورد بعد ذلك ما يذكره علماء اللغة في تعريف كلمتي (العرب والأعراب) فيعقب عليه بقوله: (يظهر من ذلك أن مدلول كلمة العرب تطور تطوراً كبيراً خلال أدوار التاريخ. ويمكننا أن نعين اتجاه هذا التطور بالصفات الثلاث التالية:

أولاً: كان مدلول كلمة العرب يختص بالبدو وحدهم.

ثانياً: صار يشمل هذا المدلول من يسكن المدن والأمصار من غير أن يقطع صلاته بالبادية. . .

ثالثاً: (وهنا موضع الشاهد) صار يشمل مدلول كلمة العرب سكنة الأمصار أيضاً، بقطع النظر عن صلاتهم بالبادية، أو رجوع نسبهم إلى البادية. . .).

وهكذا يحدد الحصري مدلول هذه الكلمة في صفات ثلاث تطورات - كما يقول - مع أدوار التاريخ. ودعني أيُها القارئ الكريم أوقف بك عند كلُّ واحد منهم، مبتدئاً - حسب الترتيب الذي سار عليه - بالأولى حيث يقول: (كان مدلول كلمة العرب يختص بالبدو وحدهم. .) و (كان) هذه تحتمل من الإمكان ما نعيدها معه إلى إبان صدر الإسلام وما قبله، حيث جعلها الأستاذ بداية التطور خلال أدوار التاريخ. ولو تسائلنا على ضوء هذا التحديد، عما إذا ورد في القرآن الكريم - وهو قاموس العربية - ما يؤيد قول الحصري! لألفينا الجواب بأن القرآن الكريم لم يخصص كلمة (العرب) للبدو، وإنما خصص لهم غيرها حين يقول: (الأعراب أشد كفراً ونفاقاً. . .) و (وقالت الأعراب آمنا. . .). وهذا النبي صلوات الله عليه يقول: (ليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى. . .) وما أظنه يقصد بالعربي (هنا) من كان مقيماً في البادية دون سواه! وهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول يوم السقيفة: (نحن المهاجرون، أول الناس إسلاماً وأكرمهم أحساباً. . . وأكثر الناس ولادة في العرب. . .) وهو يقصد بالعرب أهل (مكة). وهي حاضرة الجزيرة يومذاك.

وبما أن الأستاذ الحصري لم يحدد زمناً يربط به تطور مدلول هذه الكلمة، فالاعتراض عليه لا يتجاوز حد الافتراض. ولذلك فإننا نقف بهذا الذي أوردناه إلى جانب أول وصف لمدلول هذه الكلمة عنده، ثم نترك للقارئ الكريم الحكم عليها. . وننتقل إلى الصفة الثانية فنجده يقول فيها: (صار يشمل هذا المدلول من يسكن المدن والأمصار من غير أن يقطع ِصلاتة بالبادية. .) ولا أظنه يقف ابن خلدون عند هذا التعريف. وإنه لو فعل ذلك لأقام الدليل بنفسه على بطلان ما يقوله في دفاعه عنه. ولأثبت عندئذ أن ابن خلدون إنما قصد أهل الأمصار من العرب بقوله، وهو عكس ما يريده ويبتغيه. . إذن فلم يبقِ أمامنا غير التعريف الثالث، وهو الذي يقول فيه: أن مدلول كلمة العرب (صار يشمل. . سكنة الأمصار بقطع النظر عن صلاتهم بالبادية. .) وفي هذا الوصف ثالثة الأثافي! فهو إن كان قد تطور خلال أدوار التاريخ، فلابد من أن يكون قد عاصر ابن خلدون أو تقدم عنه أو جاء بعده. فإن كانت الأولى أو الثانية، فقد جعل قوله حجة عليه، ولن تبقِ هنالك حاجة لإقامة برهان. وإن كانت الثالثة، فقد أنطق ابن خلدون بالغيب، وجعله يتحدث بلسان الزمن قبل أن يجيء. وهيهات أن يكون ذلك كذلك؟!

