مجلة الرسالة/العدد 903/رسالة النقد

مجلة الرسالة/العدد 903/رسالة النقد

ملاحظات: بتاريخ: 23 - 10 - 1950



ثقافة النقد الأدبي

تأليف محمد النوهيهي

للأستاذ أحمد أبو بكر إبراهيم

من الكتب ما يستهويك بطرافة الفكرة وجمال الأسلوب وحسن الاختيار فتقبل عليه راغبا، وإن خالفك مؤلفه أحيانا في الرأي والاتجاه. ذلك لأنالجديد الطريف يبعث فيك الشوق إلى المتابعة، ولذة الأسلوب تمتع نفسك المخلصة للفن، وحسن الاختيار يوقظ إحساسك وينبه عواطفك.

ومن الكتب ما يستل منك الصبر، ويفسد عليك حاسة التذوق للجمال؛ لأنك تجد نفسك في كل لحظة أمام رأي مسبوق أو تطويل مخل، أو فساد في التعبير، أو لغة غير مهذبة في النقد والتعليق.

وقد اجتمع في (ثقافة الناقد الأديب) للدكتور محمد النويهي من ألوان الفساد ما لو شئت أن أعدده وأفصله لطال بي الكلام وأدركني الملال، ولهذا آثرت الإشارة العابرة إلى موطن الضعف ورجوت أن أعين القارئ على الاستقصاء إن أراد ذلك، وقدر له أن يقرأ الكتاب.

ادعاء:

إلا دعاء المريض الذي لا ينهض على أساس صفة ظاهرة في المؤلف؛ فهو يحاول أن يرغمك في كثير من المواضع على الإصغاء إليه حين يثنى على نفسه ثناء لم نعهده من أكبر الكتاب، فهو مثلا يقول مخاطبا النقاد جميعا: (فليس غرضي أن أهول عليكم الأمر ولا أن أفخر عليكم فخرا مستورا بمبلغ علمي أنا وسعة إطلاعي، إنما غرضي الوحيد أن أنصحكم مخلصا بما أعتقد أنه الحد الأدنى الذي يلزمكم معرفته).

ولم لا يفخر عليهم فخرا مستورا أو مكشوفا؟! وهو واحد من عشرة في الشرق العربي، أو واحد من خمسة، أستغفر الله بل واحد من ثلاثة. أليس هو القائل: (فما أظن أن في الشرق العربي كله - من غير المتخصصين في علم الفلك - عشرة يفهمون معنى البيت المشهور لامرئ القيس: إذا ما الثريا في السماء تعرضت ... تعرض أثناء الوشاح المفصل

أو هذا البيت لأبي ذؤيب:

فوردن والعيوق مقعد رابئ ... الضرباء فوق النظم لا يتتلع.

ألم يقل في مكان آخر: (وما أظن في الشرق العربي كله من رجال الأدب والنقد خمسة يفهمون وصف علقمة للظليم الذي يبدأ بقوله:

كأنها خاضب زعر قوادمه ... أجني له باللوى شرى وتنوم

ألم يزعم أنه واحد من ثلاثة حين دعا النقاد جميعا - ما عدا الدكتور طه حسين والأستاذ العقاد - أن يمسكوا عن الكتابة والتأليف خمس سنين، حتى يتثقفوا ويعدوا أنفسهم إعدادا صالحا (فخير ما تفعلون وأجمل خدمة تستطيعون أن تقدموها للأدب، هي أن تنقطعوا عن التأليف في هذا الأدب بل عن قراءته للسنوات الخمس القادمات. وتلتفتوا فيهن إلى دراسة الأدب الغربي). أما هو فلا ضير عليه أن يؤلف (ثقافة الناقد الأدبي) لأنه ثالث ثلاثة، وقد شاء الله أن يهبه من الثقافة والبيان ما لم يؤت عيره من بني الإنسان.

وليس عجبي من هذا الادعاء بأقل من عجبي من هذه الأحكام التي يلقيها جزافا دون تحقيق ولا تمحيص، فكيف عرف أن الذين يعرفون ذلك خمسة؟ وكيف نطمئن إلى ما أصدر في كتابه من أحكام؟! بل كيف نعتده مؤلفا يرشد النقاد إلى ما يعملون؟!

