مجلة الرسالة/العدد 849/القصص

مجلة الرسالة/العدد 849/القصص

ملاحظات: بتاريخ: 10 - 10 - 1949



انهيار جدار

مترجمة عن الإنجليزية

بقلم الآنسة سلوى الحومانى

كان ضحى يوم من أيام نوار الضاحكة وقد أشرقت الطبيعة بابتسامة الربيع، فرفلت الحقول بحلته الزمردية المزركشة، وعبق الجو بأنفاس الزهور العطرة. وانطلقت الطيور صادحة تبنى أعشاشها على أفنان الشجر وبين العشب النامي في مرتفعات الأرض التي بدت بانحداراتها كستائر من السحر أو كلوحات فنية هي أروع ما أبدعت يد عبقري.

وفي ذلك اليوم المشرق، وفي حقول قرية (هاثرتون)، كانت (جيزيا أنوين) القروية الحسناء تنحدر مسرعة إلى تلك القرية وقد حملت سلة بيض توصلها إلى السيدة (برسكلوف) العجوز كهدية من إنتاج طيورها التي تفننت في تربيتها في مزرعة أبيها الموسر.

كانت جيزيا تبدو آية من آيات الفن بثوبها الأزرق البديع التصق بقدها السمهري بزهو وخيلاء، وقبعتها الباريسية الأنيقة التي علت رأسها الجميل تحاكى زهور الأرض روعة وجمالاً. فكأنما كانت تلك القروية مرآة للربيع الغض الزاجر بالحياة، فصاغت من ثراء أبيها حلل الأناقة والفن بعينها على ذلك ذوقها السليم وجمالها الفتان.

كان جمالها حديث أهل القرية ومطمع عيون الشبان فيها ومعقد آمالهم، فتسابقوا عليها يطرحون بين يديها قلوبهم ومهجمهم. فلم يرض واحد منهم طموحها، فضاقت بهم ذرعاً وطغى بها غرورها فراحت تسخر منهم وتهزأ بعواطفهم المحمومة ثم بالغت في القسوة حتى لم تتورع عن صب وعاء من الماء البارد على راس هائم جاء يشكو إليها لواعج قلبه فلم ترقها لعثمته ولهجته الحمقاء. وبعد أن استرد روعه من تأثير الماء طردته بلطف وهيتربت على كتفه باسمه وتقول بهزء: ظننتك محموماً تهذي يا عزيزي فأسعفتك بالماء البارد.

وكذلك قصتها مع (ريف بارامور) زميلها في الدراسة ورفيق صباها الذي قطعت معه مرحلة الطفولة العابثة المرحة فلعبا الحلجة وفتشا أعشاش العصافير ركضاً معاً في حقو القرية يمثلان لعبة (الاستخفاء) حتى إذا داعب الشباب قلبيهما بنسمات الحب، تطلعت الفتاة حولها حيرى، وسعى الشاب يطرح بين يديها قلبه وماله ومستقبله. فصدمت بمنظره المتخاذل الذليل، وكلماته المترددة المتلعثمة، ولهجته البلهاء المتهالكة، فطردته شر طردة هازئة ساخرة.

ولكن هذه المعاملة لم تزد الفتى إلا حباً وهياماً. بل أن هذا الحب ظل يضطرم ويشب مع الأيام كلما ازدادت الفتاة حياله بروداً ونفوراً.

ولنعد الآنإلى جيزيا وهي تقطع تلك الحقول مسرعة إلى قرية هاثرتون. ووقفت في منعطف يؤدي إلى الطريق العام تفكر في أي الطريقين أقصر إلى القرية. فرأت أنها إذا اتبعت الطريق العام فسيكون عليها أن تقطع مسافة ميلين لتصل إلى بيت السيدة برسكلوف في تلك القرية. ولكن إذا اختصرت فسلكت هذا الحقل الوعر الذي ستعترضها فيه انحدارات خطرة وكثير من النباتات المتشابكة وصفوف من الحيطان المترنحة الواهية البناء، بذلك تستطيع أن تصل إلى القرية في أقل من ربع ساعة. قالت: هذه حقول ريف بارامور، وأعتقد أنه ليس فيها اليوم فسأغامر وأقطعها لأني متضايقة من الحر فلا أستطيعالمشي طويلاً في الطريق العام.