وإليك أيُها القارئ ما يجيبنا به الأستاذ على كلُّ ما تقدم حين بقول: (ومما تجب ملاحظته أن هذا التطور لم يكن تاماً ولا قاطعاً. . لأن الطور الأول لا يزال مستمراً في استعمال العوام. . فقد تعود الناس في جميع البلاد العربية استعمال كلمة (العرب) بمعنى البدوي والفلاح. . .).

ولا أدري كيف (تطور تطوراً كبيراً خلال أدوار التاريخ) ثم نجد تطوره بعد ذلك (لم يكن تاماً ولا قاطعاً)!! بل يستمر الطور الأول منه في استعمال العوام إلى يوم الناس هذا!! وإنه ليلذ لي أن أتساءل في هذا المقام: لماذا لم يظهر مثل هذا الالتباس في مدلول كلمة العرب على أقلام المؤرخين ممن سبق ابن خلدون أو تأخر عنه؟! ولماذا لم يظهر كذلك في شعر الشعراء ممن تقدموه أو عاصروه، ما دام هذا هو مدلول الكلمة منذ طورها الأول الذي كان في بداية أدوار التاريخ؟!

ويورد الحصري بعد ذلك - تأييداً لابن خلدون - مثلاً شعبياً كثيراً ما تلوكه ألسنة العامة من أهل الحواضر، فيوردونه شاهداً على فساد ذوق البدوي، وهو قولهم: (الكل عند العرب صابون. . .) وأشهد لقد سمعته كثيراً ولكن بتحريف بسيط، فذكرني بـ (غير عزيز!)، وأعاد للنفس ذكريات مفزعة من الماضي الرهيب الذي توالى على الأمة العربية فصبرت عليه صبر الجبال. . . أجل لقد سمعت هذا القول كما سمعه الحصري فذكرني بشيء غاب عنه تذكره، ذكرني بذلك الاستعباد الطويل الذي تقلبت هذه الأمة بشتى مطارفه، يوم كان العربي في حاضرته يضطر - كارهاً أو مختاراً - أن يتشبه بذلك المتسلط القاهر فيحاكيه في عجمته، ويماثله في بزته. يوم كان العلج في عنجهيته يقف أمام هؤلاء الأعراب الذين يردون الحواضر، فيتأذى بصره المترف برؤية شقائهم البادي من فتوق أسمالهم، فلا يجد شيمته يحقرهم بها، فتوصل إلى قرارة نفسه الرضوان، أكثر من أن يردد على ملأ منهم قائلاً: (عرب! عرب!).

وإن كنت في ريب من ذلك فسل من شئت: هل عسيت إن شاكسك رجل من أهل هذه الدساكر حتى بلغ منك ما تكره ثم أردت أن تثار لنفسك منه، فهل رأيتك تغمغم بأكثر من أن تقول له: (فلاح! فلاح!) إلا أن هذه قرينة تلك، وكلتاهما مما خلفته لنا عصور الاستعباد الطويل، وتلقفناه عن أفواه أولئك المستعبدين، بعد أن يورد الأستاذ الحصري هذا الشاهد يعلق عليه طويلاً ويتحدث عن مبلغ تفشيه بين العامة في شتى الأقطار، وهذا أمر سلمنا له به، ولعل في ردنا عليه الكفاية، ثم ينتقل الاستشهاد بأقوال كبار المؤرخين والباحثين، ملتمساً في ذلك ما يقوله شاهداً على صواب ما يورد. وإنني أتناول واحداً من هذه الأقوال الكثيرة، فاتخذه شاهداً على عكس ما يقول، وأؤكد له أن (الثعالبي والفالي وابن السكيت وابن الأثير) وغيرهم ممن استشهد بهم، لم يخرجوا قيد أنملة عما تآلف عليه الناس منذ أقدم الأزمنة إلى اليوم. إنهم حين لا يفرقون بين باد وحاضر يقولون: (عرباً) وإذا ما أرادوا أهل البادية دون سواهم قالوا: (أعرابياً) أو (بدوياً). وهذا نص يورده الأستاذ يؤيدني على ذلك، وهو قوله: (وأننا نجد في المثل السائر. . لابن الأثير. . ما يلي: (فإن قيل إن ذلك البدوي كان له طبعاً وخليقة. . . فالجواب على ذلك أني أقول: إن سلمت إليك أن الشعر والخطابة كانا للعرب بالطبع والفطرة فماذا نقول فيمن جاء بعدهم من مشاعر وخطيب.

