مجلة الرسالة/العدد 870/مسابقة الفلسفة لطلاب السنة التوجيهية

مجلة الرسالة/العدد 870/مسابقة الفلسفة لطلاب السنة التوجيهية

مجلة الرسالة - العدد 870
مسابقة الفلسفة لطلاب السنة التوجيهية
ملاحظات: بتاريخ: 06 - 03 - 1950



(3) مناهج الأدلة لأبن رشد

الأستاذ كمال دسوقي

والبحث الثاني في بعث الرسل ذو شقين: الأول إثبات الرسالات - والثاني في أن قد جاء بها إلى الناس واحد منهم ويجب تصديقه. وهذا أيضاً قد أراد المتكلمون إثباته بالقياس والحكم من الشاهد إلى الغائب بأن قالوا إن من حق الملك القادر المريد المتكلم أن يبعث رسولاً إلى عباده، كما أن من واجب الناس متى ظهرت على الرسول علامة الملك وصدق الدعوى أن يصدق ما جاء به. ويعترف أبن رشد أن هذا الدليل (ظهور المعجزة) مقنع ولائق بالجمهور وهو مقصد الشرع - ولكنه يناقش ما يكتنفه من اختلال في أصوله ككيفية معرفة صدق الرسالة بأن يقول لنا الشرع على لسان الله إن من علامات رسلي كذا وكذا - أو أن يستدل العقل من تلقاء ذاته على صحة هذه المعجزة. أما الأول فمحال، وأما الثاني فله مقدمتان: هذا الرسول قد أظهر معجزة: كل من أظهر معجزة فهو نبي - فصدر المقدمة الأولى الحس والتسليم بأفعال حقيقية (لا خيالية ولا وهمية) تظهر على أيدي المخلوقين لا بسحر أو شعوذة - وصحة المقدمة الثانية تتبنى على الاعتراف بوجود الرسل في المقدمة الأولى وبالتأكد من حقيقة المعجزة وصاحبها. ويحمل أبن رشد على مبدأ جعل إرسال الرسل جائزاً في العقل - فإن الجواز جهل وتشكيك في المقدمة الثانية يجعل أن المعجزة يمكن الإحساس بها أو امتناع تصديقها - وباعث الرسول يمكن أن يكون زيداً أو عمراً - فمن طبيعة الجائز أن يكون أو ألا يكون - ونحن نسلم بطرف منه لأنه الذي حدث فعلا ًبينما نجهل الآخر - وكون ما حدث من طرفيه قد كان أولى من الآخر يجعله بعد حدوثه ضروريا وواجباً. وهذا ما يريد لأبن رشد؛ فإن العقل حتى مع هذه الضرورة والوجود لن يأخذ المعجزة دليلاً على الرسالة - مهما كان إلهياً - غل بأن يعتقد أن مثل هذه الخوارق لا تحدث إلا من فاضل غير كاذب ول ساحر. ويعمد فيلسوفنا بعد هذا التطبيق على رسالة الإسلام ومعجزة القرآن - وكونها رغم أنها من جنس الأفعال المعتادة معجزة بنفسها لا يصرف الناس عن الإتيان بمثلها يعني أنها السهل الممتنع.

ويحاول أخيراً إثبات صدق نبوة محمد (صلعم) بحجة من مبدئين: (1) تواتر الر (2) أن هؤلاء يعلمون الناس بوحي من الله وينتهي من تواتر وجودهم وصدق معجزاتهم إلى إثبات نبوتهم (98 - 100).

وعند بحثه للمسألة الثالثة في القضاء والقدر (104) يبين أنها مشكلة عويصة تتعارض فيها دلائل السمع وحجج العقول.

فمن الآيات ما يدل على أن كل شيء بقدر وأن الإنسان مجبور على أفعاله بينما هناك آيات توضح أن للإنسان اكتسابا بفعله وأنه ليس مجبوراً على أفعاله. وربما يظهر هذا التعارض في الآية الواحدة. ولهذا انقسم المسلمون إلى فرقتين: (1) المعتزلة التي اعتقدت اكتساب الإنسان لأفعاله. (2) والجبرية التي تناقضها بالقول إن الإنسان مجبر على أفعاله.

أما موقف الأشاعرة فكان كعادتهم دائماً التوفيق بين الآراء فوافقوا أن الإنسان كسباً ولكن المكتسب والكسب مخلوقان لله. . والإنسان بقولهم هذا لابد مجبور على اكتسابه. وهذا هو سر الاختلاف في هذه المسألة. فمع تعارض السمع تتعارض أيضاً الأدلة العقلية. . فإذا فرض وخلق الإنسان أفعاله فمعنى ذلك أن هناك أفعالاً لا تجري على مشيئة الله، فكأن هناك خالقاً غير الله، في حين أن المسلمين أجمعوا أن لا خالق غيره. . وإذا فرض أنه مجبور فلا وسط هناك بين الجبر والاكتساب.

لكن أبن رشد يرى أن الشرع إنما قصد الجمع بين الاعتقادين على التوسط إذ أن الأفعال المنسوبة إلينا إنما تتم بإرادتنا مع إرادة الله. . وما الإرادة إلا شوق يحدث لنا عن الأمور التي من خارج والتي سخرها الله. فأفعالنا تجري على نظام محدود لأنها مسببة عن تلك الأسباب التي من خارج. وهذا الارتباط بين أفعالنا والأسباب التي من خارج والتي خلقها الله داخل أبداننا هو القضاء والقدر. . الذي كتيه الله على عباده ولا يعلم بهذه الأسباب إلا الله وحده الذي عنده علم الغيب (وعنده مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو) الآية. فبهذا يكون من الواضح أن لنا اكتساباً وأن جميع مكتسباتنا بقضاء وقدر سابقين.

