مجلة الرسالة/العدد 924/الكتب

مجلة الرسالة/العدد 924/الكتب

ملاحظات: بتاريخ: 19 - 03 - 1951



حياة مجيدة

للسيدة وداد سكاكيني

أصدق آثار الأديب مذكراته، والذكريات ذخيرة الفكر والسنين، وصدى الحوادث والشؤون، فما أحب إلى ذوي الأقلام الحرة من اختزان المذكرات وتسجيلها، ففيها يودعون صورا تعبر عن حياتهم الخاصة أو العامة، وفيها يعربون عن تهاويل ماضيهم وهمومهم، وما اتصل بجيلهم وقبيلهم من خير أو شر، فإذا هي بعد ترتيبها ونشرها تهتز وتنبعث فتعود جديدة شائقة كما كانت حوادقها وبواعثها، قبل أن تغيب بين سمع الأرض وبصرها.

ولعل أول ما يدون أصحاب هذا الضرب من الأدب هو ذكرياتهم. وسيرة حياتهم، إذ يكتبونها من أجل أنفسهم قبل غيرهم، ورب كراسة قيدوا فيها هواجسهم وحوادثهم، فور انبثاقها أو في فترات منقطعة متتابعة كانت كل صفحة من صفحاتها صورة كامنة لأيامهم الحافلة وشؤونها المختلفة، فاستوفوا حاجتهم وإلهامهم قبل الفوات، وكانوا أمناء في تسجيل الأحداث والتجاريب وتعليل الأمور التي تجلو الحقائق وتتصل بالتاريخ

وثمة ضرب آخر من المذكرات يعمد أصحابها إلى استعادتها وكتابتها بعد أن تغيب أشباحها، وتضيع آثارها وأخبارها، فإذا عن لهم تصويرها ونشرها أخذوا يرتدون إلى الماضي وربما كان بعيدا شريدا، فيخلعون أردية السنين حتى يبلغوا أيامهم الخالية فيبعثوا الذكريات من مرقدها. ومهما هاجوا ما فاتهم منها فلن يعود ثائرا ناضرا، لأن اهتزازة الحياة وحرارة الحوادث قد أرقته بسبب النسيان والإهمال أو غياب الشعور، فيفقد القديم المستعاد الصحة والرونق ويكون له طعم الغذاء المحفوظ في علبة من حديد.

فمن الضرب الأول كتاب (حياتي) للدكتور أحمد أمين بك. وقد كان هذا الكتاب درة التأليف العربي في أدب هذا العام، إن قارئه ليشعر منذ الصفحة الأولى أنه ين يدي كاتب صريح، بعيد عن التكلف والتمويه، فلا التباس ولا تنميق ولا تبجح أو تمجد، فإذا ذكر عوامل تكوينه وأثرها في حياته وثقافته، وألاعيب القدر التي صرفت في هذه الحياة حظ صاحبها رأينا مثالا إنسانيا عظيما لطلاب المعرفة والصابرين على الصعاب حتى يدركوا بكفايتهم وكرامتهم المجد المنشود، وكأن المؤلف حين يجلي حياته ويكشف عن دخيلتها ومزاجها منذ تفتحها حتى نضجها، وما تخللها من أطوار عجيبة وفروق متضاربة يستعرض رواية حاشدة لغرائب الأحداث

لقد قرأت فيما مضى مذكرات لجبار الأدب الغربي (أندريه جيد) فأخذت بما فيها من قول صراح ولم يسلم فنه على روعته من تبرمي ولومي، إذ كان الكاتب المبدع يجور في ذلك القول حتى على نفسه فرأيته من غلاة المصارحين، والغلو في كل أمر ثقيل ممقوت. ومن قبل قرأت اعترافات الشاعر الفريد دوموسيه ففيها قص علينا كيف تردى في حمأة الهوى وتصدي لداء العصر الذي استحكم في أبناء جيله بعد أن اجتاحت الغرب أعاصير الحرب، فراح (موسيه) يصف ذلك الداء العياء ويعترف بذنبه ومصابه، مصورا بدم قلبه عبرا لا بد أن يجد فيها كل فتى صورة لحادثة من حوادث حياته. غير أن (جان جاك روسو) كان أصدق رواية وأحسن تأويلا في اعترافاته، حتى قال ما معناه: لقد كشفت لك يا إلهي عن طويتي كما رأيتها، فلو اجتمع أمثالي وسمعوا اعترافي وكشفوا عن قلوبهم بمثل إخلاصي لما تجاسر أحدهم أن يقول: لقد كنت أحسن من هذا الرجل. . .

