مجلة الرسالة/العدد 856/البريد الأدبي

مجلة الرسالة/العدد 856/البريد الأدبي

ملاحظات: بتاريخ: 28 - 11 - 1949



لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها:

هل تأذن أيها الأستاذ الجليل أن يكتب إليكقروي نشأ في قرية من قرى السودان الذي صور الحال فيه شاعر من شعرائه مخاطبا قصبته الخرطوم، بقوله:

يا ملتقى النيلين أنت جميلة ... بهما فتيهي وافخري واختالي

كم في مغانيك الحبيبة من فتى ... ضاعت مواهبه لفقد المال

ولكم بها من عبقري بائس ... يمسي ويضحي بالي الأسمال

ليت الذي المواهب أهلها ... لو كان زودهم بحظ عال

فإذا كانت هذه حال عاصمته فما بالك بقرية من قراه النائية؟ حالت الظروف المادية بين كاتب هذه السطور وبين مغادرة قريته ليتعلم علما أو ليكتسب أدبا فقنع بما تلقاه عن الوافدين على قريته من علماء الدين وطلاب الأدب.

ولكن الرسالة الغراء مد الله في حياتهما وكثر عدد صفحاتها وأمتع بما يدبحه قلم الأستاذ الزيات من مقالات عقول قارئيها وقارئاتها؛ هذه الرسالة قد تخطت السدود والقيود وتسللت خيطاً من النور إلىظلام هذه القرية فتعلق بها هذا القروي ورأى فيها متعة العقل والروح، وسلوى القلب والنفس، وقد ذكر تعلقه بها حتى خال نفسه تلميذاً مخلصاً لصاحب الرسالة.

قرأت في عدد الرسالة (822) في باب الكتب تحت عنوان على هامش كتابين للأستاذ كامل محمود حبيب ناقدا للكتاب (مع الناس) للأستاذ الحوماني فجاء في نقد الأستاذ حبيب يصف مؤلف الكتاب بقوله: وللمؤلف فكرة واحدة هي إيمانه بقول سيد العرب (ص) (لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها) الخ وأقول إن هذه الحكمة قد ذكر مؤرخو حياة الإمام مالك بن انس أنها من كلامه، وعلى هذا فهي ليست من حديث سيد الخلق صلوات الله عليه وبالمناسبة اذكر أنى قرأت منذ سنوات حديثاً للأستاذ حافظ وهبة تحدثه من إذاعة لندن ونشرته مجلة المستمع العربي، آنذاك قال فيه يتحدث عن مليكه جلالة الملك بن السعود أنه كثيراً ما يردد في مجالسه هذه الحكمة التي رويت عن للإمام مالك (لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح) واذكر أني وقفت طويلاً في فهم هذا الإصلاح ونوعه لقد كان أشياخنا في دروس الفقه عندما يمرون بهذه الحكمة التي قالها أمامهم مالك يفسرونها بأن المسلمين الأولين انتصروا على أعدائهم بالسيف، فإذا لم ينتض المسلمون مرة أخرى لا يمكن أن يكونوا أنفسهم ويصلحوا شأنهم. وأني مع اعتقادي الجازم بأن السيف أصدق أنباء من الكتب لا أوافق هؤلاء الأشباح عفا الله عنهم الذين لم يكونوا واسعي الأفق على تفسيرهم خصوصاً بعد أن علمت أن مسألة انتصار الإسلام بالسيف حاول خصوم الإسلام من الغربيين أن يجعلوا منها ثغرة ينفذون بها إلىالطعن في تعاليم الإسلام. وقد ردَّ عليهم مفكرو المسلمين المتأخرون بما يبدد شبههم وينفي قولهم: إذن ماذا يعني مالك الذي هو من رجال الإصلاح في وقته؟ وماذا يعني الملك أبن السعود الذي يعتقد كثير من العرب والمسلمين أنه من قادة الإصلاح؟ ماذا يعنيان بهذا الإصلاح الذي صلح به المسلمون في عصرهم الأول ولا يمكن أن يصلحوا إلا به في كل عصورهم المتأخرة هذا، وقف عنده تفكيري مدةً طويلة ثم هداني فهمي القاصر إلىرأي لا أرى يأساً من عرضه على أستاذي الكبير الزيات.