تطاول ومغالطات:

إنك لتجد تناقضا عجيبا بين مسلك صاحب الكتاب وبين ما يدعو إليه؛ فبينا يثني على أحد الكتاب فيقول: (فهو يقدس كل جزء من ثقافته التي حصلها ودليل هذا التقديس واحد لا يخطأ: نظافته التامة أعني ترفعه عن المغالطة والمهاثرة، إذا بك تراه يتطاول على أعلام الأدب بكلمات لا تليق من ناقد مثقف. فاستمع إليه معلقا على كلام للأستاذين الزيات والإسكندري: (ما أشبه هذا الكلام بهذيان المحمومين وهراء المخمورين. إن كان زهير قد تميز حقا بقلة السخف والهذر، فإن هؤلاء السادة قد امتازوا بكثرتهما. . .). ويقول عن الأستاذ العقاد:

(العقاد هنا ليس العقاد الذي نعرفه، بل أشبه بصبي المدارس الذي يندفع في حرارة وجهل معا إلى إلقاء التقريرات العلمية. . .).

وأنا أسيء إلى الأدب والذوق معا، إذا ما استرسلت في تصيد المهاترات التي حفل بها الكتاب، ويكفيني هذا القدر للتدليل على الجرأة البغيضة التي لا تحدها رزانة ولا يكبحها تواضع. وظني أنه فعل ليثير أعلام الأدب فيكتبوا عن كتابه ويطيلوا الكلام ولكنهم - على ما يظهر - اخلفوا ظنه وأفسدوا تدبيره.

والكتاب بعد ذلك مليء بالمغالطات التي لا تليق بباحث ناقد قد يكون من ألزم صفاته الأمانة العلمية وتحري الحق والصدق. ومن الأمور التي تكشف عن هذه الصفة كشفا واضحا ذلك التعليق المتلوي على كلام للأستاذ السباعي:

قال السباعي شارحا لنشأة الشعر والنثر: (وهنا نسأل نواميس الطبيعة والكون وعوامل النشوء والارتقاء أيهما لذلك يجب أن يكون أسبق كونا وأقدم وجودا فيكون الجواب لا محالة ما أجبنا به آنفا من أن النثر أسبق من الشعر).

فقال المؤلف من كلام له: (لكن الذي يحيرني جدا هو أن الأستاذ سألأيضاًعوامل النشوء والارتقاء. أيؤمن هذا الأستاذ الفاضل إذن بعوامل النشوء والارتقاء؟ أولا يؤمن بالخالق؟ أولا يؤمن بأن الله خلق النبات والسمك والضفدع والثعبان والفأر والنمر والجمل والحصان والقرد والإنسان خلقا منفصلا لكل جنس منها على حدة؟ أيؤمن إذن بأن أجناس الحياة (نشأت) و (ارتقت) وتسلسل بعضها عن بعض؟ أيؤمن بأن عوامل الطبيعة المتعددة هي التي أبرزتها إلى الوجود في ألوف الملايين من السنين دون تدخل قوة إلهيه؟ وكيف يوفق الأستاذ إذن بين هذا الاعتقاد وبينما تنطق به الآيات القرآنية وما تقرره عقائد السلف؟ أما لعله من القلائل في الدنيا الذين استطاعوا أن يوفقوا بين دينهم وبين حقائق العلم؟).

إنني أعتقد أن القارئ سيقف حائرا أمام هذا الكلام لا يدري ماذا يريد المؤلف؟! أهو جاد فيما يقول مقتنع بصواب تعليقه؟ أمهو مضلل أراد الخداع والمغالطة؟ إن كان جاد فقد وهم حيث لا يجمل الوهم بمؤلف، وإن كان مضللا كانت البلية أشد وأعظم. فهل رأى أن كلمتي النشوء والارتقاء محرومتان لا تذكران في أي كلام؟ وهل رأى في ذكرهما مروقا عن الدين وإمعانا في الإلحاد؟ وهل جهل أن كل علم ينشأ ضئيلا محدودا ثم يرتقي على مر الزمان؟ أي جريمة اجترها السباعي حينما قال إن فنا من الفنون قد خضع لعوامل النشوء والارتقاء؟ وإذا كان ذلك كذلك فلم أباح المؤلف لنفسه المروق والإلحاد حيث قال (أما علوم الأحياء فتدرس نشوء الحياة وتعددها وتطورها) ثم هو يدعو الأدباء إلى تعلم هذه العلوم.