أرأيت كيف يقفك عند قوله: (البدري) حين أراده قبل أن يهجر باديته، ثم يطلقها بعد ذلك حين لا يريد مثل هذا التحديد؟!

وليت شعري كيف يرتضي الأستاذ الحصري أن (يحصر) مثل العدد الوافر من كرام المؤرخين، وأن (يحصر) نفسه أيضاً في حدود هذه الدائرة الضيقة حين يؤكد أنهم أرادوا جميعاً بقولهم (العرب) أهل البادية فقط؟! وبماذا سموا إذن - الله أبوهم - أهل الحواضر من عرب الشام والحجاز ومصر والعراق والمغرب والأندلس؟! هل قالوا حاضري أم حضري أم كيف؟! لقد توقعت أن أجد للأستاذ قولا مثل هذا، فكنت أجد منه مولجاً للاعتراض، ولكنه لم يفعل بل ترك الأمر غامضاً ملتبسا! وأن الأستاذ الحصري بعد ذلك يتحدث عن ابن خلدون بما يؤكد (ما ذهبت إليه) غاية التأكيد. وذلك حين يقول: (لم يستعمل ابن خلدون في المقدمة كلمة (الأعراب) و (الأعراب)، إلا قليلا جداً. فإنه قد استعمل كلمة (العرب) أو (العربي) في نحو (330) موضعاً، في حين أنه لم يستعمل كلمة (الأعراب والأعرابي) إلا في بضعة مواضع. . .)

هو ذاك! لأن الرجل أراد أن يسير على نهج زمانه، وهو منهج كلُّ زمان من أزمان العربية، لذلك يطلق كلمته العرب على كلُّ عربي من غير ما تخصيص، ويخص أهل البادية - حين يريد أن يميزهم عن سواهم - بقوله: (الأعراب). وهذا القرآن الكريم - وكان وما يزال (قراناً عربياً غير ذي عوج) - وقف عند هذا التحديد بعينه، وسار الناس بعد ذلك على منهاجه.

و (أرى) أبن خلدون ما تجاوز ذلك إلى سواه. .

ويأخذ الأستاذ الحصري بعد هذا ي اقتباس الشواهد من المقدمة، للتدليل على ما ذهب إليه، فيقول: (لنبدأ من الفصل الذي يتضمن أقسى الأحكام وأعنف الحملات على (العرب). فلنلاحظ الفصل الذي يقول فيه ابن خلدون: (أن العرب إذا ما تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب)، ولننعم النظر في الأدلة التي يذكرها لتعليل وتأييد رأيه هذا: (فغاية الأحوال العادية كلها عندهم الرحلة والتغلب. . . فالحجر مثلاً إنما حاجتهم إليه لنصبه أثافي للقدر، فينقلونه من المباني ويخرجونها عليه. . . والخشب أيضاً إنما حاجتهم إليه ليعمروا به خيامهم. . .) ومن البديهي أن مدار البحث هنا لا يتعدى البدو الذين يعيشون تحت الخيام، فلا مجال للشك في أن ابن خلدون عندما كتب هذه العبارات لم يفكر قط بأهل دمشق أو القاهرة. . . بل إنما قصد أعراب البادية وحدهم. . .).

