مجلة الرسالة/العدد 862/ترجمة النشاشيبي بقلمه

مجلة الرسالة/العدد 862/ترجمة النشاشيبي بقلمه

ملاحظات: بتاريخ: 09 - 01 - 1950



لما أصدر صديقنا الأستاذ الشيخ عبد القادر المغربي جريدته (البرهان)

في طرابلس الشام سنة 1911 واطلع عليها المرحوم إسعاف

النشاشيبي، وكان يومئذ في طور اليفاعة، راسلها بالأخبار وواصلها

بالمقالات، ولم يكن الأستاذ صاحب البرهان يعرف من أمره شيئاً،

فكتب إليه يشكره ويسأله التعريف بأمره، فأجابه عن سؤاله بكتاب

مسهب مؤرخ في جمادى الأولى سنة 1330 وصف فيه أمره ما كان

يحسن طي ذكره في ذلك الحين؛ أما اليوم وقد أصبحوا جميعاً في ذمة

التاريخ فلا ضير إذا نشرناه تفصيلا لما احملنا من أمره رحمه الله.

سيدي وأستاذي

اقبل يدك الطاهرة، وأتضرع إلى الله أن يشد أزرك، ويكون ردءك، ويبلغك ما تسمو إليه نفسك ويطيل بقاءك، فإن ببقائك بقاء الفضل والعلم والآداب. وبعد فقد جاءني كتاب الأستاذ أعزه الله وقرأته فأنست من كرم أخلاق صاحبه، وحدبه علي، وشغل باله من أجلي، ما شدهني وحيرني، وما استعبدني للأستاذ واسترقني. فلله أنت يا مولاي، ولله أدبك؛ يأمرني الأستاذ أن أفرش له دخيلتي، وأوضح له أسباب شقاوتي. فإنه رآني بكتبي إليه وبمقالاتي جميعها شقياً بائساً، حرج الصدر، ضيق النفس، مضطرباً. وهاأنا أسرد على سيدي قصتي، وعلة غصتي، مجملاً ذلك إجمالاً، إذ أمر التفصيل يطول.