وفي مكان آخر من الكتاب يشرح أبياتا لابن الرومي ويحس بعد الشرح أنه سطا على كلام الأستاذ سيد قطب فيعتذر في ذيل الصفحة قائلا:

(كتبت تحليلي لهذين البيتين في الأسبوع الأخير من مارس سنة 1949 ثم بدأت الليلة (13 أبريل 1949 أتصفح كتاب (النقد الأدبي أصوله ومناهجه) للأستاذ سيد قطب لقراءته فستوقفتني صفحة 73 إذ رأيت فيها البيتين. . .

إلى أن يقول: (يرى القارئ من هذا أن الأستاذ سيد قطب قد رأى في الفكرتين الأساسيتين اللتين عرضتهما. . . بل يرى القارئ تشابه تعبيرينا عن نفس الفكرتين).

وربما كان التعليق على هذا الكلام مما يفسد صورته في ذهن القارئ فلنتركه هكذا واضح التلفيق بين الادعاء.

ثم هو يضع من خياله حوارا طريفا زعم أنه دار بينه وبين طالب في دار العلوم ولكنه لم يحبك القصة حبكا محكما فدلت على وضعه وتلفيفه.

قال: (قلت (أي الطالب) جميل جدا ولكن ألم تدرسوا الشعر الأموي خارج هذا الكتاب؟

قال: درسناه في كتب هاشم عطية والزيات وغيرها)

وأنا بعد أن قرأت هذا الحوار أرجوه مخلصا أن يدلني على كتاب هاشم عطية في الشعر الأموي لأنني لم أهتد إليه حتى الآن.

ولا شك في أن المؤلف قد هدف من هذا الحوار إلى غاية بعيدة؛ فقد أراد الإشارة إلى سعة إطلاعه في الأدب العربي وإحاءته بما تضمنته المراجع وألمت به الموسوعات. وأنا أشك في هذا الادعاء أو على الأقل. . أشك في استفادته من هذه المراجع: فركاكة أسلوبه وكثرة أغلاطه تؤكد في نفسي هذا الشك تأكيدا.

مصادر الكتب:

لا ننكر أن للمؤلف بعض الجهد في كتابه، ولكنه جهد يتراوح بين التفصيل والتعليق والشرح والترجمة، أما الخطوط الرئيسية في الكتاب ففي وسعك أن تردها إلى أراء الكتاب. طه حسين والعقاد والمازني. فبحوثه في الباب الأول تلتقي مع بحوث الدكتور طه حسين في كتب الأدب العربي وتدريسه بل أنها لتستمد منها الأمثال أحيانا فما مثل النويهي بأستاذه في التعليم الثانوي اعتباطا ولكنه رأى مثل ذلك في كلام الدكتور طه حسين مع خلاف يدل على اتجاهيهما فقد نزع إلى التشفي من أستاذه على حين أشفق الدكتور على أستاذيه رعاية لحقهما.

وكنت أود أن أرجع كل أصل من أصول هذا الباب إلى مكانه من كتابة الدكتور طه حسين لولا ضيق المجال؛ غير أني أشير إلى ناحية أرى من الخير الإشارة إليها لأنها تلقي بعض الضوء على مسلك المؤلف واتجاهه. فبينما يرى الدكتور طه حسين في كتابه (في الأدب الجاهلي) أن التمرس بالعلوم اللسانية كالنحو والصرف والبيان وفقه اللغة أمر لا بد منه لدارسي الأدب وناقدي نرى المؤلف لا يشير من قريب أو بعيد، بل أنه ليرى دراسة (المخ والمخيخ) من الثقافة المهمة لدارس الأدب العربي فيفصلها تفصيلا ويرى البلاغة والنحو: (من طلاسم السحر وتمتمات الشعوذة) وقد لا يبعد بنا الفهم إذا قلنا أن هذا الاختلاف بين الاتجاهين راجع إلى اختلاف الثقافتين: فالدكتور طه حسين قد درس هذه العلوم دراسة استيعاب، فهو يدرك فائدتها لنقد الكلام، أما المؤلف فلم يصب منها إلا القليل والناس أعداء لما جهلوا.

