مجلة الرسالة/العدد 904/ما رأيت وما سمعت

مجلة الرسالة/العدد 904/ما رأيت وما سمعت

مجلة الرسالة - العدد 904
ما رأيت وما سمعت
ملاحظات: بتاريخ: 30 - 10 - 1950



في سورية ولبنان

للأستاذ حبيب تلزحلاوي

- 3 -

أجملت في مقالي السابق بعض المسائل الهامة التي تدور في سوريا اليوم، وقد كان من الضروري شرحها وتبسيطها ليقف القارئ على حقيقتها، أما آلا وقد زالت الأسباب التي الجأتني إلى الإجمال دون التفصيل، وذلك بنقل شركات الأنباء أخبار الاعتداء على العقيد أديب الشيشكلي، زعيم الانقلاب الثالث والمؤامرة التي دبرت لرئيس الوزارة والمجلس، فقد صار من الواجب علي أن أتبسط في الشرح، لاعتقادي أن الأحداث المقبلة قد لا تقف عند حد إطلاق الرصاص على ضابط كبير، بل هي أعظم وأخطر من التآمر على حياة وزير أو رئيس.

ليست سياسة الحكم، ولا حب الاستئثار بمقاعد الحكم، ولا اختصام الأحزاب على موارد الكسب عن طريق الحكم، هي سبب الاضطراب والقلق والخوف الذي يحسه كل سوري، ولا هي العثرة في طريق الاستقرار المنشود، إنما مرد ذلك إلى نقرة قائمة بين جيلين يرى الواحد مالا يمكن أن يراه الآخر تعصبا وعنادا، وينكر عليه كل عمل يعمله ادعاء وعنجهية لا لأن أعمال هذا أو ذاك فاسدة أو صحيحة، بل لأن الجيل الجديد يعمل بروح لا تقوم للملك قائمة بدونه، وأن هذا الروح لا أثر له البتة في نفوس وعقول أبناء الجيل القديم. ومن العجب العجاب أن ضباط الجيش قد حشروا ذواتهم حشرا في هذه الخصومة الطبيعية. لا باعتبار أنهم بعيدون عن المؤثرات النفسية ودوافعها، بل لأنهم في مستوى عقلي يجعلهم غرباء عن أبناء الجيل المتقلب بين الميوعة والتحجر، وعن ابن الجيل الجديد المتوثب للعمل المجدي.

صحيح أن السوري من أبناء الجيل السابق قام بأعمال باهرة مجيدة في ميدان الكفاح والدفاع أبلغته، بعد لأي وجهاد، الغرض الذي صبا إلى تحقيقه وهو (الاستقلال) ولكن ما قيمة هذا الاستقلال - في نظر ابن الجيل الجديد - ما قدره والأهواء السياسية تتقاذفه وتتلاعب به وأن المتلاعب المساوم هو الرجل الذي دافع وكافح لنواله؟؟!!

يحسن أن نرفع اللثام قليلا لنبين طرفا من وجه المسألة المشكلة التي أحدثت النفرة بين الجيلين، أي النفرة المستحكمة بين الوالد والولد، فأن فعلنا نجد أن مسألة (سورية الكبرى) هي المشكلة الكبرى والسبب الأوحد في كل ما وقع ويقع وسيقع وسوف يقع بين أبناء سورية من جهة واحدة، وبينهم وبين أبناء العراق وشرق الأردن ولبنان، نعم ولبنان أيضا من جهة ثانية، وأن العلة أو المشكلة ستبقى قائمة ما دامت سياسة الاستعمار البريطاني لم تبلغ كل أغراضها بعد، ومادامت الأيدي (العربية) المأجورة لأجل تحقيق هذا الغرض عاجزة عن تحقيقه.

ما هو هذا الغرض الذي ترمي إليه سياسة الاستعمار البريطاني؟

ليس الرد على هذا السؤال بالعسير حتى على رجل الشارع في دمشق وبغداد وعمان وبيروت، لأن سياسة الاستعمار البريطانية التي جعلت من الوطن القومي اليهودي (دولة إسرائيل) غير المعترف بها من الدول بعد، وجعلت من لبنان (جمهورية مسيحية) ضمن سلامتها وتعهد بقاءها في وضعها الحالي، كل من إنجلترا وأمريكا وفرنسا، تريد أن تجعل من (سوريا الكبرى) مملكة إسلامية هاشمية.

من يراجع خطب المطران مبارك، بل من يراجع الكتاب الأزرق الذي رفعه السيد نوري السعيد إلى وزير الدولة البريطاني مستر كابسي، والذي تطوعت جمعية (الاتحاد العربي) في مصر بطبعه وتوزيعه على نفقتها، هذه الجمعية التي تدعو إلى (اتحاد عربي إسلامي) يرأسها المرحوم توفيق دوس باشا القبطي، ويدير أعمالها بحنكة ونشاط (الشيخ المحترم خليل ثابت بك رئيس تحرير المقطم الأسبق يعاونه الخواجه أرفش أيضا، أقول من يراجع كتاب السيد نوري السعيد يجد أسبابا اقتصادية واجتماعية وسياسية وجيهة دفعته إلى رفع تقريره إلى وزير الدولة البريطاني بشأن (سورية الكبرى) وبه يقول (. . . ويحتاج العراق إلى منفذ إلى البحر الأبيض المتوسط لنفطه ومنتجاته، وتحتاج فلسطين التي تتحول بسرعة إلى قطر صناعي إلى أسواق لمنتجاتها، وتحتاج إلى نفط ووقود لمعاملها. . ويكتفي دولته بهذه الأسباب الاقتصادية لحلف سوريا الكبرى لتمد فلسطين أي دولة إسرائيل التي تحولت إلى قطر صناعي تحتاج معامله إلى نفط العراق ويسكت عن السبب الآخر الذي يجعل من سوريا الكبرى مملكة هاشمية تقف سدا في وجه المملكة السعودية العربية التي يتحكم الأمريكان في نفطها وينعم أهلها بالدولار والذهب، ناهيك بوضع شرق الأردن السياسي ومعاهدته المعهودة مع الإنجليز، وبالفرق بين وضع سوريا المستقلة السياسي.

