مجلة الرسالة/العدد 859/في الأيام الخوالي

مجلة الرسالة/العدد 859/في الأيام الخوالي

ملاحظات: بتاريخ: 19 - 12 - 1949



بقلم الأستاذ محمد فتحي عبد الوهاب

اشتهر الكاتب التشيكوسلوفاكي كارل كابك بكتابته اللاذعة وأسلوبه التهكمي وتحليله الدقيق في مختلف نواحي الحياة والمجتمع، فضلاً عن أنه كاتب قصص قدير وقد ظهر له أخيراً كتاب (قصص أبو قريفية) يحتوي على صور من الحياة وبعض الشخصيات التاريخية المشهورة في مختلف العصور: والقصة التالية إحدى هذه الصور،

كان يوباتر صانع السلال - وموطنه طيبة (الإغريقية) - جالساً في فناء داره يحيك سلاله، عندما أقبل عليه جاره فلاجاروس مهرولاً صائحاً من بعيد:

(يوباتر. دع سلالك وأصغ! إن أشياء مروعة تحدث!)

فسأله يوباتر وهو يهم بالوقوف (دار من التي أصابها الحريق؟)

فأجابه فيلاجاروس (أنه شيء أسوأ من الحريق. أتعرف ما الذي حدث؟ أنهم يودون أن يقدموا جنرالنا نيكوماكوس إلى المحاكمة! أن بعضهم يقول أنه متهم بالتآمر مع التسالونيين ويصرح البعض الآخر بأنه متداخل مع حزب الساخطين. هيا أسرع إننا مجتمعون في ساحة السوق!

فسأله يوباتر في خمول (وماذا أفعل هناك؟)

فأجاب فيلاجاروس (هذا شيء في غاية الأهمية. إن المكان زاخر بالخطباء. فمنهم من يقول أنه بريء أو منهم من يقول أنه مدان. تعال استمع إليهم.

قال يوباتر (تمهل لحظة حتى انتهي من هذه السلة. خبرني ما هي حقيقة التهمة الموجهة إلى نيكوماكوس.

قال الجار (أنهم لا يعرفونها على وجه الدقة. فأحدهم يقول شيئاً، والآخرون يقولون أشياء؛ وأولو الشأن لا ينبضون ببنت شفة لأن؛ التحقيق لم ينتهي بعد. بيد أن هناك أمور تحدث في ساحة السوق ينبغي أن تراها؛ فبعض الناس يصبح قائلاً أن نيكوماكوس بريء.

- رويدك! كيف يستطيعون القول بأنه بريء في حين أنهم لا يعرفون تمام المعرفة التهمة الموجهة إلية؟

- أن ذلك لا يهم. لقد سمع كل منهم شيئا؛ فهو لذلك يتحدث عنه. ألسنا جميعاً لنا حق التكلم؟ أعتقد أن نيكوماكوس كان يحاول خيانتنا لدى التسالونين. فقد أخبرنا أحدهم بذلك. فقد قال أن أحد معارفه قد اطلع على رسالة. ولكن أحد الرجال قال إنها مؤامرة ضد نيكوماكوس وأنه يعرف عن ذلك الشيء الكثير. وهم يقولون أن الحكومة ضالعة في ذلك الأمر. أصغ إلي يابوباتر؟ والسؤال هو. . .

- فقاطعه صانع السلال قائلاً: (تمهل لحظة. . . السؤال هو: هل القوانين التي شرعناها لأنفسنا قوانين عادلة أو ظالمة؟ هل تحدث أحد عن ذلك في ساحة السوق).

- (كلا. ولكن هذا ليس بيت القصيد، إنما هو نيكوماكوس)

- (وهل قال أي واحد من الموجودين في ساحة السوق إن أولي الشأن الذين يحققون مع نيكوماكوس شر يرون ظالمون؟)

- كلا لم يتفوهوا بكلمة واحدة من ذلك.

- إذن ما الذي قالوه؟

- ماذا! ألم أخبرك؟! أنهم يتجادلون فيما إذا كان نيكوماكوس متهما أو بريئاً.

- إلي أصغ التي يا فيلاجاورس. لو فرض أن زوجتك قد تشاجرت مع القصاب لأنها تدعي أنه لم يعطها رطلاً كاملاً من اللحم. فما الذي تفعله؟.

- أساعد زوجتي

- كلا. كلا. انك تذهب لترى إذا كانت الأوزان لدى القصاب صحيحة.

- أني أعرف ذلك بغير حاجة لأن تخبرني به أيها الرجل.

- عظيم. ثم انك ترى إذا كان الميزان سليماً.

- لست أيضاً في حاجة لأن تخبرني بذلك يا يوباتر.

- أنا مسرور. وإذا كانت الأوزان والميزان سليمة فأنك سترى كم تزن قطعة اللحم وهنا سيظهر لك من هو الذي على حق: القصاب أم زوجتك. ومن العجب يا فيلاجاروس أن يكون الناس أكثر عقلاً في مسألة خاصة بقطعة من اللحم مما لو كانت مسألة عامة. إن الميزان سيبين هل نيكوماكوس مذنب أو بريء. ولكن، لا ينبغي لهم أن ينفخوا في إحدى كفتي الميزان لكي ترجح الأخرى. فلماذا أذن نصر على القول بأن أولي الشأن الذين يفحصون قضية نيكوماكوس أشخاص مشتبه في عدالتهم أو شيء من هذا القبيل؟.

- لم يقل أحد ذلك يا يوباتر.

- لقد ظننت أنكم على ألا تؤمنوا بهم. بيد أنه إذا لم يكن عندكم من الأسباب ما يجعلكم لا تؤمنون بهم، فلماذا بحق السماء تنفخون لترجيح إحدى الكفتين؟ إما أنه لا يهمكم أن يتبلج ضوء الحقيقة، وإما أنكم ترغبون في الانقسام إلى حزبين حتى تتجادلوا. ألا فليلعنكم الله. إني لا أعرف إذا كان نيكوماكوس مذنباً. ولكني أعرف أنكم جميعاً مدانون لمحاولتكم التدخل في مجرى العدالة.

عجب ما أرد أعواد السلال هذا العام. أنها تلين كالخيوط ولكنها ليست ثابتة على الإطلاق.

- نحن يا فيلاجاروس في حاجة إلى جو أكثر حرارة. بيد أن ذلك الأمر في أيدي الآلهه وليس في أيدينا.

محمد فتحي عبد الوهاب