مجلة الرسالة/العدد 928/مع أبي تمام في آفاقه:

مجلة الرسالة/العدد 928/مع أبي تمام في آفاقه:

ملاحظات: بتاريخ: 16 - 04 - 1951



قصيدة النار

للأستاذ محمود عزت عرفة

المعتصم والفقشين:

لم يكن المعتصم رجل علم كأخيه المأمون، وإنما كان جنديا قديرا يحسن اصطفاء القواد وتخير رجالات الحرب. وقد وصف نفسه في بعض مجالسه بأنه (الخليفة الأمي) فلم يعد وجه الحق في شيء.

وكان موقف الدولة العباسية وعوامل تكوينها قد قضت علها أن تستجلب العناصر الغريبة إلى جيشها، من فرس وترك وغيرهما، تستعين بهم على كبح جماح العرب من فلول بني أمية وأشياع بني هاشم.

فلما جاء أبو إسحاق المعتصم أرنى في ذلك على أسلافه، حتى لأسقط أسماء العرب من ديوان الجيش مكتفيا بالأتراك والأبناء، وبجند اجتلبهم من فرغانة وأشروسنة.

ولما نبت بغداد بأولئك الجند، وآذوا أهلها وتأذوا بهم، اختط لهم المعتصم حاضرته الجديدة سامرا، وأبانهم بالأزياء الجديدة عن سائر جنده، ورفع من مراتبهم وأقدارهم، وجعل بأيديهم مستقبل الخلافة.

وكان الأفشين (حيدر بن كاوس) أحد هؤلاء الذين اصطفاهم المعتصم، وهو فارسي الأصل من أبناء أشروسنة. ولقب الأفشين كان يطلق على كل من ملك في تلك الناحية.

والثابت أن الأفشين من أبناء الملوك الذين حكموا هنالك؛ وقد كانت منزلته رفيعة لدى قومه حتى اليوم الذي قتل فيه، بل إن إفراطهم في الولاء له كان إحدى التهم التي ووجه بها وأدت إلى أن يسلب نعمته ويصلب.

ويرجع اتصال الأفشين بالمعتصم إلى ما قبل توليه الخلافة بسنوات. ففي عام 213هـ عقد المأمون لأخيه لواء الولاية على الشام ومصر. وفي نفس السنة أندلع بمصر لهيب الثورة. ووثب عرب القيسية واليمانية بعامل المعتصم فقتلوه، وهو عميرة بن الوليد الباذغيسي الذي رثاه أبو تمام بإحدى بواكير شعره وهو بمصر فقال:

أعيدي النوح معولة أعيدي ... وزيدي من بكائك ثم زيد وقومي في نساء حاسرات ... خوامش للنحور وللخدود

هو الخطب الذي ابتدع الرزايا ... وقال لأعين الثقلين: جودي

ألا رزئت خراسان فناها ... غداة ثوى عمير بن الوليد!

ومرت بمصر أحداث جسام استدعت أن يأتي المعتصم بنفسه فيسكن من ثائرها. ولما غادرها تجددت أسباب الفتنة فلم يجد بدا من أن يبعث إلى مصر بأفضل رجاله عنده وهو الأفشين. فقدمها في ذي الحجة عام 214هـ.

ولا تكاد كتب التاريخ تشير إلى الأفشين بشيء قبل أن تجري هذه الحوادث؛ فمما لا شك فيه أن تلك أول مهمة خطيرة يعهد إليه المعتصم بها.

وقد استمر بمصر يقاتل القوم في وثبات متتابعة حتى قدم إليها المأمون بنفسه في المحرم من عام 217هـ.

وتنقطع أخبار الأفشين بعد هذا. ولعله كاد في ركاب المأمون، ثم التحق بموضعه من حاشية أميره المعتصم. على أن المأمون توفى في رجب سنة 218هـ، وخلفه المعتصم بعهد منه. فخاض غمار حربين كبيرتين استغرقتا أعوام حكمه: أولاهما حرب الخرمية في الشرق، وقد انتهت بفتح (البذ) معقل بابك الخزمي واعتقاله وقتله والثانية حرب الروم في الغرب - وكانوا قد تحركوا على صدى حوادث الخرمية - وتمث هزيمتهم بفتح (عمورية) أقوى حصونهم على حدود المملكة الإسلامية في آسيا الصغرى.

وكان الأفشين هو بطل الخلافة المجلى وفارسها المعلم في هاتين السلسلتين من الحروب.

حرب الخزمية:

والخرمية قوم من المجوس كانوا يدينون بمذهب التناسخ، ويبيحون المحرمات من تناول الخمر وزواج ذوات المحارم وسائر ما تستجيب إليه الأهواء.

