مجلة الرسالة/العدد 899/ما رأيت وما سمعت في سورية ولبنان

مجلة الرسالة/العدد 899/ما رأيت وما سمعت في سورية ولبنان

ملاحظات: بتاريخ: 25 - 09 - 1950



للأستاذ حبيب الزحلاوي

كتب التاريخ طافحة بأخبار المستعمرين الطغاة، وأزعم أن ليس بين الحكومات المستعمرة كالحكومة الفرنسية التي حاولت بكافة وسائلها الجائرة إماتة السوريين فأحيتهم، وإحياء اللبنانيين أضلتهم.

قل من الناس من يجهل كيف فرضت فرنسا انتدابها على سورية فرضا، وكيف انتفضت عليها بجحافلها فاجتاحتها اجتياحاً، وكم عانت في إخماد الثورات الدامية التي أشعلها أبناء سورية الأشاوس، وكم تحملت البلاد من ويلات ونكبات من جراء تلك الثورات التي لم تخمد نارها إلا بعد ما انكشح آخر جندي فرنسي عن البلاد. ولكن قل من يذكر أيضاً أن فرنسا لما أيقنت أنها مجبرة على ترك البلاد الشامية نهائياً، وأن صلابة الشعب السوري واستماتته في دفع بلاء الانتداب عنه قد أصابها في صميم كبريائها الاستعماري، وان الخيرات والأسلاب وما استنزفته من دماء السوريين، لا يساوي الجزء الواحد من ألف الجزء الذي أنفقته فرنسا المسيحية خلال عشرات السنين، أقول لما أيقنت حكومة فرنسا أنها مرغمة على الخروج من سورية وأنه لم يعد لها ثمة سبيل إلا سبيل الانتقام، عندها أوعزت إلى طائراتها أن تفرغ قنابلها المحرقة، وتصب حممها المشتعلة، على قلب دمشق، فسرعان ما قامت الحرائق، وشبت النار كأنها تزغرد فرحا بارتحال الفرنسيين وما عتمت تلك الحرائق أن انطفأت بد أن التهمت حيزا واسعا من دور قائمة في قلب المدينة

بهذه الحرائق شفت فرنسا غليلها من السوريين، وبهذه الحرائق أثلجت صدرها المحترق من أموية السوريين

لم يبك السوريون ديارهم المحترقة، ولم يندبوا تراث الآباء وآثار الأجداد، بل قاموا قومة رجل واحد، قومة دمشقية مبعثها العقل والجد والحب والإخلاص، فطهروا الأرض من الأنقاض، وأسسوا الأسس القويمة لمدينة جديدة، كأن مطران رحمة الله عناها بقوله:

بنوها فأعلوها فما هي غير أن ... جرت أحرف مرسومة فوق قرطاس

بدت إرم ذات العماد كأنها ... من القاع شدتها النجوم بأمراس

في قلب المدينة الجديدة ضللت الطريق، وأي دمشقي مغترب مثلي لا يض دمشق الجديدة؟ هل أحرق الفرنسيون أحياء المدينة كلها فقام الدمشقيون قومة رجل جبار يبني ما انهدم ويشيد ما احترق؟ من حدود الميدان، مسقط رأسي إلى قمة جبل قيسون، ومن مدخل دمشق حتى الباب الشرقي فالفصاع، دارات تنشق أكمامها، ودور تناطح السحاب. كيف لا أضل الطريق وقد قامت قيامة الدماشقة على الهدم والبناء؟ طي القديم من كل شيء ونشر الجديد المعتدل من المدينة العصرية، سفور عن جمال بلا تبرج، وفتنة في دمشقيات، لا من باب البربرية ولا من باب الجابية، بل من كل حي من أحياء المدينة الحافلة بمدارس تضم الطالبات والطلاب، وبكل سوق للتجارة والحدائق والمتنزهات ودمشقة في الرجال قضت المدينة الحديثة على أكثر لحاهم وعمائمهم المطرزة

أبرز مظاهر الحياة في سورية المدارس، والعمران، والمصانع، في الجامعة السورية آلاف من الطلبة تخرج منهم في العام المنصرم (173) حقوقيا وخمسة وعشرون طبيباً واثنا عشر صيدليا وخمسة عشر مهندساً وطبيباً واحداً للأسنان وستة في العلوم واثنان وخمسون في الآداب وخمسة وعشرون من المعلمين في المعهد العالي عرفت أن سبب إقبال الطلاب على دراسة الحقوق مرده إلى أمرين اثنين، الأول أنفة الشباب من أولئك المتكالبين المتهالكين على مقاعد النيابة ومكاتب الحكومة، والثاني إقدامهم على اقتحام مضمار التجارة بسلاح من علم الاقتصاد