إني أرى أن المناسبة التي دعت الإمام مالك أن يقول كلمته هذه هي نفس المناسبة التي دعت ابن السعود أن يرددها في مجالسه إذ أن بين المناسبتين تشابهاً كبيراً على أقل تقدير.

لقد عاش الإمام مالك في العصر العباسي ذلك العصر الذي ترجمت فيه فلسفة اليونان وانتشرت فيه ثقافة الفرس وترفهم بين الطبقات العليا المتوسطة من الأمة الإسلامية خصوصاً في العواصم الكبرى وحصل على أثر ذلك بعض الانحلال في المعتقدات والتدهور في الأخلاق. ولعل بعض من يهمه الصلاح المسلمين قد فكر في طريقة للإصلاح تكون متمشية على أسس الفلسفة والسياسة العباسية وغيرها من سياسات الأمم التي سبقت العرب إلىالحضارة والمدنية. فلما سمع الإمام هذا الرأي قال: (لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما يصلح به أولها) كذلك الملك ابن السعود لما رأى ثقافة الغرب وترفه يغزوان الأمم الإسلامية فينشران الإلحاد في الدين والانحلال في الأخلاق، وسمع أن بعض القادة يرون أن المسلمين لا يمكن إصلاحهم إلا إذا اتبعوا الغرب في كل خطواتهم ولو دخل حجر. كما سمع بهذا الإصلاح ردد تلك الحكمة التي سبقه إليه االإمام مالك (لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها) حقاً لقد صلح أول هذه الأمة بل لقد صارت هذه الأمة أمة بعد أن اهتدت بهدي هذا الوحي الإلهي السامي واسترشدت بأخلاق محمد بن عبد الله صلوات الله عليه وسلامه. فهل ترجع هذه الأمم إلىهذين الأصلين تستوحي منهما الإصلاح أم تظل تجري وراء مبادئ الغرب من شيوعية وديمقراطية التي هي كالسراب يحبه الضمآن ماءا حتى إذا جاء لم يجده شيئا ووحد الله عند فوفاه حسابه والله سريع الحساب؟

هذا رأي في هذه الحكمة أعرضه على القراء وأتمنى أن يجعلوها عنوانا لمقال أو مقالات تنشر في الرسالة لنستشف منها الهدي ونجد منها الرشاد.

محمد عبد الله الوالي

فداس. السودان

نهاية نقاش

شاء الأستاذ محمد عبد الرحمن أن يردني مرة أخرى إلىما كنت قد أزمعت منه انتهاء. . فإنا أشكره أن أتاح لي الفرصة لأقدم إلىالأستاذ الراعي كل اعتذار مما أخشى أن يكون قد فهمه من تعقيبي. . . وغاية الأمر أنني بسليقتي غير مهيأ لأن أستقبل من الكلام ما يند عن المألوف في العلاقة بيننا وبين الخالق.

أما الأستاذ محمد عبد الرحمن فقد شاء - مشكورا أيضا - أن يطالبني النظر إلىالتعبيرين من الناحية الخيالية والمجازية منحرفا عن هذه الزاوية التي نظرت من خلالها، وساق مثلا من قولهم (بنات الأفكار). . . الأفكار إذن في رأي الأستاذ محمد هي والله سواء. . . لا يا سيدي كان الأولى بك أن تستشهد بقوله عز وعلا (يد الله مع الجماعة) فإن هذا أقرب لما نحن فيه وردي عليه أن يد الله كلمة معنوية ولا نتخذ تجسيما في شمس أو غير ذلك من المخلوقات.

أما التخريج العجيب الذي رضي به عن عين الله فإنني ألمح من كلام الأستاذ نفسه أنه غير راض عنه. الحقيقة والحقيقة هي الله والشمس عين الحقيقة. . . أهكذا تظن.

وبعد يا سيدي فإنني ما زلت أتوكأ على شرح الأستاذ الراعي فليست هناك لغة غير لغة الناس. . . ليست هناك غير هذه اللغة مهما دافعت. وإنني ما زلت أعتذر إلىالأستاذ الراعي عن الأسلوب الذي صغت به الكلمة معجباً به.

ثروت أباظة