أما الباب الثاني فترجمة لا ينكر حرفتها المؤلف فقد قال: (بقلب وجل أقدمالآن على موضوعات لم أتقنها إتقان المتخصصين ولا أعرف عنها إلا ما يصل إلى المنقب المطلع متضرعا إلى الله أن يقيني مواطن الزلل. . .) ولست أدري لما عنى نفسه هذا العناء؟ أتراه ظن أن غيره من الناس لا يعلمون من أمرهم شيئا أمتراه ترجم ما ترجم ليطبقه على أبن الرومي؟

أن كانت الأولى فقدوهم أشدالوهملأنكل مدرس قد ثقف هذا العلم على جماعة من المتخصصين فلم تعد به الحاجة إلى مثل هذه الترجمة؛ وأن كانت الثانية فإننا ندرك جهده ومحاولته في إثبات ضعف الجهاز الغدي عند ابن الرومية، ولكنا ندرك مع هذا عجزه البين في هذه المحاولة فقد قال: (ولست أحب مرة أخرى أن أقحم نفسي في مجال لم أدرسه دراسة المتخصصين فأقرر أن العلة الحقيقية هي اختلال جهازه الغدي واضطراب إفرازاته فقد يكون السبب سببا جسمانيا آخر، وقد يكون سببا مركبا من علل جسمانية شتى). ونعود بعد هذا الكلام نبحث عن النتيجة فلا نرى لها أثرا فنقنع بما سبق أن عرفناه من العقاد وغيره من أن به اضطرابا عصبيا.

والمؤلف - ولا شك - معذور في هذا العجز ولكنه غير معذور في التورط والإطالة والإملال، وكان بودنا أن يدرك أن هذا الجهد لطائل تحته: فلو أن ابن الرومية عاد إلى الحياة جماعة من المتخصصين في الأمراض العصبية لما اتفقوا على رأي واحد: فما باله يحاول ما يحاول وهو مترجم (يخشى الزلل).

أما ما بقى من أبواب فتعليق على ما كتب العقاد والمازني مرة بالموافقة والأخرى بالمخالفة، وكنا نود مخلصين أن ينزع إلى الابتكار فلا يترسم خطأ أن العقاد في التشخيص و (العطف على الأقارب) و (أنواع الهجاء) وهكذا وكم كنا نود أن يدرس شاعرا أخر لندرك مكانته في السبق والاستقلال.

أخطاء:

ذكرت الكاتبة القديرة (بنت الشاطئ) في الأهرام من أخطاء المؤلف كلمات قليلة وقالت أنها في الصفحات الأولى من الكتاب؛ ثم أبدت عجبها من أن يحدث هذا الخطأ من رئيس الشعبة العربية بكلية غردون وأنا لا أريد إعادة ما ذكرته، ولا أود الاستقصاء ففيه إطالة غير محمودة؛ ولكني أذكر ألوانا من الخطأ: أذكر الخطأ الصحيح الذي لا يقبل جدلا، والشاذ الذي لا يقاس عليه، وأذكر ما لا يجوز إلا في الشعر، ثم أترك الكشف عن أسرار ذلك كله للمؤلف أن استطاع:

يقول: (فتخيلوا وأنتم تدرسون هذا العصر أنكم لستم باحثين أدبيين بل رسامون.)

وقال: (والحق أن تفسير هذه الملكة ليست ما يقوله العقاد نفسه) وقال أيضا: (إياهم إياهم أن ينسوا)

وهو القائل: (فلا تظنوا أنكم تفهمون هذه الطريقة ولا تتفنونها طالما حصرتم اهتمامكم في كتب قواعد النقد الغربي)

ومن قوله: (فلو ظلت الزرافة تمط عنقها طوال حياتها وظل أحفادها يمطون عنقهم آلاف السنين لما طالت أعناقهم ملليمترا واحدا، لن طول العنق الذي يكتسبه أحدهم من مده عنقه في حياته لا يمكن أن يرثه عنه ابنه) ومن قوله (ثم العقد الجنسية البدائية التي يقررها علماء النفس الحديثون وخصوصا الفرويديون)

ومنه أيضا: (فمعظم الكتب التي يعثر عليها هي أيضاً كتب رديئة وليست منها إلا قلة ذات قيمة)

أسلوب الكتاب:

ليس للمؤلف أسلوب محدد المعالم بين الصوى: فهو يقتبس تارة من أسلوب الدكتور طه حسين فيعلو، ويعتمد على نفسه تارة فيهبط؛ ويحاول تقليد الدكتور ثالثة فيقعد به العجز ويدركه البهر فلا يبقى في قلمه إلا كلمة (حقا) يكررها ونظائرها فتبدو شائهه قبيحة.

