مجلة الرسالة/العدد 861/من رجال الحديث في عصر الحروب الصليبية

مجلة الرسالة/العدد 861/من رجال الحديث في عصر الحروب الصليبية

مجلة الرسالة - العدد 861
من رجال الحديث في عصر الحروب الصليبية
ملاحظات: بتاريخ: 02 - 01 - 1950



ابن عساكر

للأستاذ أحمد أحمد بدوي

أبو القاسم علي ابن الحسن بن هبة الله، ولا أعلم كيف جاءته هذه الكنية، فإن مؤرخيه لا يعرفون أحداً من أجداده يسمى عساكر، ولكنه اشتهر بذلك في التاريخ.

ولد بدمشق في أوائل عصر الحروب الصليبية، أول المحرم سنة تسع وتسعين وأربعمائة، (سبتمبر سنة 1105)، وتلقى ثقافته الأولى في الفقه والحديث بدمشق، فأخذ فيها عن جماعة، منهم والده، وأخوه ضياء الدين، ثم رحل إلى العراق سنة عشرين وخمسمائة، وأقام بها خمس سنين، يتلقى العلم بالمدرسة النظامية، فأكمل دراسته في الفقه، وعلق مسائل الخلاف، كما درس النحو والعربية هناك، ولم يكتف في الحديث بما وصل إليه بل رحل في طلبه إلى أمهات مدن العراق، وخراسان، والجزيرة، والشام، والحجاز، فمضى في رحلته إلى الشرق، حتى وصل إلى مرو الشهجان، كما سمع بالكوفة ومكة، والمدينة، وأكثر من الأخذ عن العلماء حتى صارت عدة شيوخه ألفاً وثلاثمائة شيخ، ومن النساء بضع وثمانون امرأة، وكان موضع إعجاب أساتذته وتقديرهم. قال أحد أساتذته عنه: ما كنا نسمي الشيخ أبا القاسم ببغداد إلا شعلة من نار من توقده، وذكائه، وحسن إدراكه، وقال عنه البغداديون: قدم علينا من دمشق ثلاثة ما رأينا مثلهم: الشيخ يوسف الدمشقي، والصائن أبو الحسن هبة الله بن الحسن، وأخوه أبو القاسم، وكذلك قدره الخراسانيون.

وعاد ابن عساكر إلى الشام، وقد أصبح من كبار فقهاء الشافعية متفرداً في الحديث وعلومه، متقناً لما حفظه من الأحاديث متناً وسنداً، متثبئاً فيما يحفظ، ومحتاطاً فيما يأخذ، وكان هو وابن الوزير قد سمعا كتباً كثيرة في الحديث. حكى ولده الحافظ أبو محمد القاسم، قال: (كان أبي قد سمع كتباً كثيرة، لم يحصل منها نسخاً اعتماداً منه على نسخ رفيقه الحافظ أبى علي بن الوزير، فسمعه ليلة من الليالي، وهو يتحدث مع صاحب له في ضوء القمر في الجامع، فقال: رحلت، وما كأني رحلت، وحصلت وما كأني حصلت، كنت أحسب أن رفيقي ابن الوزير يقدم بالكتب التي سمعتها، مثل صحيح البخاري ومسلم، وكتب البيهقي وعوالي الأجزاء، فاتفقت سكناه بمرو، وإقامته بها، وكنت أمل وصول رفيق آخر يقال له يوسفالجبائي، ووصوله رفيقنا أبا الحسن المواوي، فإنه كان يقول لي: ربما رحلت إلى دمشق، وتوجهت منها إلى بلدي بالأندلس، وما أرى أحداً منهم جاء دمشق، فلابد من الرحلة ثانياً وتحصيل الكتب الكبار، والمهمات من الأجزاء العوالي) فلم يمض إلا أيام يسيرة، حتى جاء إنسان من أصحابه إليه ودق عليه الباب وقال هذا أبو الحسن المواوي قد جاء فنزل أبي إليه وتلقاه، وأنزله في منزله، وقدم علينا بأربعة أسفاط مملوءة من الكتب المسموعات ففرح أبي بذلك فرحاً شديداً وشكر الله سبحانه على ما يسره له من وصول مسموعاته إليه من غير تعب وكفاه مئونة السفر. وأقبل على تلك الكتب فنسخ واستنسخ حتى أتى على مقصوده منها. وكان كلما حصل على جزء منها، كأنه حصل على ملك الدنيا.

