مجلة الرسالة/العدد 884/الدين والسياسة والوطنية

مجلة الرسالة/العدد 884/الدين والسياسة والوطنية

مجلة الرسالة - العدد 884
الدين والسياسة والوطنية
ملاحظات: بتاريخ: 12 - 06 - 1950



للأستاذ محمود الشرقاوي

في أصيل يوم من أيام الصيف من سنة 1938 - وكانت قد جزت في شتائها انتخابات عامة في مصر - كنت في زيارة المرحوم الشيخ المراغي في (العوامة التي كان يقيم بها على صفحة النيل في الزمالك، وجرى بيننا حديث لا أزال أذكره كأنه جرى بالأمس. فقد سألني، يرحمه الله، ماذا يقول الناس عنا. .؟ قلت: يقولون إن الأزهر انصرف شيئاً ما عن مهمته إلى السياسة، ويخشى الناس أن يجرفه تيارها فقال وما ذاك؟ إن رجل الأزهر ليس يضره شيء أن يشتغل بالسياسة بل يجب عليه أن يشتغل بها ككل مواطن، والدين لا يمنعه من ذلك بل يحضه عليه. فقلت: نعم يا مولاي، أن الدين لا ينهي بل هو يحض على الاشتغال بأمور الناس وبالشؤون العامة والعمل لخير الجميع في كل ميدان، وقد اشتغل علماء المسلمين وكثير من أئمتهم بسياسة عصرهم ولقي بعضهم العذاب والسجن في هذا السبيل، كما جرى لابن حنبل من المعتصم حين سجن في فتنة (خلق القرآن). فقد كان الرأي دينياً ولكن ملابسات الأمر كله كانت ملابسات سياسية، وكما سجن وأوذي أبو حنيفة وابن تيميه لاشتغالهما بسياسة عصريهما. فأنا معك في كل ما تقول مع فارق واحد دقيق ولكنه كبير، فما على رجل الدين من بأس إذ اشتغل بالسياسة، ولكن البأس والحرج والإيذاء له ولمكانته ورسالته أن يشتغل بالحزبية، وقد أردت أن أتلطف فيما يقوله الناس، فوضعت كلمة (السياسة) حينما كنت أريد أن أقول (الحربية).

وقد أجاب، يرحمه الله، جواباً ما أرى من الخير الآن أن أذكره.

وقد اذكرني هذا الحديث القديم ما نشرته صحفنا المصرية من قبل عن مشكلة جزيرة قبرص ورغبة أهلها في الانضمام إلى اليونان، فقد ذكرت هذه الصحف أن الكنيسة الأرثوذكسية أشرفت على استفتاء السكان ذلك الاستفتاء الذي ظهر من نتيجته أن وضحت رغبتهم في الانضمام لليونان بنسبة 95 في المائة وكانت الكنيسة واضحة الرغبة في إبراز هذا الاتجاه لسكان الجزيرة.

فهل لرجل الدين أن يشتغل بالأمور السياسية والوطنية. .؟

ويحسن بي هنا أن أوضح ماذا أريد بالوطنية. وهل السياسة شيء والوطنية شيء آخر. .؟ الوطنية التي أقصدها في هذه الكلمة هي الاشتغال بأمور الوطن، أو ما نسميه (بالصالح العام) بما ينطوي تحت هذا من الصوالح السياسية والثقافية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية وما دمنا شعباً لم يستطع بعد أن ينال جميع حقوقه الوطنية، فإن شواغلنا من هذه الناحية ستكون دائماً في المحل الأول.

وأما السياسة فهي، عندي، ما هو أعم من ذلك وأشمل، هي ما يتعلق بسياسة الوطن الأصغر الذي هو مصر والوطن الأكبر الذي هو العالم، وتدخل في ذلك طبعاً نظم الحكم ومحاسبة أصحاب السلطة الذين أخضعتهم القوانين العامة للمحاسبة،