. . وتناول في البحث الرابع مسألة الجور والعدل. وقد جاءت الشعرية في هذا الصدد بضد ما صرح به الشرع فزعموا أنه إنما أتصف بالعدل والجور لمكان الحجر الذي عليه في أفعاله من الشريعة. فمتى فعل الإنسان شيئاً هو عدل بالشرع كان عادلاً. . والضد صحيح. ومن ليس مكلفاً فلا يوجد في حقه فعل هو جور أو عدل وذهبوا من ذلك أنه ليس ثمة شيء عدل في نفسه أو جور في نفسه، وهذا عند أبن رشد خطأ فاحش؛ لأنه لا يوجد خير وشر كل بذاته. . فكيف لا يكون الشرك بالله جوراً ولا ظلماً إلا من جهة الشرع، وانه لو ورد في الشرع باعتقاد الشريك كان ذلك عدلاً. . وهذا خلاف المسموع والمعقول وصدق الله حين وصف نفسه في كتابه ونفى الظلم عن ذاته العلية (وما ربك بظلام للعبيد) أما قوله أنه يظل من يشاء ويهدي من يشاء فلا يحمل على معناه الظاهري , وإنما المشيئة التي تهيئ قوماً للظلال بطبعهم وليس في هذا جور، لن حكمة الله اقتضت أن يكون بعض الناس أشراراً بطبائعهم. . والأسباب المترتبة من خارج لهداية الناس قد تكون مظلة لبعضهم. وإنما أراد الله بهذه الآيات المتعارضة أن يبين أنه خالق كل شيء الخير والشر. . لكنه يخلق الخير لذات الخير. ويخلق الشر من أجل الخير؛ وعلى ذلك يكون خلقه للشر عدلاً منه ولعل مثال النار أصدق الأمثلة على صحة هذا القول.

ولكن شتان بين عدل الله سبحانه وتعالى وعدل الإنسان. فالإنسان يعدل ليستفيد بالعدل خيراً في نفسه. . وتعالى يعدل أن ذاته تستكمل بذلك العدل بل لأن الكمال الذي في ذاته اقتضى أن يعدل. ز

أما المسألة الخامسة ففي المعاد وأحواله. ز اتفقت كافة الشرائع في جوهر وجود المعاد وإن كانت قد اختلفت في الصور التي مثلت بها للجمهور. . فمن الشرائع ما جعله روحانية للنفوس ومنها ما جعله الأجسام والنفوس معاً.

اتفق على أن للإنسان سعادتين أخروية ودنيوية. ولما كان الإنسان أشرف الموجودات، وأنه غاية الإنسان التي تميزه دون سائر الحيوان إنما في الحياة الناطقة، فالنفس الناطقة جزءان جزء عملي وجزء علمي. ولأجل كمال الإنسان يجب أن هذين الجزئين الفضائل العلمية النظرية أي الخيرات والحسنات. وقد نصت الشريعة بتقرير هذه الأمور فعرفت من الأمور النظرية معرفة الله والملائكة والموجودات الشريفة والسعادة.

إذا كانت النفوس زكية يتضاعف زكاؤها عند الموت. . وإذا كانت خبيثة زادت خبثاً. . ولقد اتفقت الشرائع أيضاً في تعريف هذا الحال للناس وتسميتها السعادة الأخرى والشقاء الآخر. . ومن الشرائع ما لم تمثل هذه السعادة وذلك الشقاء إنما صرحت بأحوال روحانية. . ومنها ما مثلت بالمحسوسات لتكون أشد تفهيماً للجمهور فمثلت مكاناً تنعم فيه الأجساد هو الجنة وآخر تقاد فيه الأجسام الشقية هو النار. . وذلك مثل شريعتنا الغراء فهي أتم إفهاماً لأكثر الناس وأكثر تحريكاً لنفوسهم لأن التمثيل الروحاني لا يثير نفوس الجمهور مع أنه يقبل عند المتكلمين المجادلين.

وبحسب فهم أصول المعاد ينقسم أهل ملتنا ثلاث فرق: الأولى رأت أن ذلك الوجود واحد بالجنس وإنما يختلف الوجودان بالدوام والانقطاع. . وأخرى اعتقدت بروحانيته. . وطائفة رأت أنه جسماني غير أن الجسمانية تختلف عنها الآن لأن هذه بالية وتلك باقية. ولكن الكل مجمع على بقاء الجنس (ص123) وأن الله سوى بين النوم والموت في تعطيل فعل النفس.

وقبل نهاية الكتاب نرى فيلسوفنا يعرج على ما يجوز تأويله شرعاً وما لا يجوز. وهو يرى ألا يصرح بالتأويل وبخاصة ما يحتاج إلى برهان لغير أهله وهم القادرون على البرهان والاستدلال بالمنطق. فتمثيلنا للعامة نعيم الآخرة بالجنة وأنهارها وفاكهتها أجدى في الحث على الفضيلة من أن نشككهم في الجزء المادي.

وهو برى أن من النصوص ما يجب على أهل البرهان تأويله وإلا كفروا. . كما يجب على العامة على الظاهر وتأويله كفر.

كمال دسوقي