فاسمع حديثي فإنه عجب ... يضحك من شرحه وينتحب

إن سبب شقائي أدبي وأبي وأمي والمال. ذهبت منذ 11 سنة إلى بيروت، ودخلت مدرسة فيها، وأقمت أربعة أعوام. ثم جئت والدي وقلت له إني لم أظفر في هذه المدرسة بما تمنيته. فابعث بي إلى فرنسا أو سويسرا كي أتم ما ابتدأت به، وكي أتحلى بالعلم والفضل. فأكون فخراً لك. فاستحقر هذا الوالد مطلبي وأنكره. وأبى أن يوصلني إلى أمنيتي، وأراد أن أرى الدنيا بعينه وأنا لا أريد غلا أن أراها بعيني. وبغى أن أذر العلم وأدير أعماله وقراه. وبغيت أن أكمل تحصيلي، حتى إذا كمل اهتممت بأشغاله. وقلت له أن غلاماً صغيراً عمره (17) سنة ليس من العدل ولا العقل أن تميله عن الدرس وتقسره على العمل. فلم يحفل بقولي ولا بمطلبي. وأخذ يضغط علي ويشد. ويريد أن يخلقني بأخلاقه. وأنا كلما ازداد ضغطه ازداد عنادي وإصراري على رأيي. فأنا ووالدي منذ سبع سنين في نضال وجدال، وشغب وصخب، بسبب هذا المشكل الذي لم يحل حتى يومنا هذا. ولوالدي بمقاومتي في أمر العلم والأدب غير ذلك الضغط فصول مضحكة جداً منها أنه يذهب إلى الجرائد التي تنشر في القدس ويافا فيتضرع إلى أصحابها ألا ينشروا لي شيئاً. ومنها أن وكيل (الأهرام) جاءه سنة يطلب منه قيمة اشتراكه، فدفعها له وقال له اقطعوا الجريدة. فسأله الوكيل لماذا؟ قال لأنكم تنشرون لولدي كل ما يبعث به إليكم. ومنها أن فريقاً ممن ظلم اليراع في سوريا وفلسطين يجد خير طريق لنيل الشهرة أن يطعن في ويسبني. فإذا قرأ والدي ذلك يركض إلي ويقول: أنظر إلى نتيجة العلم والأدب! ما نالنا منه إلا السب والشتم. ومن العجب أن الرجل متعلم متنور مطلع، وهو من الفذاذ في هذا اللواء، وممن يسعون في نشر العلم ويحضون الناس عليه، وينفقون في خدمته ما ينفقون. يريد أن ترتقي أولاد سواه ولا يريد أن يرتقي ولده الوحيد، وجناه في هذا العالم! وإذا لامه بسبب ذلك أحد يقول له إن العلم طريق للمال، فإذا نال المرء المال وجب أن يلهو به عن سواه. وإني كتبت لولدي من القرى والأملاك ما كتبت فيجب أن ينبذ ما هو فيه ويعكف على الشيء المفيد. وقد بينت لوالدي وللناس أن طلب العلم لا يعيقني عن غدارة أشغالي. وإن من يضيف إلى المجد المالي والمجد العلمي والأدبي لن يكون مجنوناً. وإن والدي يجب أن يحمد الله الذي شغلني بهذا ولم يشغلني بعشق الفتاة الفلانية الاسرائيلية أو المسيحية، والانغماس في الشهوات كما شغل سواي من أبناء السراة الأغنياء من عائلتي وغيرها الذين يعرفهم هو واحداً واحداً. كنت مع هذا الرجل في مشكلة واحدة فأبى الشقاء إلا أن يعقبها بأختها. فأراد والدي منذ ثلاث سنين أن يتزوج امرأة أخرى (وهو فوق الستين)، فجاءني وقال لي: ليس لي من ولد سواك، وإني أخاف الحوادث (يعني يخاف أن أفطس) فأريد أن أتزوج. فقلت له: تزوج أربعين امرأة. فهذا مما يسرني. لكن ارفع ضغطك وشدتك عني. فقد كدت تقتلني. فلما تزوج أكبرت أمي عمله، وأبت أن تسكن معه. فغادرت إكراماً لها دار أبي واستأجرت بيتاً حقيراً أو كوخاً. وسكناه معاً. فأسخط هذا العمل أبي، وأجبرني على أن أعود وإياها فأبت وأبيت حذراً من الشقاق والصياح الذي يقع بين الضرائر (وسيدي سيد العارفين بأحوال المرأة والعائلة الإسلامية واضطراباتها). فازدادت حينئذ الشدة والمحنة حتى آثرت الانتحار (كنا في مشكلة واحدة فصرنا في اثنتين؛ والآن يأتي ذكر الثالثة). ولم يمض على ذلك سنة أو أقل حتى بدا لوالدي أن يطلب مني (وكالة عامة مطلقة) في المحكمة الشرعية بأملاكي جميعها (وأملاكي هو الذي كتبها لي، وأصل المال من الوالدة) فقلت: هذه هي الطامة الكبرى، ورفضت طلبه. عندئذ ازداد الضغط وازداد طغيان الوالد؛ فتذبذبت بين أمرين إما الانتحار، وإما السفر إلى أوربا ومغادرة هذه البلاد. فبعت قطعة أرض لي بثمن قليل ليوصلني إلى جنيف، ويكفيني سنة واحدة ثم قلت: يخلق الله مالا تعلمون. فلما علم بما أتيت عمل ما عمل

وكان ما كان مما لست أذكره ... فظن شراً ولا تسأل عن الخبر

فتركته حينئذ وقطعت كل علاقة به واجتزأت بعشر ليرات أنفقها علي وعلى أمي. وقلت لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً. وقد أحدث الله نصف أمر: فأنتخب والدي مبعوثاً، استفادت القدس بانتخاب والدي لأنها لن تجد خيراً منه على ما أظن، واستفدت أنا لأنه تركني فاسترحت قليلاً وتنفست. والحمد لله على كل حال. وهنا نكتة جميلة أذكرها لسيدي: لما فض مجلس المبعوثان اجتمع روحي بك الخالدي في ناد في الأستانة. فقال له أحد أصحابه: إنا نجد في الجرائد ذكر إسعاف النشاشيبي من القدس كثيراً ونطالع له ما نطالع، وأظنه يصلح للنيابة. فتبسم روحي من قوله، وقال إن إسعافا لم يجز له حتى الآن أن ينتخب المنتخب الثانوي فضلاً عن أن ينتخب مبعوثاً. هذا صحيح لكن إكراماً لذلك الرجل فقد أرسلت والدي للمبعوثان بالنيابة عني. . . هذه قصتي مع والدي أورسيل والد (ابن الزيات) الأديب الوزير، وهي مجملة كثيراً. ولو أردت التفصيل لطال الأمر جداً. ولا يظن سيدي أن والدي استأثر بهذه الخلائق الغريبة (وإن كان قد سبق بها غيره) فآباء الأسر (الشريفة) الماجدة في هذه الطبائع سواء. و (كل تراه من أبيه شاكياً) غير أن ألم كل واحد من الأبناء بمقدار شعوره وإحساسه وعقله.