وقضى أبو القاسم بعد عودته إلى دمشق، زهاء أربعين عاماً في الجمع والتصنيف والمطالعة، والتسميع حتى في نزهه وخلواته، ويحاسب نفسه على كل ساعة تمضي، بدون عمل حتى جمع في الحديث ما لم يجمعه غيره قال شيخه الخطيب أبو الفضل الطوسي: (ما نعرف من يستحق لقب الحافظ اليوم سواه) فانتهت إليه الرياسة في الحفظ والإتقان والمعرفة التامة بعلوم الحديث والتفقه فيه، وحسن التصنيف والتجويد، قال الحافظ عبد القادر الترهاوي (ما رأيت أحفظ من ابن عساكر، رأيت السلفي، وأبا العلاء الهمداني وأبا موسى المديني: ما رأيت فيهم مثل ابن عساكر)، وقال الحافظ أبو العلاء الهمداني: (أنا أعلم أنه لا يساجل الحافظ أبا القاسم في شأنه أحد)؛ وقال المنذري: (سالت شيخنا الحافظ أبا الحسن بن الفضل، عن أربعة تعاصروا، أيهم أحفظ؟ قال من؟ قلت: الحافظ ابن ناصر، وابن عساكر؟ فقال ابن عساكر، قلت الحافظ أبو موسى المديني وابن عساكر؟ فقال: ابن عساكر، فقلت: الحافظ أبو طاهر السلفي، وابن عساكر؟ فقال السلفي شيخنا)، قال الذهبي: يعني أنه ما أحب أن يصرح بتفضيل ابن عساكر، تأدباً مع شيخه، ثم أبو موسى أحفظ من السلفي، مع أن السلفي من نجوم الحديث وعلمائه؛ وانتهى الأمر بأن قال بعض الحفاظ الإثبات: (ما أرى ابن عساكر رأى مثل نفسه).

وقد عرف له سلطاناً عصره مكانته؛ أما نور الدين فقد بنى له دار الحديث بدمشق، ووكل إليه أمرها، وكان ابن عساكر يسمع نور الدين في مجالسه حديث رسول الله، ويضمر له في قلبه الحب والإعجاب، قال عنه في مقدمة كتاب (تاريخ دمشق) (ورقي خبر جمعي له إلى حضرة الملك القمقام، الكامل العادل، الزاهد المجاهد، المرابط الهمام أبى القاسم محمود بن زنكي بن آق سنقر، ناصر الإمام، أدام الله ظل دولته على كافة الأنام، وأبقاه مسلماً من الأسواء، منصور الأعلام، منتقماً من عداة المسلمين الكفرة والطغام، معظماً لحملة الدين بإظهار الإكرام لهم والاحترام، منعماً عليهم بإدرار الإحسان إليهم والإنعام، عافياً عن ذنوب ذوي الإساءات والإجرام، بانياً للمساجد والمدارس والأسوار، ومكاتب الأيتام، راضياً بأخذ الحلال ورافضاً لاكتساب الحطام، آمراً بالمعروف زاجراً عن ارتكاب الحرام، ناصراً للملهوف وقاهراً للظالم العسوف الانتقام، قامعاً لأرباب البدع بالإبعاد لهم والإرغام، خالعاً لقلوب الكفرة بالجرأة عليهم والإقدام)