فهل لرجل الدين، إذن، أن يشتغل بالأمور السياسية والوطنية. .؟

أما نحن في مصر والشرق، فالفهم السائد بين كثير من الناس ومن رجال الدين أنفسهم أن رجل الدين لا شأن له، أو يجب ألا يكون له شأن بذلك، ولكني أعتقد أن هذا الفهم بقية من بقايا الظروف والملابسات التي سيطرت على الشرق أزمنة طويلة وجعلت الابن، في بعض الأوقات يقتل أباه والأخ أخاه في سبيل الملك أو السيادة. تلك الملابسات التي جعلت الناس يؤمنون ويتوارثون بأن النجاة في السلامة والانكفاف عن المشاركة وقالوا وتواصوا: أنج سعد فقد هلك سعيد. وكانوا على حق. - وجعلت هذه الملابسات - من جهة أخرى أصحاب السلطان، في الزمن القديم، لا يؤمنون بأن لرجل الدين حقاً في الاشتراك أو المشاركة أو التوجيه، بل هو يوجه العامة إلى ما يقصد ويراد. وكلاهما، الموجه والموجه، لا (حق) له فيما سوى ذلك، لو صح أن ذلك (حق).

ولكن أحوال الناس وظروف الحياة قد تغيرت تغيراً كبيراً، وأصبحت السياسة والاشتغال بها حقاً مشاعاً لكل مواطن، وليست خاصة أو محصورة في طبقة معينة من الناس يسيرون مقادير الشعوب وأمورهم من وراء الحجرات.

رجل الدين له رسالة خاصة، لا شك في ذلك، وهي رسالة لو أديت على وجهها الصحيح لكانت من أهم الأسس التي يقوم عليها نظام المجتمع الشرقي وهدوءه وانسجامه، وكانت سبباً أو عاملاً في انحسام أو نقصان كثير من عوامل الشر والجريمة والتقلقل في هذا المجتمع.

ولكن هذه الرسالة الخاصة ليست مانعاً من اشتغال رجل الدين بالأمور العامة، بل قد تكون داخلة ضمن رسالته تلك ومما يساعده على النجاح وقوة الأثر في هذه الرسالة نفسها. ولكن هناك شرط واحد لاشتغال، أو لجدوى اشتغال، رجل الدين بالسياسة، هذا الشرط هو (التجرد).

التجرد من العامل الشخصي والتجرد من التحزب لفرد أو لجماعة أو حزب خاص مهما يكن اثر هذا الفرد ووضعه، ومهما كانت الجماعة أو الحزب من العمل - حتى العمل الوطني - أو من الحكم.

رجل الدين يجب أن يكون وضعه بالنسبة للأمور السياسية في موضع الفيصل والحكم والميزان. يذكر الناس إذا انحرفوا في اتجاههم السياسي أو انحرفوا في الحكم، ويدعوهم للاستقامة والخير والتجرد كما يتجرد هو - أو كما هو المفروض أن يتجرد هو - من الغايات والرغبات. كما يدعو الناس إلى دعوة الله من البر والخير والمودة إذا انحرفت بهم نزوات النفس أو مالت بهم إلى الخروج أو البعد عن الغايات المثالية التي اصطفى الله رجل الدين الحق لرعايتها وتوجيه الناس لها.

رسالته في السياسة، كما هي رسالته في الدين والمجتمع، هي العودة بالناس من الانحراف إلى الاستقامة، والرجوع بهم إلى المثل أو ما هو قريب من المثل العليا إذا بعدت بهم النزوات والرغبات والخصومات عنها.

وأما الوطنية فلا شك أنه من الخير أو من الواجب أن يشتغل بها رجل الدين، على نفس هذه الأسس، وقد كانت السياسة المصرية نفسها قبل ثلاثين أو أربعين سنة قائمة على الدين وكانت دعوة الحزب الوطني تتجه هذه الوجهة وتقوم على هذا الأساس، وإن كنا لا نحب أن نرجع إليها، ولن نرجع.

والمفهوم من الوطنية طبعاً هو الدفاع عن الحق الذي سلب من أهله، والعمل على رد هذا الحق لأصحابه.

وماذا يكون رجل الدين إذن وماذا تكون رسالته إذا لم يدافع عن الحق ويعمل على نصرة أهله. .؟ فكيف إذا كان أصحاب هذا الحق بينهم وبينه ما أصحاب الوطن الواحد من الوشائج، والصوالح أيضاً.؟

محمود الشرقاوي