ووضعت السلة من يدها وجعلت تزحف بين النباتات البرية النامية وخلال الأغصان المتشابكة حتى كانت بعد دقائق على ضفة جدول كبير تجتازها بحذر وتماسك لئلا تزل قدميها وتقع فيه. ووصلت إلى رأس منبعه حيث يتفجر من خلال كومة من حجارة رملية فتسلقتها بخفة وقفزت إلى حقل قمح منبسط انطلقت تمشى فيه براحة واطمئنان يغمرها النبات المتطاول، حتى رأت أمامها حائطاً عالياً يعترض طريقها.

كان هذا الحائط صعب التسلق لضعف بنائه وتداعى حجارته. ولكن هذا لم يثبط من عزمها ولم يضعف همتها وهي الفتية النشيطة، فلم تجفل أمامه ولم تحجم عن تسلقه. فوضعت سلة البيض على حجر ثابت فيه، وبدأت تصعد بخفة ونشاط. ولكن راعها أن رأت خطر الصعود أشد مما كانت تتصور. فكانت نتوء حجارة الكلس تتفتت تحت قدميها حتى كادت تهوى إلىالأرضلولا جهد المستميت.

وكادت أن تصل أعلى الحائط عندما هلع قلبها وهي تراه قد بدأ يميد بها ويهتز تحت ثقلها فما أحست إلا وهي ترمى بنفسها إلىالأرضوقد انهار من ورائها.

ونهضت مذعورة فزعة، ولكن سرعان مازال خوفها وانبسطت أساريرها ولمعت عيناها بخبث وهي تنظر إلى الجدار المنهار ثم قالت بحقد وتشف: أنه سيكون شغلاً مناسباً لريف الأبله أن يعيد بناءه، ولسوف أهدمه ثانية وثالثة، أيضاً كلما بناه، فالتعب هو أنجح دواء للحمقى المائعين أمثاله.

ولدى آخر كلمة قالتها إذا بعينيها تتسع ذعراً عنها صيحة مكبوتة عندما حانت منها التفاته فرأت من ورائها تماماً ريف بارامور.

لقد كان ريف بعينه جالساً إلى جذع شجرة منهمكاً في صنع أوتاد خشبية. وكان ينظر إليها وعلى فمه ابتسامة الظفر.

فأسرعت جيزيا واختطفت سلة البيض وركضت هاربة. ولكن ريف قفز وراءها يتبعها بخطوات واسعة ويقول: لقد سمعت كل ما قلت يا جيزيا، ولا أظن أنك بهذا العمل على شيء من النبل أو اللطف، ولكن على أي حال فأنت تعرفين العادة في قريتنا التي تحتم على من يهدم جداراً أن يبنيه بنفسه، لذلك فأنت الآنيجب أن تبنيه كما هدمته.

فوقفت جيزيا تنظر إليه بازدراء وتتحداه قائلة: كلا لا أريد أن أبنيه

فقال ريف بتهكم: ولكنك ستبنيه لأنني سأجبرك على ذلك.

فغاض لونها وقالت: إن سخرية الأقدار أن تكون أنت أول رجل يجبرني على عمل لم يخطر لي على بال. تنح جانباً ودعني أذهب.

قال كلا لن أفعل، فأنت معتدية، والمعتدى يجب أن يدان، وأنا الذي سأدينك بإكراهك على بناء الحائط بنفسك.

فقالت بصوت مختنق: إذا فعلت هذا فسأملأ الدنيا صراخاً.

فقال بتهكم: اصرخي ما شئت فلن يسمع صراخك في هذا الحقل النائي أحد غيري.