لقضية سوريا الكبرى جوانب أخرى خلاف الجانبين السياسي والاقتصادي، ولعل الجانب العاطفي فيها هو أكثر الجوانب حساسية لاتصاله المباشر بالدين الحنيف، ولالتصاقه بمجد العرب الذي يتشوق كل مسلم إلى استعادة عزه وسلطانه.

من هذا الجانب الحساس، يتقدم العراقي المسلم من سوريا المسلمة، ومن هذا الجانب الشعوري تتقرب وفود جمعية (الاتحاد العربي) وهم مسيحيون كما عرفت، من أبناء سورية المسلمة، ومن هذا الجانب الديني المقدس يتودد دعاة البيت الهاشمي إلى رجالات سورية؛ ولكن إلى أي فئة من أبناء سوريا يتقدم هؤلاء الدعاة وسورية كما عرفت منقسمة قسمين، جيل قديم يضع رجله في حفرة القبر وتتطلع عينه إلى متع الحياة الغرور، وجيل جديد يؤمن بمستقبله، ويعمل له، ويكافح من أجله، ويشيد بناءه لبنة لبنة، وهو مجد في تكوين ذاته تكوينا (إدولوجيا) ببعده من مخاطر الخوف والقلق واليأس، ويدنيه من الاعتماد على النفس بالتربية السياسية وتقويم الأخلاق.

هنا نرى الدعاة المأجورين يتخطرون في مشيتهم، ويشمخون بأنوفهم، ويبشون بشاشة ناصلة اللون عندما يتقدمون من الشيوخ السوريين الواضعين أرجلهم في حفر القبور يحملون لهم الذهب الإنجليزي. والجنيه الإنجليزي، والتعضيد الإنجليزي، ثم الأجر العظيم المرتقب عند الله في اليوم الآخر لكل عامل في خدمة الدين وعز الإسلام، ومجد العرب!!!

وترى هؤلاء الدعاة أنفسهم، ينكصون على أعقابهم بوجوه شاحبة كاحلة كلما حاولوا الدنو من الشباب المتعلم، الذي لا يخامره شك في أن هؤلاء الدغاة، إن هم إلا خدام أجراء لأسياد غاصبين مستترين وراء ستار شفاف (هم الإنجليز) الذين لا يريدون بهذا الشرق العربي خيرا إلا الخير الذي يعود على رس العزبة أو الإقطاعية.

هنا يصطدم الولد بالوالد في حدود التقاليد العربية وعادات الأسرة. هنا تقف الفتاة إلى جانب أخيها تشد عضده وتوازره وتسانده في رد أبيه إلى صراط الوطن، وعز القومية، وشرف الإنسانية، ودفع غائلة الأجنبي المستقوي.

هنا يقف الوالد من أولاده، يضحك من اعتزازهم بالعلم واعتزازهم به، ويسخر من جدهم في أمر الوطن والقومية، ويسخط على هذا الجيل الذي لم يتعلم ما تعلمه هو في ميدان الجهاد والمنافع.

ليست الفوارق بين جيلين، ولا اصطدم عقليتين، ولا اصطرع الأحزاب، ولا انصراف التاجر والزارع والعامل إلى عمله الخاص، ولا قرارات النواب، ولا إلزام السلطة التنفيذية الأمة بقرارات النواب، ولا وقوف الجيش يساند هذه الفئة من أبناء الأمة ويناصرها أو يخذل تلك الفئة ويتخلى عنها، ليس كل هذه الأمور مجتمعة هي التي ستدنى أو ستحول دون وقوع (شجار أهلي) منتظر مرتقب، إنما الذي سيدنيه أو يحول دونه أي دون (اضطراب داخلي) هي القوة العسكرية التي ستفرض سلطانها فرضا تعسفيا على سورية والسوريين، فتهد عرشا قوامه الآمة، وتقيم عرشا ليس في وسع الأمة إنكاره أو التنكر له، وأن هذه لا تكون حتما عراقية وأردنية ولا سورية أيضا بل تكون من المرتزقة من جميع هؤلاء، وأن موعد ظهور هذه القوة في ميدان العمل، ليس رهنا بمشيئة الأمم العربية، إنما هو رهن بالاتفاقات وتبادل المنافع، وبالظروف السائحة، وانتهاز الفرصة. وأزعم أن الإنجليز لا يخطون بسرعة هذه الخطوة الحمقاء.

هل في وسع شباب سورية الحيلولة دون وقوع هذه النكبة؟

حبيب الزحلاوي