وأما صلاح الدين فكان يقدر ابن عساكر عظيم التقدير، وكان الحافظ يحضر مجالس السلطان، ثم انصرف عنها حيناً، لما كان يمتاز به صلاح الدين من ديمقراطية سوغت وجود اللغط في مجالسه. فلما تكرر من صلاح الدين الطلب له حضر، وعاتبه صلاح الدين فقال له الحافظ: (نزهت نفسي عن مجلسك فإنني رأيته كبعض مجالس السوقة، لا يستمع فيه إلى قائل، ولا يرد جواب متكلم، وقد كنا بالأمس نحضر مجلس نور الدين، فكنا كما قيل: كأنما على رؤوسنا الطير، تعلونا الهيبة والوقار، فإذا تكلم أنصتنا، وإذا تكلمنا استمع لنا. فتقدم صلاح الدين إلى أصحابه أنه لا يكون منهم ما جرت به عادتهم إذا حضر الحافظ، فلما مات حضر السلطان صلاح الدين الصلاة عليه ومشى في جنازته. وعاش ابن عساكر منصرفاً إلى فنه، لا يتطلع إلى أسباب الدنيا، معرضاً عن المناصب، بعد عرضها عليه ليس له منها سوى أستاذيته لدار الحديث، كثير الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، موجهاً همه إلى إذاعة حديث رسول الله.

وكان يدين بمذهب الأشعري، وينافح عنه؛ وألف في ذلك كتاباً سماه: تبيين كذب المفتري، فيما نسب إلى أبي الحسنالأشعري، رد به على الحسن بن علي الأهوازي الدمشقي، المتوفى سنة 446، وكان يكره مذهب الأشعري ويضعفه.

ولم يزل ابن عساكر خادماً للسنة، قائماً بأنواع العبادة: من صلاة وصيام واعتكاف، وصدقة ونشر علم، وتشييع جنازة وصلة رحم، إلى أن مات ليلة الاثنين الحادي والعشرين من رجب سنة إحدى وسبعين وخمسمائة. وقد رثاه المعجبون به بقصائد عدة، وترك ابناً هو القاسم بهاء الدين من رجال الحديث وحفظته.

أما آثاره العلمية فعدد ضخم؛ يدلنا على ما امتاز به وقت هذا الرجل، من امتلاء بالتأليف والتصنيف؛ ورويت عنه مصنفاته وهو حي؛ وذاع بها اسمه وانتشر في أرجاء العالم الإسلامي. ويمكن تقسيمها ثلاثة أقسام بحسب، موضوعها فأغلبها مجموعات حديث ثم كتب في التاريخ. فكتاب في علم الكلام. وآخر في الأدب.

وتتألف كتبه في الحديث من مجموعات اختارها أو رواها: فله أحاديث رواها مثلاً عن جماعة من كفر سوسية، وأخرى عن جماعة من أهل حرستا. كما أنه وضع كتاباً جمع فيه بين سنن أبي داود، وجامع الترمذي والنسائي. ودعاه الإشراف على معرفة الأطراف. وكتاباً جمع فيه ما اتفق عليه شيوخ الأئمة الثقات.

وله كتب تتناول أحاديث ذات غرض واحد، مثل كتابه المستقصي في فضائل المسجد الأقصى. الذي اشتمل على ما جاء من الحديث في بيت المقدس. وكتابه فضل عاشوراء. وفضائل مقام إبراهيم، وتبيين الامتنان بالأمر بالاختتان.

أو ذات صفة خاصة كالأحاديث الخماسية الاسناد، أو السداسية أو السباعية. أو المسلسلات وقد جمعها في عشرة أجزاء.

وله أعمال في الحديث ضخمة. كما جمع عدة أنواع من الأربعينات، فاقتدى بالسلفي فيما جمعه من أربعين حديثاً سمعها في أربعين بلداً، نقلها عن أربعين شيخاً وزاد على ما أتى به من الغرابة بأن جعلها عن أربعين من الصحابة كما جمع أربعين حديثاً في الجهاد، دفعه إلى جمعها بلا ريب هذا الصراع العنيف بين المسلمين والصليبيين في عهده، وجمع أربعين حديثاً من الطوال، وأربعين في المساواة، وروى في أجزاء معينة الأحاديث التي رواها صحابي بعينه. وله كتاب كشف المغطى في فضل الموطأ.