فلم تجد جيزيا بداً عن كبريائها فقالت بلهجة المتوسل: ليس من النبل والرجولة في شيء أن تجبر فتاة مثلى على هذا العمل الشاق ياريف. فإنا لم أخلق لبناء الجدران. وكأن لهجتها الرقيقة هذه قد حركت أوتار قلب ريف، فتبدلت ملامح وجهه فجأة وجعل يتفرس فيها برهة ثم قال: إن بناءك للحائط سيكون لك درساً في إذلال كبريائك كما أذللت كبريائي من قبل بطردي من بيتك، أتذكرين. .؟ والآن هيا اشرعي في البناء. فراعها لا تخفف توسلاتها من عناده شيئاً. ولأول مرة في هذه المناقشة رفعت رأسها إليه تتأمله بإمعان. فتصنع هو الصرامة والعبوس. وتقلصت عضلات وجهها اشمئزازا من خلقته. يا الله ما أغلظ هذا المخلوق الواقف أمامها بوجهه الكاحل المكفهر وقامته المتخاذلة وثيابه الشعثة التي تتصبب عرقاً! إن ظنها في أنه أبشع رجل في العالم، وأقسى رجل أيضاً. ما أقسى هذا الجنس وأظلمه، لقد اقتنعت الآنفقط أن الرجال أفظع المخلوقات وأنه لا يوجد واحد منهم جدير باسم رجل.

وأحست بأن أعصابها تكاد تنفجر غيضاً فأشاحت بوجهها عنه حانقة، ولمعت عيناها حقداً، وارتجفت شفتاها في ثورة مكبوتة. ودمدمت بحدة قائلة: إنني أمقتك يا هذا، أنت تريد أن تقضى على بهذا العمل، فإنا لست رجلاً حتىأستطيعبناء الحائط.

فأنفجر ريف ضاحكاً وقال: إنك تجورين علي بهذه التهمة يا جيزيا. فما أردت إجبارك على بناء الحائط إلا تلقينك درساً عملياً في احترام كبرياء الغير كما أخبرتك الآن. أما وأنت تصرين على الاعتقاد بأن هذا العمل سيقتلك حقاً، فأنا لا أريد أن أحمل ظهيري وزر قتلك. لذلك فأني سأساعدك في بنائه، سأجنبك المهمة الشاقة فيه فأجمع الحجارة الكبيرة الثقيلة وأنت عليك جمع الصغير منها.

فلم تجب جيزيا بكلمة، ولكنها جعلت تنزع قفازها الأنيق بألم وقنوط ثم بدأت تشتغل بتثاقل وصمت والدموع تترقرق في مقلتيها.

وابتسم ريف وهو يرى عملها البطيء وأحجارها التي لا يزيد أحدها عن حجم التفاحة. واستمرا يشتغلان دون أن ينبس أحدهما ببنت شفة حتى تم بناء صفين من الحجارة وكان الوقت قد صار ظهراً فقال ريف: يظهر أن بناء الحائط سيستغرق معنا يوماً كاملاً، والآن قد حل وقت الغداء فهيا إلى ظل الشجرة لنتغدى معاً بما كنت أحضرته من خبز وجبن.

فقالت هامسة في استنكار: أتغذى معك تحت الشجرة.؟ ولكن ماذا يقول الناس عنى إذا عرفوا. .؟ بربك أعفني من هذا. فأجابها وقد عاد إلى تقطيبه: بل يجب أن نتغدى معاً فسوف لا أخبر أحداً بذلك.

ورأت جيزيا نفسها مجبرة على طاعته فانقادت له صاغرة. ولم تستطع ازدراد الطعام لانفعالها، وأحست به يلتصق بحنجرتها فقالت متظاهرة بالشبع تبغي العودة لعملها. ولكن ريف استبقاها إلى جانبه قائلاً: أنا معتاد أن أدخن غليوناً بعد الوجبات. دعينا نستعيد ذكريات الطفولة في هذه الأثناء. أتذكرين عندما كنت أتسلق أعالي الأشجار لأجلب لك العصافير من أعشاشها. . .؟

فنفضته جيزيا بنظرة حانقة لهذا الأسلوب الكريه الذي يحاول أن يستعيلها به ثم مشت عائدة إلى عملها دون أن تنبس بكلمة.