والذي أقوله، ويقوله ذلك الفصل بعينه، يغاير ما أورده الأستاذ الحصري، ويؤكد أن ابن خلدون أراد البدو وغير البدو، وأقول بتعبير آخر: إنه أراد للعرب على اختلاف مشاربهم. وتبين ذلك من قوله الذي يكمل به ذلك الفصل بعينه. فهو يقول بعد الكلام الذي استشهد به الحصري (مباشرة) ما يلي: (فهم متنافسون في الرئاسة، فيتعدد الحكام منهم والأمراء، وتختلف الأيدي على الرعية في الجباية والأحكام، فيفسد العمران وينتقض، وأنظر إلى ما ملكوه وتغلبوا عليه من الأوطان، كيف تقوض عمرانه وأقفر ساكنه، فاليمن قراهم خراب، وعراق العرب كذلك قد خرب عمرانه الذي كان للفرس أجمع، والشام لهذا العهد كذلك وأفريقية والمغرب). فهل نتبين من ذلك كله أنهم البدو فقط؟! وإذا كان الذين عمروا اليمن والشام والعراق وأفريقية والمغرب هم (البدو)، فمن هم (العرب) إذن؟! ثم يخطو الأستاذ الحصري بعد ذلك خطوة لا تخلو من تعسف، وهي أنه يصدر بحكم مبرم مؤداه أن ابن خلدون لم يقصد بقوله (العرب) في سائر فصول المقدمة غير (البدو)، ولم يتجاوز ذلك إلى غيره قط. فيورد هذا بأن يقول: (إن ابن خلدون لم يستعمل كلمة (العرب) بمعنى البدو في فصول الباب التي ذكرتها فحسب، بل استعملها على نفس المنوال في فصول الأبواب الأخرى أيضاً).

وهكذا يجعلنا الأستاذ في حل، لنلتمس ما يناقض دفاعه (في سائر الفصول)، بعد أن أكد - كما رأيت - أن ابن خلدون لم يقصد بقوله (العرب) في سائر الفصول سوى البدو وليس غير! ويستشهد بعد هذا ببعض كلام ابن خلدون مقدماً له بما يأتي: (يوجد في الباب الرابع أيضاً فصل خاص بالعرب، وهو الفصل الذي يقرر: (أن المباني التي كانت تختطها العرب يسرع إليها الخراب إلا في الأقل). ثم يأتي على ذكر ما قاله ابن خلدون عن العرب في هذا الباب فيقول: (والعرب إنما يراعون مراعي إبلهم خاصة، ولا يبالون بالماء طلب أو خبث. . . ولا يسألون عن زكاء المزارع والمنابث والأهوية، لأن الرياح إنما تخبث مع القرار والسكنى وكثرة الفضلات).

ويعلق على ما سلف بما يلي: (يظهر من ذلك بكل وضوح أن العرب المقصودين في هذا الفصل هم البدو الذين يعيشون في القفار ولا يوجد في هذا الفصل كلمة واحدة تنطبق على أهل الأمصار).

وفي هذا المقام أيضاً استشهد من الفصل عينه، مؤكداً أن في هذا الفصل أكثر من (كلمة واحدة) تنطبق على العرب الأولين الذين خرجوا من الحجاز واليمن، من مكة والمدينة والطائف وصنعاء وظفار وغيرها (وهي أمصار كلها!) بل خرجوا جميعاً من مدرسة محمد (ص) بعد أن قذف في قلوبهم هذا الإيمان الراسخ، فإذا هم يعلمون الحضارة لأهل الحضارة.

أجل، تنطبق على هؤلاء بعينهم، ويتضح ذلك مباشرة بعد آخر كلمة يوردها الأستاذ الحصري في النص الذي استشهد به من كلام ابن خلدون، وذلك حين يقول: (وأنظر لما اختطفوا الكوفة والبصرة والقيروان، فقد كانت مواطنها غير طبيعية للقرار، ولم تكن في وسط الأمم فيعمرها الناس).

ألا ترى - يا أخي القارئ - صدق ما أشرت إليه من خلال هذا النص الذي (بُتر) أوله ليؤدي معنى غير معناه الذي أراده له صاحبه؟! وهل اختط الكوفة والبصرة والقيروان إلا رجال أفذاذ من أقران (عمر ومعاوية وابن العاص) وغيرهم ممن ساسوا البدو والحضر فأحكموا السياسة؟!

