مجلة الرسالة/العدد 892/دراسة الأدب في المدارس

مجلة الرسالة/العدد 892/دراسة الأدب في المدارس

ملاحظات: بتاريخ: 07 - 08 - 1950



للأستاذ عبد الجواد سليمان

تقوم دراسة الأدب العربي في المدارس المصرية على طريقة ملتوية، ونهج غير وقويم وليس من شأن هذه الطريقة أن تخلق من الطلبة أديباً، أو حتى على الأقل تكون فيهم الذوق الأدبي.

وليس العيب عيب القائمين بدراسة هذه المادة، فهؤلاء جنود مأمورون مطيعون؛ ترسم لهم المناهج، وتوضع لهم الخطط، فينقذونها دون أن يسمح لهم بإبداء الرأي، أو يحسب حساب حتى لتجاربهم التي قد يكون بعضها صادقا صحيحاً، استخلصوه من تجاربهم بعد طول الدارسة والممارسة، لكن العيب هو عيب من تجاربهم على رسم الخطط وانتهاج الطرق ووضع المناهج.

لقد درجت وزارة المعارف المصرية منذ نصف قرن تقريبا على وضع مناهج الأدب لتلاميذ المدارس الثانوية وما في حكمها من معاهد التعليم: في صورة تاريخ يلقى في نظريات جافة، يستظهرها التلاميذ ويرددونها ترديداً لا يثير في النفس عاطفة، ولا يحرك شعورا، يستظهرونها ليجتازوا بها الامتحان فإذا ما خطوها على أوراقه، خرجوا ليحملوا أنفسهم جملا على نسيانها، وحق لهم ما يفعلون، فإن هذه النظريات الجوفاء لا خير في الاحتفاظ بها بل الخير كل الخير في نسيانها والتخلص منها، فهي معلومات لا يصدق عليها أن توصف بأنها أدبية بل هي في الواقع من قبيل الأدب الزائف، فإن الأدب فن من الفنون الرفيعة، وهذه لا تمت إلى الفن بسبب قريب أو بعيد فهي ظواهر اجتهادية وقوانينها عامة تصلح لكل عصر من العصور، وتنطبق على كل كاتب وكل شاعر، فلم تستبط من دراسة شعر الشعراء أو نثر الكتاب، فمن الظلم كل الظلم للتلميذ أن نحمله على الاحتفاظ بها.

وقد تطور كل شيء خضوعاً لسنة النشوء والارتقاء، وبقيت هذه المناهج في الأدب راكدة رتيبة، لم تجر عليها سنن الحياة.

لقد نادى جماعة من كبار العلماء في مصر ممن جمعوا بين القديم والجديد وتشعبوا بالدراسات الأدبية في الغرب، بأن الأدب فن من الفنون وهو فن رفيع، واصطلحت إحدى المدارس الأدبية في مصر على تسميته (بفن القول) وما دام الأدب فنا، فيرى هؤلاء، الأعلام في الأدب أن يخضع في دراسته للطريقة التي تدرس بها سائر الفنون، وأن يفصل فصلا تاما عن تاريخ الأدب، يفصل عنه في منهاجه، ويفصل عنه في مدرسيه، ذلك لأن الأدب ككل فن، فليس كل مدرس بقادر على مزاولة دراسته، والعمل على ترقية والنهوض به، بل هو في حاجة إلى عناصر تتولى دراسته من طراز آخر، في حاجة إلىشخصيات أدبية أو شخصيات يمكن أن يقال عنهم أنهم أدباء، لهم في الأدب ذوق ولهم فيه انتاج، ولهم آراء، نتبع مذهبا من المذاهب الأدبية المعاصرة، قديمة أو حديثة؛ حتى يمكنهم أن يوجهوا دراسة الآداب إلىوجهات سديدة يسير على هديها تلاميذهم فيقرءون النافع المنتج ويهجرون الضار العقيم.

حقا لقد استجابت وزارة المعارف في أول العام الدراسي السابق، إلى نداء هؤلاء الأدباء، فوضعت لأول مرة في تاريخها منهاج الأدب تتفق وهذا الاعتبار الذي يعد الأدب أحد الفنون فقررت على تلاميذ الفرقتين الأوليين من المدراس الثانوية منهاجا في الأدب كفن تعرض فيه النصوص من القرآن الكريم أو السنة الشريفة أو شعر العرب ونثرهم في مختلف العصور، ثم تناقش هذه النصوص مناقشة شرح ودراسة وتحليل، ثم تستنبط منها بعد ذلك الظواهر الأدبية، وهي طريقة استقرائية ناجحة، وهي وحدها التي رآها كبار الأدباء جديرة بالدراسات الأدبية الفنية، إذ فيها يعود الطالب على حرية الرأي، والاستقلال في الفهم، وتعينه على الملاحظة والنظر الصحيحين، ثم على الذوق والاستنباط؛ تغرس فيه حب الاطلاع على كنوز الأدب الزاخرة في مختلف العصور. لو بقيت هذه المناهج، لحققت لنا ما نصبو إليه من سلوك الاتجاهات الحديثة في دراسة الأدب ونقده، نعم لم تبق هذه المناهج بل عصفت بها الأهواء كما تعصف بكل مشروع نافع، فمحيت هذه المناهج من الفرقة الثانية وأعيدت إليها المناهج الأولى الجافة التي لا تمت مطلقا إلى الأدب بصلة، وبقيت في السنة الأولى، إلا أنها بقيت فقط في المنهاج، فلم توضع لها كتب يستضئ على ضوئها المدرسون. فأنتهز بعض محترفي التأليف الكتب المدرسية هذه الفرصة ووضعوا فيها مذكرات ألقاها كتاب جيداً، وأكثرها كان تافها قصد أصحابها من ورائها إلى المادي، فألفوها على عجل، وطبعوها على عجل فجاء الكتاب منها غثاء ممجوجا. . .

ومن الغبطة أن نذكر هنا أن أول من نادى بهذا الرأي دراسة الأدب وجار به في كتبه، ودروسه ومحاضراته هو مع وزير المعارف الحالي الدكتور طه حسين بك، وما دامت الفرص قد سنحت له لتحقيق آرائه، والأمر أصبح في يده، فمن حسب عليه، بل من حق كل ناطق بالضاد عليه أن يذكره بذلك لي النظر في مناهج الأدب المدرسة، حتى تصاغ هذه المناهج صورة نافعة ترضى الأدب أولا، فيرضى عنها الأديب ثانيا.

عبد الجواد سليمان

المدرس بمعلمات سوهاج