ولست متجنيا على المؤلف فما أعتقد أن من عشاق الأدب من يقول: (أما الدراسات الإنسانية أو ما يسمونه أنثروبولوجيا فتستلم هذا الإنسان من حيث تتركه علوم الأحياء).

ولا يعد من الكاتبين من يعلق على كاتب قال: (أنظر في حركة الرومانتيك ومنابعها وثورة أصحابها. .) بقوله: (ليس أنظر في شعر الرومانتيك. لا!). ولا أشك في أن القارئ يحتاج إلى بيان المراد من عبارة المؤلف. فلقد أراد أن يكون النظر إلى الشعر نفسه لا إلى حركته والله أعلم.

ومن الأمثلة التي توضح ضعفه في الأداء قوله: (فالحشرات والأسماك والبرمائية ومعظم الزواحف تستقل أطفالها ما أن تخرج من البيضة وتركته يفقس وحده، فلما خرج الطفل من البيضة خرج كاملا).

ومن أمثلة الضعفأيضاًقوله: (قلت في نفسي: إن قالوا هذا لفتهم إلى أن بعض هذه المقالات تدرس ليس الأدب الغربي الحديث بل الأدب القديم. .)

وقد لا تعجب بعد هذا إذا علمت أن صاحب هذا الأسلوب السقيم يفرق من الأسلوب الجميل وينعته بالضعف والرداءة فهو يسوق مثلا كلاما لأحد الأدباء جاء فيه: (في بلاد نجد وفي رباها المعشبة وأوديتها الفريضة كان ذلك الشاعر صبيا عربيا يله مع لدانه ويمرح في أعطاف الصبابين رعية أبيه، وما كان يدري أنه بعد قليل سيفضي إلى الدنيا بسر من أسرار العظمة ولا أنه سيضع على جبين الزمن ذلك الإكليل الفاخر من الخلود والشهرة. . الخ).

يسوق هذا الأسلوب ثم يقول معلقا عليه: (هذا ما يسمونه تاريخا أدبيا! بهذا الأسلوب الإنشائي الرديء الذي يذكرك بموضوعات الإنشاء يكتبها صبيان المدارس يسترون جهلهم بفن تاريخ الأدب. . .).

نعم. هذا الأسلوب يذكرنا بإنشاء صبيان المدارس ولكن قول المؤلف: (ليس أنظر إلى شعر الرومانتيك! لا) فيذكرنا بكتابة الفحول من البلغاء.

تذوق الشعر وشرحه:

المؤلف مبتدع لطريقة جديدة في شرح الآبيات تعتمد على الاستطراد وسرد الحكايات عن نفسه وأهله وضرب الأمثال الكثيرة من واقع الحياة؛ وطريقة هذا شأنها يختلط فيها الصالح والفاسد والغث والسمين وتصل أحيانا إلى الابتذال المرذول.

ولا نستطيع أن نسوق مثالا لهذه الطريقة، فالبيت الواحد يحتاج إلى صفحات، غير أنا نشير إلى أنها أشبه ما تكون بالموضوعات الإنشائية التي يطلب فيها الحديث عن بيت من الأبيات فإذا قال ابن الرومي:

طواه الردى عني فأضحى مزاره ... بعيدا على قرب قريبا على بعد

كتب المؤلف ثلاث صفحات فيها دعوة القارئ إلى تذكر الأعزاء الذين فقدهم، وفيها انتقال إلى ارتباط الأدب بالحياة وعيب على الشراح الذين يلمعون من قريب أو بعيد إلى (الطباق أو المقابلة). وفيها غير ذلك وصف لأجزاء الطفل الميت (. . . وهذه عينه وهذا أنفه الصغير الظريف وهذا فمه الدقيق الحلو وهذه رقبته البضة الرشيقة. . . الخ. . .