أما كتبه التاريخية فأشهرها تاريخ مدينة دمشق، في ثمانين مجلداً، وهو من أعظم المفاخر في التاريخ، وضعه على نسق تاريخ بغداد لأبي بكر الخطيب، وأورد فيه تراجم الأعيان، والرواة، والمحدثين والحفاظ، وسائر أهل السياسة والعلم من صدر الإسلام إلى أيامه ممن سكن دمشق، أو نزلها، قال ابن عساكر في مقدمة كتابه: وهو كتاب يشتمل على ذكر من حلها من أماثل البرية، أو أجتاز بها أو بأعمالها من ذوي الفضل والمزية، من أساتها وهداتها، وخلفائها وولاتها، وفقهائها وقضاتها، وعلمائها ورواتها، وقرائها ونحاتها، وشعرائها ورواتها، من أمنائها وأبنائها، وضعفائها وتقاتها، وذكر مالهم من ثناء ومدح، وإثبات ما فيهم من هجاء وقدح، وإيراد ما ذكروه من تعديل وجرح، وحكاية ما نقل عنهم من جد ومزح، وبعض ما وقع إلى من رواياتهم، وتعريف ما عرفت من مواليدهم ووفاتهم، وبدأت بذكر من اسمه منهم أحمد، لأن الابتداء بمنوافق اسمه اسم المصطفى. ثم ذكرتهم بعد ذلك على ترتيب الحروف، مع اعتبار الحرف الثاني والثالث تسهيلاً للوقوف، وكذلك أيضاً اعتبرت الحروف في أسماء آبائهم وأجدادهم، ولم أرتبهم على طبقات أزمانهم، أو كثرة أعدادهم، وعلى قدر علومهم في الدرجات والرتب، ولا لشرفهم في الأفعال والنسب، وزدت فيه من عرف بكنيته، ولم اقف على حقيقة تسميته. . . واتبعتهم بذكر النسوة والإماء الشواعر، المشهورات، وقدمت قبل جميع ذلك جملة من الأخبار في شرف الشام وفضله. . .

وقد أدهش العلماء به لكبره واتساعه، وقال ابن خلكان قال له شيخنا الحافظ العلامة ذكي الدين أبو محمد عبد العظيم المنذري، حافظ مصر، أدام الله به النفع، وقد جرى ذكر هذا التاريخ، وأخرج له منه مجلداً، وطال الحديث في أمره واستعظامه، (ما أظن هذا الرجل إلا عزم على وضع هذا التاريخ من يوم عقل، وشرع في الجمع من ذلك الوقت، وإلا فالعمر يقصر عن أن يجمع فيه الإنسان مثل هذا الكتاب بعد الاشتغال). ولقد قال الحق ومن وقف عليه عرف حقيقة هذا القول، ومتى يتسع للإنسان الوقت حتى يضع مثله، وهذا الذي ظهر هو الذي اختاره، وما صح له هذا إلا بعد مسودات ما يكاد ينضبط حصرها.

وعنى العلماء بهذا الكتاب، فمنهم من جعل له ذيولاً، أهمها ذيل القاسم ولد المصنف، وذيل عمر بن الحاجب، ومنهم من اختصره: كابن شامة، وابن منظور صاحب لسان العرب، وارجع إذا شئت، إلى كتاب كشف الظنون (ج1نهر294) لترى ما لهذا الكتاب من ذيول ومختصرات.

ولابن عساكر غيره، كتاب المعجم، وهو خلاصة لمشهوري الرجال، وبخاصة الشافعية، ولهذا الكتاب ذيل لمحمد ابن عبد الواحد المقدسي المتوفى سنة 643، كما وضع معجماً في اثني عشر جزءاً ترجم فيه لأساتذته الذين سمع منهم أو أجازوا له، ومعجماً خاصاً لمن سمع منه من النساء، وألف معجماً للصحابة، وكتاباً لمن نزل المزة وحدث بها، وآخر فيمن وافقت كنيته كنية زوجته، وتحدث في معجم عن مناقب الشبان، وفي آخر عن أسماء القرى والأمصار التي سمع بها.

وأملى سبعة مجالس في فضائل الصديق رضي الله عنه، ثم أكملها بأربعة أخرى، ثم أملى في كل واحد من الخلفاء أحد عشر مجلساً.

ووضع ابن عساكر في علم الكلام كتاباً سماه: كذب المفتري فيما نسب إلى أبي الحسن الأشعري، وهو من الكتب المهمة في موضوعه، حتى قالوا: إن كل سني لا يكون عنده ذلك الكتاب، فليس من نفسه على بصيرة، وقد بينا سبب تأليفه.