يقول سيدي: الآن فهمنا قصتك فما السبب في الميل إلى (البرهان) إذ لكل شيء في الكون سبب. فأجيب إن للأستاذ المغربي استيلاء على نفس (إسعاف) غريب لم يستوله أحد سواه والله. وقد كنت أطالع أقواله كلها على كرهي لقراءة أقوال المعاصرين. وأذكر أني أطلعت له في جريدة طرابلسية على فصل من كتابه (أحسن القصص) منذ تسعة أشهر أو أكثر أو أقل. وقد كنت قرأت التاريخ النبوي في كتب جمة، فلم أملك نفسي عن قراءة ذلك الفصل من أوله إلى آخره. ولقد وطنت النفس يوم سافرت إلى سوريا منذ سنتين على أن لا أحج إلى طرابلس لأرى فخرها. فحال دون ذلك مرض عراني وأنا في دمشق. وقد احتفي بي علماء دمشق وعلماء بيروت حين زيارتها احتفاء عظيماً إنساني أني أنا إسعاف، ذلك الغلام الصغير الحقير. ومن الذين غمروني بإحسانهم وأكرموا مثواي الأستاذ البيطار والقاسمي وكرد علي والشرتوني والبستاني وغيرهم، أكرموني وهم يعلمون كما علم الأستاذ أني أمي جاهل. لكن اتبعوا قول أديب خراسان في ذلك الزمان:

لا تعجبن من عراقي رأيت له ... بحراً من العلم أو كنزاً من الأدب

واعجب لمن ببلاد الجهل منشأه ... إن كان يفرق بين الرأس والذنب

علم سيدي ميلي إليه قبل إنشاء جريدته؛ فلما صدر (البرهان) وجاءني دون طلب مني، ورأيته ينظر إلى الحالة السياسية كما أنظرها أنا - ارتحت إليه أي ارتياح، وأنشأت تلك الكلمة ثم أردت أن أخدم (البرهان) بما يجب علي فعاق الذي عاق:

أهم بأمر الحزم لو أستطيعه ... وقد حيل بين العير والنزوان

وكيف لا أجنح إلى خدمة أفضل جريدة في سوريا لأكبر كاتب سوري، وأنا أرى مثل جريدة المفيد (وهي كما يعلم سيدي ويعلم أصحابها) سخيفة لسخفاء، عامية لعوام، يقدم لها المنتدى الأدبي في الأستانة (500) ليرة عثمانية. كما أخبرني رئيس المنتدى نفسه يوم جاء القدس. وقد بينت له قدر الجريدة وقدر أصحابها فحوقل واسترجع. أنا يا سيدي لم أعتد مساعدة الجرائد ولا خدمتها، ولست مشتركاً غلا بالبرهان وفي جريدة أخرى بيروتية كان صاحبها وكيلي أيام كنت في بيروت. وأما باقي الجرائد التي تأتيني وهي قليلة فهي تقدمة من أصحابها. بيد أني أود مساعدة (البرهان) وخدمته لأني أهوى صاحبه. وأكبر دليل على أني أهواه أني أطلعته على ما لم أطلع عليه أحداً، وخاطبته في رسائلي بحرية عظيمة بما لم أخاطب به أصحاب (الجريدة) و (الأهرام) وغيرهم؛ بل لم يكن لي معهم علاقة، ولم أكن مشتركاً في جرائدهم ولم تكن تأتيني.

الآن مل الأستاذ وضجر من حوادث إسعاف أو حوادث تلماك وصاح: من أين جاءنا هذا القرد يسرد علينا مالاً يهمنا ومالاً يعنينا. حسبنا الله ونعم الوكيل على إسعاف وعلى فلسطين التي أخرجت هذا الولد. ولكن إذا علم أني ولد (والولد لا يعاتب) خف سخطه علي وربما خطر في باله بعد قراءة ما قرأ أن ينشئ مقالتين: (المقالة الأولى) الآباء والأبناء وعدم إتباع الآباء هذه القاعدة (لا تقسروا أولادكم الخ) و (الثانية) في أولاد السراة الأغنياء الذين أنعم الله عليهم فانغمسوا في الشهوات، وأعرضوا عن العلم والأدب مع أنهم أقدر الناس على تحصيلهما بما توفرت لهم الأسباب. فإذا عزم سيدي على كتابة ذلك فأتضرع إليه ألا يشير إلي وألا يجري لي ذكراً، فإن ذلك يضرني، كما أرجو ألا يطلع على هذا الكتاب سوى الأستاذ فإن فيه أسراراً عائلية كتمها واجب.

ولدكم إسعاف النشاشيبي