ولاحظ عليها ريف أنها نشطت في عملها عما قبل، فراحت تسرع في جمع الحجارة قلقة وجلة كلما انحدرت الشمس نحو المغيب. فقابل هو إسراعها ووجلها بالبرود والبطيء في عمله دون رحمة أو شفقة. حتى إذا ما قارب النهار الزوال، ورأت الحائط لم يتم منه النصف، نظرت حولها جزعة، ثم ارتمت على الأرض تبكى بحرارة.

وفوجئ ريف ببكائها لم يكن يتوقعه منها وهي العنيدة الصلبة. فشعر بخطئه في تلك المعاملة القاسية لها فتألم واضطرب خوفاً من سوء العاقبة. وقال يخاطبها برقة: جيزيا ما بك.؟ أعتقد أنني أتعبك كثيراً. في وسعك أن تذهبيالآنوأنا سأكمل بناء الجدار وحدي.

ولشد ما كانت دهشته عندما رآها تهب واقفة قبل أن يتم كلامه وتمسح دموعها بسرعة وتعود إلى عملها نشيطة في جمع الأحجار أكثر مما كانت عليه. فردد في نفسه: يا لهذه الفتاة الصلبة! إن كبريائها لم تتحطم بعد، فهي تأبى مظاهر الضعف والذل في بكائها الذي استدر عطفي.

وأحس بالشفقة نحوها، فراح يساعدها بهمة لا تعرف الكلل حتى تم بناء الحائط بعد ساعتين.

عندئذ أسرعت جيزيا وقبل أن تلتقط أنفاسها، اختطفت سلتها بحركة عصبية وراحت مهرولة في طريقها إلى القرية. كانت صامتة واجمة شاحبة الوجه تعتسف طريقها الشائك مستجمعة قواها المحطمة.

وشعر ريف بالندم وهو يراها في هذه الحال المؤلمة، وأنبه ضميره بشدة وعصر قلبه الألم فأسرع وراءها يصيح معتذراً: جيزيا إنني أسألك المعذرة.

فوقفت جيزيا ووضعت سلتها على الأرضوبسطت أمامه يديها تقلبها لتريه أصابعها الدامية وبشرتها التي شوهها العمل وملأها بالخدوش والجروح.

فاغرورقت عينا ريف بالدموع وقال: يا فتاتي المسكينة هلا صفحت عنى. .؟ وكأن لهجته الرقيقة المتوسلة قد لامست أوتار قلبها فمحت منه كل حقد واستياء فيه الإعياء الشديد. فنظرت إلى وجهه المكدود وجسمه المرهق من عناء العمل فشعرت بخطئها في هدم الحائط وخلق هذه المتاعب لهذا الرجل البريء. فنظرت إليه بعطف وقالت متلعثمة: وأنتأيضاً تعبت مثلي في بناء الحائط يا ريف، وأنا كنت السبب ولكن أعدك بأني لن أهدم لك حائطك بعد. فاقترب منها ريف وأمسك بذراعها قائلا برقة: ما كنت لأضطرك لبناء الحائط لولا حبي لك يا جيزيا. إنها فرصة خلقتها للتمتع بقربك يا حبيبتي بعد طول نفورك.

وحركت مشاعر جيزيا لهجة ريف العذبة، واستهوتها غايته تلك. استهواها هذا الحب المحموم وهذه العاطفة الجياشة حيالها. ورأت تلك الشخصية الضعيفة المتخاذلة وتلك اللهجة المترددة المائعة حين باح لها بحبه أول مرة فاستثار نقمتها حتى طردته، رأت الآن كل هذا يتوارى خلف هذه اللهجة العذبة ممتزجة بهذه الشخصية القوية الجبارة التي فرضت عليها طاعته وأرغمتها على الخضوع لرغبته. رأت كل هذا فأحست بأن هذه الشخصية القوية الرقيقة، الناعمة الخشنة، القاسية اللينة قد ملكت قلبها. فأغمضت عينيها نشوى ثم مالت عليه تدفن رأسها في صدره هامسة: لقد بدأت أحبك ياريف. فطبع ريف على فمها قبلة فاتحة عهد جديد.

سلوى الحوماني