أما كتابه في الأدب فيسمى بالأطراف الأدبية، وهو في أربعة مجلدات، ولعله، كما يدل عليه اسمه، مختارات جمعها، كما كان يصنع في كتب الحديث.

وكان ابن عساكر يقول في الشعر ما لا يبلغ درجة الجودة، فمما نسب إليه قوله:

أيا نفسُ؛ ويحك جاء المشيب ... فماذا التصابي، وماذا الغزل

تولى شبابي كأن لم يكن ... وجاء مشيبي كأن لم يزل

كأني بنفسي على غرة ... وخطب المنون بها قد نزل

فياليت شعري ممن أكون ... وما قدر الله لي في الأزل

ومن قوله يمجد الحديث، ويحث على أخذه شفاهاً لا نقلاً عن الكتب

ألا إن الحديث أجل علم ... وأشرفه الأحاديث العوالي

وأنفع كل نوع منه عندي ... وأحسنه الفوائد والأمالي

وإنك لن ترى للعلم شيئاً ... يحققه كأفواه الرجال

فكن يا صاح ذا حرص عليه ... وخذه عن الرجال بلا ملال

ولا تأخذه من صحف فترمى ... من التصحيف بالداء العضال

وتجد نماذج كثيرة من شعره في كتاب جريدة القصر؛ وكتاب معجم الأدباء لياقوت.

وكان بينه وبين الحافظ أبي سعد عبد الكريم بن السمعاني رفيقه في الرحلة مودة؛ وقد روى عنه السمعاني كثيراً؛ كما روى ابن عساكر عن رفيقه؛ وكتب إليه أبو سعد كتاباً ضخماً سماه (فرط الغرام إلى ساكني الشام)؛ كما كتب هو إلى ابن السمعاني رسالة يعاتبه فيها على تباطئه في إنفاذ حاجة له:

ما كنت أحسب حاجتي ... مهما نأت داري مضاعة

أنسيت ثدي مودتي ... بيني وبينك وارتضاعه

ولقد عهدتك في الوفا ... ء أخا تميم لا قضاعه

وتتلمذ لابن عساكر جماعة كبيرة من الحفاظ كان بعضهم أسن منه. ومن أشهر تلاميذه أبو شامة المقدسي.

وقد تناول مؤرخو ابن عساكر سيرته مقرونة بأسمى آيات الإجلال والإكبار. فهذا السبكي يقول عنه في طبقاته: هو الشيخ الإمام ناصر السنة وخادمها، وقامع جند الشيطان بعساكر اجتهاده وهازمها. إمام أهل الحديث في زمانه. وختام الجهابذة الحفاظ ولا ينكر أحد منه مكين مكانه، محط رحال الطالبين، ومؤمل ذوي الهمم من الراغبين. الواحد الذي أجمعت الأمة عليه، والواصل إلى مالا تطمح الآمال إليه. والبحر الذي لا ساحل له، والحبر الذي حمل أعباء السنة كاهله. قطع الليل والنهار دائبين في دأبه. وجمع نفسه على أشتات العلوم، لا يتخذ غير العلم والعمل صاحبين وهما منتهى أربه. لا تغيب عنه شاردة، وضبطه استوت لديه الطريفة والتالدة، وإتقان ساوى به من سبقه إن لم يكن فاقه، وسعة علم أثرى بها وترك الناس كلهم بين يديه ذوي فاقة).

وقال فيه النووي: (هو حافظ الشام بل حافظ الدنيا. الإمام الثقة الثبت).

وقال ابن النجار: (هو إمام المحدثين في وقته، ومن انتهت إليه الرياسة وبه ختم هذا الشأن).

كان ابن عساكر هذا أنبه أبناء أسرته الذين عرف التاريخ منهم أخاه الفقيه المحدث هبة الله وولده القاسم وولد أخيه محمد وهما الحسن وكان محدثاً وعبد الرحمن وكان مدرساً فقيهاً محدثاً.

أحمد أحمد بدوي