من برز مصانع دمشق لنسج القطن والحرير الصناعي والكتان والسكر والزيت والصابون والزجاج والأسمنت ومعامل التقطير وتوليد الكهرباء وسواها لا تبهره الأبنية الحديثة على النسق الأمريكي ولا الآلات الجديدة التي تدور بلا انقطاع ليل نهار يتناوبها ثلاثة أفواج من العمال والنظار والمهندسين، ولا العدد الوفير من الإنتاج الذي يذوب أيدي صغار التجار، بل تبهره إدارة حازمة نزيهة عادلة تتولاها شبيبة سورية تملأها العين والقلب والعقل

لازمني في طوافي مصانع الشركة الخماسية في (القابون) شاب توهمت أنه أحد المهندسين أو الكتاب الإداريين، وأخذ يحدثني حديث العارف المتمكن، قال، لم يعاوننا في تشييد هذا البناء وتركيب الآلات وإدارتها بانتظام كما ترى سوى مهندسين اثنين من الأمريكان، واحد للبناء والثاني للكهرباء، أما بقية الأيدي العاملة فكلها سورية فلسطينية، وللفلسطينيين عندنا العمل المضمون والمقام المشمول بالعطف، لأن شيطان الأطماع الاقتصادية أخرجه من دياره. وإن الأقطان التي ننسجها إنما هي أقطان مزروعة في أرض سورية، وان ما ينقصنا من القطن نشتريه من تركيا لقربها منا

كان يسهب في الإيضاح والتبسيط، وكنت أنتبه إلى أقواله كانتباهي إلى درس قيم يلقيه أستاذ متمكن، ولم أقف منه سوى وقفة واحدة للسؤال عن كلمة واحدة لم أدرك معناها وهي شركة (مغفلة) وهل الغين ساكنة أم مشددة؟

استعان محدثي الظريف - وقد اصبغ وجهه بالحمرة - بالموظف المنتدب من وزارة التجارة والاقتصاد لمرافقة المغترين فقال هذا (إن الشركة الخماسية هي ذات أسهم لا تطرح في البورصة بل تبقى في أيدي أصحابها فقط، والإغفال لا يعني الترك أو الإهمال ولا الغفلة أيضا، وأن مجمعنا العلمي هو الذي أوجد هذه الكلمة للتمييز بين الشركة المساهمة الموزعة أسهمها بين أيدي الناس وبين الشركة المساهمة التي لا يجوز أن تنقل أسهمها إلى غير أيدي مؤسسي الشركة) قلت أي كلمة تقابلها بالافرنسية قال (أنونيم) قلت لا مساهمة) إذن

لم يكن محدثي الشاب اللبق المهذب وقد لازمني حوالي ساعتين، أقول لم يكن مهندسا ولا كاتبا من كتاب الشركة بل كان واحدا من الخمسة رحال المالكين لهذه الشركة ورأسمالها عشرة ملايين من الليرات

لم أستشهد بهذه الزيارة لهذه المؤسسة الوطنية بالذات، ولا بالحديث الممتع الذي سمعته من أحد أصحابها إلا للتدليل على روح النهضة الاقتصادية، وعلى الروح لمعنوية التي تسود شباب البلاد. يضاف إلى ذلك روح التحدي التي ستقنع الطامعين وتقنعهم بأن الأمة السورية قادرة على مجاراة الغرب في نهضته الاقتصادية والثقافية، وأنها ستجاريه أيضاً في نهضته العلمية، وأن السوري سيبز الفرنسوي ولا يستكين مثله إذا أنكبته النكبات. ولا يفوتني أن أقول أن المدارس الفرنسوية، والإرساليات الدينية والعلمانية تقوم بدعوتها الثقافية خير قيام، وان رجالها يعلمون جيداً أن في النشء السوري مناعة تقيهم سموم الغربيين وقد اكتووا بنارهم ووعوا الغاية من مدارسهم وإرساليتهم

أود الآن إلى الكلام الذي افتتحت به مقالي وهو كيف حاولت فرنسا إماتة السوريين فأحيتهم، وإحياء اللبنانيين فأضلتهم وموعدنا العدد المقبل حبيب الزحلاوي