ثم ماذا؟ ثم كلام عن الأم عقب وفاة ابنها وذكر لكلماتها التي تقولها: (. . . مات! كلام فارغ!. . . من ذا الذي يزعم أنه مات؟ ولدنا مات! مستحيل!. . .) ويتبع هذا كلام عن خالته التي فقدت ولدها في سن العشرين استغرق صفحة ونصف الصفحة. ونعتقد أن الكثير من هذا الشرح لغو لا طائل تحته ولا يزيد إحساسنا بالحياة ولا ينبه فينا الشعور بالجمال - فالأمور التي تضمنها بدهيات لا تغيب عن عامة الناس. وكنت أود من المؤلف قبل أن يقدم على هذه الطريقة أن يكلف الطلاب كتابة موضوع إنشائي: (عن تصوير حالأمفقدت ولدها) ثم ينظر بعد ذلك إلى الآفاق التي امتدت إليها أقلامهم، وأعتقد أنه سيقنع بعد هذا بتجاربهم فيقلع عن هذا التطويل.

وإذا شك المؤلف في هذه الحقيقة فليجرب، وليطلب إليهم أن يسوقوا أمثلة يوضحون بها سوء الحظ أو معاكسة القدر وليحكم بعد ذلك على هذه الأمثلة وعلى مثاله الذي قال فيه: (وها هي زوجتي تقبل علي شاكية باكية فأضطر للتوقف عن الكتابة وأسألها ما الخطب؟ فتقول: إنها اليوم نسيت للمرة الأولى من أسابيع أن تضع على سرير طفلتنا ملاءة المطاط التي تضعها عليه وقاية للمرتبة من البلل. فتأبى طفلتنا في هذه المرة الوحيدة إلا أن تغرق السرير كله أعراقا، وهي يندر جدا أن تفعل هذا).

خاتمة:

لا أريد أن أشق على القارئ فأسرف في الإحصاء ويكفيني أن أنبه المؤلف إلى أمور مجملة أرى من الحكمة تنبيهه إليها:

أقول للمؤلف إنك أهملت كثيرا من عناصر الثقافة العربية إهمالا فلم تدع إليها ولم تتحمس لها، ثم أردت أن تخدع الناس وتشككهم في قيمة هذه الثقافة فزعمت أن الشراح من المدرسين يقفون عند الإعراب والبديع والبيان وكأنهم لا يفهمون من الشعر إلا أنه نماذج للتطبيق، ولونت هذا الزعم بالمغالطة فبدا مسلك المدرسين منفرا. ويقيني أن القراء لن تخدعهم مغالطتك ولن يخفي عليهم اتجاهك إذا وقعوا على أخطائك ولمسوا ضعف أسلوبك بل إنهم سيدركون حتما أنك واحد من الذين عناهم الأستاذ الزيات بقوله: (ولكن الغرض الذي ترمي إليه الثقافة الضحلة والدراسة السهلة هو أن يكتب الكاتب كما يشاء لا يتقيد بقاعدة من نحو ولا قياس من صرف ولا نظام من بلاغة. ولم يعرف قبل اليوم في تاريخ الآداب القديمة والحديثة من يعد في لغته كاتبا أو شاعرا وهو لا يعرف من قواعدها الأساسية ما يقيم لسانه وقلمه. . .)

ثم زعمت أنك درست عصرا وشاعرين في أدب أجنبي فكان من حقك أن تنقد وتؤلف بل تعلم الأدباء ضروب النقد وأصول الأدب، وكان على غيرك أن يمسك عن التأليف حتى يعلم ما علمت.

ونحن قد نقبل هذا الادعاء، ونزعم معك أنك أديب في هذه اللغة الأجنبية، ولكنا لن نؤمن بك كاتبا في الأدب العربي، وأنت في هذا المستوى من الثقافة العربية وهذا الضعف البادي في الأسلوب.

وأخيرا نرجو أن تطامن من الغرور، وأن تتريث حتى يكشف الواقع وأحكام الناس عن مكانتك. فلا تسرف في الفخر ولا تمد بصرك إلى آفاق لم تتزود لها بأسبابها. واعلم أن الغرور في كل عمل سر العجز وعلامة التقصير.

حنتوب - وادمدني

أحمد أبو بكر إبراهيم