مجلة الرسالة/العدد 87/في تاريخ الأدب المصري

مجلة الرسالة/العدد 87/في تاريخ الأدب المصري

ملاحظات: بتاريخ: 04 - 03 - 1935


4 - ابن النبيه

للأستاذ أحمد أحمد بدوي

تتمة

المدح والغزل أهم ما طرقه من الأغراض، أما الوصف فانه يأتي عرضاً غير مقصود، وقد وصف لنا ما تبتهج به نفسه من مُتع كما ذكرنا، وأما الرثاء فهو جيد وإن كان قليلاً، وهو يجيد الرثاء والعزاء، استمع إليه حين يرثي ويعزي قائلاً:

الناس للموت كخيل الطراد ... فالسابق السابق منها الجواد

والموت نقاد، على كفه ... جواهر يختار منها الجياد

مصيبة أذكت قلوب الورى ... كأنما في كل قلب زناد

يا ثالث السبطين خلفتني ... أهيم من همي في كل واد

ويا ضجيع الترب أقلقتني ... كأنما فرشي شوك القتاد

دفنت في الترب ولو أنصفوا ... ما كنت إلا في صميم الفؤاد

خليفة الله اصطبر واحتسب ... فما وهى البيت وأنت العماد

في العلم والحلم بكم يقتدي ... إذا دجا الخطب وضل الرشاد

ولعل الظروف التي أحاطت به لم تلجئه إلى الهجاء، ولذ لا نعثر عليه فيما بين أيدينا من شعر

- 6 -

يمتاز شعر ابن النبيه بالسهولة والرقة والعذوبة، سهولة تذكرنا بديباجة البحتري العذبة في نقاء والسلسة في امتناع، وهو مع سهولته يرتفع عن الأسلوب العامي إلا في النادر جداً، حين يجد التعبير العامي هو التعبير الذي يؤدي المعنى الكامن في نفسه تماماً، ولكنه مع ذلك يهذبه ويشذب أطرافه حتى يعلو ويرتفع. وهناك ظاهرتان أخريان فيه: أولاهما استخدامه كثيراً من الكلمات الفارسية في شعره، ولعل لمعيشته بالجزيرة وقربه من بلاد الفرس، ولحبه التجديد والتظرف أثراً في ذلك كبيراً، فأنت تسمع في شعره كلمة الملاذ معرب اللاد وهو قماش حرير لطيف جداً، وتسمع كلمة الكلهبند وهي مركبة من كله وهو اسم لما يلبس فوق الرأس وبند وهي بمعنى رابط، ومجموعهما اسم لما يشد به ما على الرأس إلى الذقن لئلا يقع، ويستعمل كلمة جوكانه بمعنى صولجانة وغير ذلك. وأخراهما ما تراه في شعره كما تراه في شعر غيره من المصريين من حب للبديع وافتتان بأنواعه وفنونه؛ ولقد أغرم شاعرنا بتلك الأنواع البديعية، ولاسيما الطباق والاقتباس وحسن التعليل واللف والنشر ومراعاة النظير والجناس والتلميح، كقوله:

تبسم عن منظوم در، فان ... تكلمت جاءت بمنثور

وقوله:

إن جنحوا للسلم فاجنح لها ... ما خدع الحرب بتقصير

وقوله يصف الخمر:

بكر إذا ابن سماء مسها لبست ... ثوب الحباب حياء منه واتشحت

وقوله:

فالناس بين بنانه وبيانه ... في نعمتين رغائب وغرائب

وقوله:

عزيز يوسفي الحس ... ن لم يُشر ولم يسجن

قد ابيضت به عيني ... وللمهجور أن يحزن

ولقد كان حينما يمدح القاضي الفاضل يتأنق ويجتهد الاجتهاد كله في الصناعة اللفظية شأنه في ذلك شأن غيره ممن اتصل بالقاضي ومدحه، ولقد نظم فيه قصيدة استخدم الاقتباس في كل أبياتها واقتبس من سورة المزمل إذ قال:

قمت ليل الصدود إلا قليلا ... ثم رتلت ذكرهم ترتيلا

ووصلت السهاد أقبح وصل ... وهجرت الرقاد هجراً جميلا

مسمعي كل عن كلام عذولي ... حين ألقي إليه قولاً ثقيلا

وفؤاد قد كان بين ضلوعي ... أخذته الأحباب أخذاً وبيلا

قل لراقي الجفون إن لعيني ... في بحار الدموع سبحاً طويلا الخ

وعلى هذا المنوال نسج قصيدته، وذلك غير مستغرب على رجل يخاطب القاضي الفاضل الذي كان زعيم الطريقة التي تعني بالصناعة والبديع. غير أنه لا ينبغي أن نظن أن استخدامه البديع أضاع من جمال الشعر أو حط من قيمته، فشاعرنا لبق يجيد استخدام البديع من غير أن يؤثر في جمال الشعر وروعته. هذا ولشاعرنا بعض موشحات ليست بقوية ولا رائعة، وهي أضعف من شعره العادي، وأحدها ينطق بدون إعراب، ولعل محاولته في الموشحات لم تنجح فانصرف عنها ولم يكثر من الموشحات، كما أنه خرج على أوزان الشعر العربي القديم قليلاً حينما كان يقول شعراً من الدوبيت، وهو وزن لم يستعمله العرب القدماء وغنما اخترعه المولدون

- 7 -

فاتني أن أذكر لك اسم شاعرنا، وأنه أبو الحسن علي بن الحسن بن يوسف بن يحيى، ويلقب بكمال الدين، ويكنى بابن النبيه، وفاتني أن أقول لك: إنه كان حاضر البديهة حسن التعليل، ويذكرون من ذلك أنه رأى الأشرف يوماً يرتعش بالحمى، فنظم على البديهة وأنشده:

تباً لَحماك التي ... كست فؤادي ولها!

هل سألتك حاجة ... فأنت تهتز لها؟

ومرة انكسر يراع الأشرف وهو يكتب فالتمس غيره فلم يجد فقاله له: أقلامك يا كمال قليلة، فنظم ارتجالاً قوله:

قال الملك الأشرف قولاً رشداً=أقلامك يا كمال قلت عددا

ناديت لطول كتب ما تطلقه ... تحفى وتقط فهي تفنى أبدا

ومرة غُنى بين يدي الملك العزيز دوبيت بالعجمية معناه أنه جعل الليل برد دارا للحبيب ليحجب الشمس، فاستحسن المعنى وأرسل إلى وزيره أن يأمر الشعراء بالعمل في ذلك، فأنشد كل منهم ما ورد عليه، ودخل ابن النبيه على الوزير، فطلب منه أن يعمل في ذلك، فاستمهله فأبى فقال:

قلت لليل إذ حباني حبيباً ... وغناء يسبي النهى وعقارا

أنت ياليل حاجبي فامنع الصب_ح وكن أنت يا دجى برد دارا

وبرد دارا فارسي معرب معناه الحاجب، والغناء بالفارسية قد يفسر لنا وجهاً من الوجوه التي أدخلت الكلمات الفارسية في شعر ابن النبيه، ولسرعة بديهته تلك كان الملك الأشرف كثيراً ما يطلب منه قول الشعر ارتجالاً في أي موضوع يعن له

سكن ابن النبيه نصيبين، وهي مدينة في شال الجزيرة بعد أن غادر مصر، وبعد نحو ستين عاماً من مولده (إذ أنا نعلم تاريخ ميلاده على وجه التعين) مات ابن النبيه في اليوم الحادي والعشرين من جمادي الأولى سنة تسع عشرة وستمائة

(تم البحث)

أحمد أحمد بدوي