أما كتاب (حياتي) الذي هو قصة حياة إنسان جاء إلى الدنيا لينفع الناس ويعلمهم الأدب والأخلاق فلم يكن من قبيل الاعترافات ولا من طبقة المذكرات لأنه أجل منهما وأجمل، هو سيرة (أحمد أمين) بقلمه الحر وفنه الأصيل وصدقه المعهود. ولقد تحرج أستاذنا الكبير بادي الرأي من نشر هذا الكتاب، لأنه كان يرى نفسه فيه بمنزلة العارض والمعروض والواصف والموصوف فتمنى أن يرى نفسه بمرآة غيره محكوما عليه لا حكاما ومشهودا عليه لا شاهدا، فإن - والتواضع أجل صفات العلماء - جعله يرى نفسه غير جدير بتسجيل حياته إذ لم ير لها عظمة ولا زعامة ولا بطولة، فهو ليس بسياسي كبير أو مغامر خطير لكنه وجد وسيلة لتبرير صنعه في نشر الكتاب، وهي أن عصر الديمقراطية قد كاد يغرب وتعم العالم في الشرق والغرب فكرة ديمقراطية، قد كاد يغرب وتعم العالم في الشرق والغرب فكرة ديمقراطية، وعلى كل امرئ يؤثر الحرية والخير لقومه أن يسعى إلى نفعهم، وقد وجد الدكتور أحمد أمين أن في وسعه نفع أمته بنشر كتابه لنه يصور جانبا من جوانب جيله ويصف نمطا من أنماط الحياة في عصره ووطنه، ولعله يفيد اليوم قارئا ويعين غدا مؤرخا كانت فاتحة كلامه على حياته فلسفية صوفية، والفلسفة كيف للمفكرين أمثاله، إذ كان يرى أن وجوده نتيجة محتومة لكل ما مر عليه وعلى أهلية من أحداث، ثم جعل يتغلغل في مظاهر هذا الوجود وبواطنه، حتى صار معه الرأس إلى أن يجد نفسه عالما وحده، خاضعا لعوامل التأثر النفسي والوراثي والرؤية العينية والمناهج العقلية والعلمية.

ويدفعنا المؤلف برفق وهوادة إلى مشاهدة البلدة التي نشأت فيها أسرته المصرية؛ فيصور الفلاح الكادح الذي كان يعاني العنت والاستغلال حتى أصاب أهل المؤلف لظى ذلك الجور فنزحوا إلى القاهرة وكان أبوه عالما فقيها فأحي أن ينشئه نشأته. وحين صور الأستاذ أحمد أمين أثر المدرسة التي طبعته بطوابعها وجد البيت هو المدرسة الأولى التي تعلم فيها أهم دروسه في الحياة.

ما أروع حادثة مولده ورضاعه! إنه ليصورها محفوفة بضربة قاصمة من ضربات المقدور، فقد اتفق أن نهضت أخت له في مستهل العمر لكي تعد القهوة لبعض الضيوف وكانت أمه حاملا به، غير أن النار هبت في أخته فما استطاعت أن تطفئها، ولم يدركها أهلها إلا وهي شعلة من نار، فتغذي وهو جنين دما حزينا ورضع لبنا حزينا، ويرد هذا السبب وأمثاله إلى طبيعته ومزاجه، فيتساءل: هل كان لذلك أثر فيما غلب عليه من الحزن في حياته؟

ولقد أحسست منه ذلك فيما فاضت خواطره، وفيما كنت أنصت له من حديثه، فأسمع فيه هدوء المحزونين، وأحس في سمته وفي نبرات صوته ولهجته شجوا حيرني تعليله حتى قرأت كتابه (حياتي).

ويتدرج المؤلف في مذكراته من بيته إلى المدرسة الثانية التي كانت حارثته وجيرته، ثم يتهادى إلى (الكتاب) مصورا لنا (كتابه) وشيخه و (الفلقة) المعلقة على الحائط وعصا الشيخ الذي يقولون له بمصر (سيدنا) وحين وصف لوحه تذكرت الجاحظ الذي صور لنا الشيخ في كتاب زمانه، والتلميذ وهو يمحو لوحه فقلت: إن مياسم الشرق واحدة في القديم والحديث وقد أثارت هذه الذكرى في خاطري صورا رائعة للدكتور (طه حسين) ذكرها في (أيامه) ما كان أجملها وهو يقرأ القرآن بين يدي شيخه القاسي الوقور

إن كثيرا من الناس لا يعرفون أن الدكتور أحمد أمين بك نشأ بعمامة وجبة كنشأة أترابه وصحبه من أعلام الفكر والبيان بمصر، وأنه تلقى ثقافته الأولى أزهرية مكينة تعهدها أبوه بالتوجيه والتسديد قبل أن يتلقى ثقافة القضاء والأدب ويصير إلى الجامعة المصرية أستاذا وعميدا ورائدا للباحثين والمؤلفين.

وكان لموت أبيه ومعلمه أثر عميق في نفسه اقتحم بعدهما غمار الحياة وتحمل تكاليفها بعزم وإيمان، حتى إذا انتهى من قصة دراسته ووظيفته في القضاء ثم بجامعة فؤاد قص علينا بإيجاز رحلاته إلى الشرق والغرب حتى أخذ بنا إلى صفحات سعادته بين أهله، وحين منحته الجامعة الدكتوراه الفخرية وجائزة فؤاد الأول تقديرا لفضله ومآثره، وتكريما لمجهوده السباق إلى البحث العلمي المعاصر في تاريخ الأدب العربي وتوجيه الأمة الوجهة الأخلاقية المثلى

فكتاب (حياتي) الذي خطه مؤلفه الجليل بأسلوبه الخاص سيشع منه على الأيام القابلة، والجيل العربي الصاعد مشعل للحق والخير يضيء الفكر والضمير، وينهج السيرة والتاريخ

دمشق

وداد سكاكيني