ثم يتدرج الأستاذ الحصري بعد كلام طويل إلى قوله: (ومما يزيد الأمر وضوحاً وقطيعة أن ابن خلدون يعود إلى هذه القضية (أي أن العرب بمعنى البدو) في بحث العلوم أيضاً، إذ يقول بعد أن يشبه العلوم بالصنائع: (وقد كنا قدمنا أن الصنائع من منتحل الحضر، وأن العرب أبعد الناس عنها، وصارت العلوم لذلك حضرية، وبعد العرب عنها وعن سوقها). . . يلاحظ أن ابن خلدون يذكر هنا كلمة (العرب) مرتين مقابلا لكلمة (الحضر) بشكل لا يترك مجالا للشك في أنه يقصد منها (البدو).

والذي أقوله: إن كلام ابن خلدون لا يدع مجالا للشك فيما يقصد. ويوضح لنا كلمات تلي (ما استشهد به الأستاذ الحصري) ما يقصده من الكلمتين (العرب والحضر). وهأنذا أورد قوله ليتضح وجه الصواب: (والحضر لذلك العهد هم العجم أو من هم في معناهم من الموالي الذين هم يومئذ تبع للعجم في الحضارة وأحوالها من الصنائع والحرف).

أرأيت كيف كان يقصد بقوله (الحضر) غير العرب، وأن العرب لديه هم العرب سواء سكنوا البادية أم الحاضرة؟!

ولما كان المقام لا يتسع لمناقشة جميع الشواهد التي أوردها الأستاذ الحصري من كلام ابن خلدون، لذلك أكتفي بهذا المقدار الذي أوردته منها، ملمحاً إلى أن جميع ما جاء في هذا الصدد لا يعدو ما ذكرته في مكانته من الحقيقة. وحسبك - في كشف الغطاء عنه - أن تواصل قراءة تلك النصوص في المقدمة عينها لينطق لك ذلك الكلام (المبتور) بأن ابن خلدون إنما عني بقوله (العرب)، العرب الذين يعرفهم الناس منذ خلق الله العرب في الناس!

وأما الكاتب الفرنسي الذي أشرت إليه في بداية هذه الكلمة وقلت إن الأستاذ الحصري استشهد به، فهو الأستاذ (العرباني) البارون (دوسلان)، وقد ترجم مقدمة ابن خلدون إلى الفرنسية قبل ثمانين عاماً، وقال فيها عن مدلول كلمته العرب عند ابن خلدون عند ابن خلدون ما يلي:

وترجمة ذلك: (أن عرب ابن خلدون هم الأعراب. .). كما أن الكاتب التركي الذي أشار إليه الأستاذ الحصري هو المؤرخ (جودت باشا). وقد ترجم كلمة عرب - كما يقول الأستاذ في (دراساته) اعتماداً على ما فهم من كلام ابن خلدون، فأثبتها: (في مواضع كثيرة على شكل (قبائل عرب). .).

ومن هنا (أكاد) أجزم بأن الأستاذ الحصري إنما جاءنا بهذا الرأي الجديد نقلاً عن هذين الكاتبين. وإنني لا أجد تعليلاً (لوهمهما) هذا إلا أنهما أبصرا في بعض المواضع اقتران كلمة العرب بالإبل والخيام فحسبما أن عرب ابن خلدون ليسوا سوى أهل البادية من الأعراب. غير أن الحقيقة التي لا تغيب عن باحث هي أن ابن خلدون لم يكن يدقق في التمييز بين أهل البادية وأهل الحاضرة من العرب، فكان يسميهم جميعاً (عرباً) على أنه كان يستعمل كلمة (الأعراب) أو (البدو) حين يريد أن يحصر مدلول كلامه في حدود معينة. وهذه الحقيقة مشاهدة في مقدمته، وظهورها أعم وأبين في دراسات الأستاذ الحصري عن ابن خلدون، وذلك حين يحصى عدد ما أورد ابن خلدون من كلا التعبيرين فيقول أنه ذكر العرب (كذا) مرة، وذكر الأعراب (كذا) مرة. وقد ذكر ذلك وعلقت عليه في خلال ما أسلفت.

(البقية في العدد القادم)

محمد سليم الرشدان

ماجستير في الآداب واللغات السامية