مجلة الرسالة/العدد 892/فلنتفق على هدف الإسلام

مجلة الرسالة/العدد 892/فلنتفق على هدف الإسلام

ملاحظات: بتاريخ: 07 - 08 - 1950



للأستاذ أحمد الشرباصي

يا أيها الناس!. .

دعوني أسألكم: ما هو الإسلام؟ وقد يكون فيكم من يعجب أو يغضب لتوجيه هذا السؤال وبقول: أبعد ألف سنة من نزول القرآن، وبعد ألف كتاب في شرح الإسلام، وبعد آلاف من الخطب والمقالات والبحوث في توضيح شريعة محمد عليه الصلاة والسلام تسائلنا. ما هو الإسلام؟.

ولكن الحقيقة المؤلمة المرة أيها الناس هي أننا لم نتفق بعد على فهم الإسلام وتحديد معناه ومغزاه؛ فمنا مثلا قوم سيقت إليهم الدنيا بحذافيرها، فهم يتمتعون ويسرفون، ويطغون في شهواتهم ولا يتذكرون، ويتوسعون في فهم الإسلام توسعاً خاطئاً فيرونه دين تساهل وسماحة وتناس وغفران فحسب؛ ويرددون لتسويغ ما يرون: (إن الله غفور رحيم) (إن الله يغفر الذنوب جميعاً)، (ورحمته وسعت كل شيء)، ويستشهدون مثلا بأن سليمان عليه السلام سأل ربه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، فلم إذن لا تكون دنيا هؤلاء مليئة بالرغبات واللذات؟!. وهكذا يسرفون في التأويل أو التحريف حتى يحتفظوا بما في أيديهم من قوة وجاه ومال ومتاع.

وفي مقابل هؤلاء قوم حرموا من الدنيا ولذاتها والحياة وبهجتها، فزهدوا زهد ضعف وافتقار، وتقشفوا عن عجز لا عن اقتدار، فتراهم يفهمون الإسلام فهما خاطئاً كذلك، إذ يعتبرونه دين ذلة ومسكنة، وفقر وبطالة، وكسل وخمول، وتراهم يرددون في ذلك قوله تعالى: (أعلموا إنما الحياة الدنيا لعب ولهو) وقول الرسول: (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما كان لله منها) وقوله: (حب الدنيا رأس كل خطيئة) وهكذا تراهم حين فقدوا الحياة العاملة يضيقون على الناس مسالكهم؛ ويشوهون أمامهم دنياهم، وكأنهم يأبون إلا أن يتساوى جميع الخلق معهم في العجز والافتقار!. . .

وبين هؤلاء وهؤلاء قوم حيارى مذبذبون، لا يستقرون على حال، ولا ينتهون إلى مآل. هم لا يجدون كل شيء، ولا يحرمون من كل شيء، فإذا وجدوا ما أرادوا تمتعوا ورتعوا، وعربدوا وأفسدوا، وضلوا في الاستشهاد فرددوا: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعب والطيبات من الرزق)؟ وإذا جرت عليهم الأقدار يوما بحرمان، فحالت بينهم وبين ما يشتهون، نسوا رأيهم القديم واصطنعوا لهم في الدين رأيا جديداً، فتظاهروا بالتقشف كذبا وتحدثوا عن الزهد باطلا ورياء، ورددوا قول الرسول: (لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقي الكافر منها شربة ماء) وهكذا يظل ذلك الفريق مذبذباً لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء!

فهل يقال مع ذلك الاختلاف إننا قد اتفقنا على فهم الإسلام وتحديد مغزاه؟!

وهناك اختلاف كبير آخر حول الإسلام الغريب في بلاده فقوم ذوو بصائر يؤمنون بالإسلام ديناً ودولة، وقيادة وسيادة، ويجاهدون في سبيل ذلك بما يملكون، ويذوقون من أجله ما يذوقون، وينفسح أمامهم الطريق فيسيرون، وتحوطهم ظلمات البغي فيصبرون، وبجوارهم قوم آخرون أقل منهم قدراً واضعف شأناً، فهم يؤمنون في قرارة نفوسهم بأن الإسلام هو صمام الأمان ومضخة الإطفاء، وزورق النجاة وقارورة الدواء؟ ولكنهم خاشعون قانعون شغلتهم بوارق من دنياهم عن تبعات جلى تناديهم وخافوا الناس والله أحق أن يخافوه، فتراهم يسكتون ويسالمون ويتابعون وإن انطوت نفوسهم على غير ما يظهرون.

وفي مقابل هؤلاء وهؤلاء قوم ارتفعوا وامتلأوا وعلوا سواهم وهم يرون في سيادة الإسلام الصحيح عليهم وعلى غيرهم من الناس حداً من شهواتهم، ومقاسمة منه في بعض أموالهم، وتسوية لهم بغيرهم، ومؤدبا لجبروتهم وطغيانهم، وهم قوم قد استلذوا ما هم فيه سادرون، واشتروا الضلالة بالهدى، وآثروا الحياة الدنيا على الآخرة، وإذن فليكونوا حربا على الإسلام، وعلى كل من يدعو إلىالإسلام. . .

وتراهم في خبثهم يعملون جاهدين لكي يقتصر أمر الإسلام على ركيعات تؤدي أو خطبة تقال أو احتفال يقام، وكان الإسلام عندهم كهنوتية بالية أو رهبانية فانية؛ مع أنه جاء ليكون مصباح الظلام ومصدر الأحكام ومعقد الزمام: (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين، يهدي به الله من ابتع رضوانه سبل السلام، ويخرجهم من الظلمات إلى النور بأدبه، ويهديهم إلىصراط مستقيم).

أفيقال بعد ذلك الاختلاف المبين إننا متفقون على معنى الإسلام؟

يجب أولا وقبل كل شيء أن نتفق في الإسلام على كلمة جامعة مانعة بعد أن ننفي عنه ما ليس منه، وبذلك نستبين طريق الرشاد. يجب أن نتفق على أن الإسلام عبادة وعمل، وجسم وروح، وتهذيب وحكم، وقيادة وسيادة، جاء ليصلح النفس ويقوم الفرد ويربي الأسرة ويسوس الأمة ويخفف الآم العالم!. . . جاء ديناً وسطاً عدلا، لا يفرط ولا يفرط، فأباح لك أن تجمع ولا تكنز، وأن تأكل ولا تتخم، وأن تنفق ولا تسرف، وأن تتجمل ولا تنحنث، وأن تكسب وتزكي، وأن نثرى ولا تتفحش، وأن تسمو إلى العلا وتعدل. وهكذا تراه يدعوك إلى كل ما ينفعك ويقومك، ويصدك عن كل ما يضرك ويرديك: (إن الله بالناس لرءوف رحيم)!.

جاء الإسلام ليعلمك أن تكون على خير في سائر أحوالك التي تتقلب عليك في دنياك، فغني مع شكر وإحسان، وفقر مع صبر وإيمان، وقوة مع تواضع واجتهاد، ومرض مع احتمال وعلاج؛ لأن الذي خلق الداء خلق الدواء، ورضا بالقضاء والقدر معه السعي والاكتساب، واتكال على الله مع أخذ بالوسائل والأسباب، وأنت في كل هذه الأحوال مأجور شكور، مؤيد بحفظ الله ورعايته، موعود بفضله ونعمته، قد سخر لك ما فيالأرضوالسماء، وأعانك في السراء والضراء، مادمت تخلص النية وتريد وجه الله: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وابشروا بالجنة التي كنتم توعدون، نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون. نزلا من غفور رحيم).

هذا هو الإسلام أيها الناس، ولو أنكم فهمتموه على هذا الوضع، ونفذتموه عن إخلاص، لكان لكم في الكون شأن غير هذا الشأن، وسلطان غير السلطان، ولعز المسلمون بين الأنام كما عز لهم أسلاف وأجداد من قبل، يوم كان القرآن هو أول صوت يسمع ويطاع، فإذا أمر الله فقد خضعت الرقاب وذلت الأعناق وانتهى الجدال.

إلى الإسلام أيها الناس!. .

أحمد الشرباصي

المدرس بالأزهر الشريف