وكان رئيسهم جاويدان بن سهل صاحب جبال البذ، الذي خلفه عند موته بابك بن بهرام مدعيا أن روح جاويدان حلت فيه. وقد حدث هذا في سنة 201هـ والمأمون لا يزال في أوائل حكمه مقيما بمدينة مرو لم يبرحها بعد إلى بغداد.

ويقول ابن الأثير في تاريخه (الكامل) إن تفسير جاويدان: الدائم الباقي، ومعنى (خرم) الفرح. . قال: وهي مقالات المجوس. والرجل منهم يتزوج أمه وأخته وأبنته، ولذا يسمونه دين الفرح، ويعتقدون بمذهب التناسخ، وأن الأرواح تنتقل من حيوان إلى غيره.

وقد جد المأمون في حرب بابك حتى استعصى عليه أمره؛ وأشخص إليه جندا كثيفا على دفعات؛ فانهزم أمامه من قواد الخلافة على التوالي، بين ناج وقتيل وأسير: يحيى بن معاذ، وعيسى بن محمد بن أبي خالد، وعلي بن صدقة، وأحمد بن الجنيد الإسكافي، وإبراهيم بن الليث بن الفضل، ومحمد بن حميد الطوسي. وكان ذلك في الفترة ما بين عامي 204، 214هـ

ومن هنا نفهم معنى ما سجله المأمون في وصاته وهو يحتضر، لأخيه أبي إسحاق المعتصم حيث يقول: والخزمية فاغزهم ذا حزامة وصرامة وجلد، واكنفه بالأموال والسلاح والجنود من الفرسان والرجالة. فإن طالت مدتهم فتجرد لهم بمن معك من أنصارك وأوليائك. واعمل في ذلك عمل مقدم النية فيه، راجيا ثواب الله عليه.

ولم يأل المعتصم في محاربة الخرمية جهدا، فسير إليهم قائده إسحق بن إبراهيم المصعبي سنة 218هـ وعقد له الولاية على الجبال، فأوقع بفريق منهم في همذان وعاد ومعه منهم أسرى. وأعقبه المعتصم بالأفشين حين تبين له استفحال خطبهم، وانضواء الكثيرين تحت لواء دعوتهم. فأوقع بهم عند حصن (أرشق)، ونجا بابك هاربا إلى (موقان) ثم أرسل إلى البذ فجاءه جند تقوى بهم وعاد إلى حصنه.

وما زال الأفشين يتنقل من موضع إلى موضع، وهو يسد المسالك، ويستجلب الميرة، ويرم الحصون، ويبث الأرصاد والعيون، حتى أوفى على حصن البذ فحاصره، واستولى عليه في رمضان سنة 222هـ.

وقد كان لهذا النصر أثره المدوي في نفوس المسلمين، فشرقت به مدائح الشعراء وغربت تنوه بفضل الأفشين وقواده ممن أعانوه على هذا العمل الجليل.

يقول أبو تمام - باقتراح من عبد الله بن طاهر - في وصف بلاء الأفشين، وعظم تدبيره في هذه المواقع:

لقد لبس الأفشين قسطلة الوغى ... مخشا بنصل السيف غير مواكل

وجرد من آرائه حين أضرمت ... له الحرب، حدا مثل حد المناصل

وسارت به بين القنابل والقنا ... عزائم كانت كالقنا والقنابل رأى بابك منه التي لا سوى لها ... سوى سلم ضيم أو صفيحة قاتل

ويقول في مدحه بعد عودته ظافرا، من نونية مطلعها: بذ الجلاد البذ فهو دفين:

قاد المنايا والجيوش فأصبحت ... ولها بأرشق قسطل عثنون

فتركت أرشق وهي يرقى باسمها ... صم الصفا، فتفيض منه عيون

لو تستطيع الحج يوما بلدة ... حجت إليها كعبة وحجون

لاقاك بابك وهو يزأر، وانثنى ... وزئيره قد عاد وهو أنين

لاقى شكائم منك (معتصمية) ... أهزلن جنب الكفر وهو سمين

ويقول في مدح أبي سعيد محمد بن يوسف الطائي - أحد قواد الأفشين - وكان قد أنزله بموضع يقال له (خش):

أبلغ محمدا الملقى كلاكله ... بأرض خش أمام القوم قد لبجا

ما سر قومك أن تبقى لهم أبدا ... وأن غيرك كان استنزل الكذجا

أضاء سيفك، لما اجتث أصلهمو ... ما كان في جانبي تلك البلاد دجى

ويوم أرشق والآمال مرشفة ... إليك، لا نتبغى عنك منعرجا

أرضعتهم خلف مكروه فطمت به ... من كان بالحرب منهم قبله لهجا

ثم يصف مداهمته بابك في موقان حتى تخلى عنها هاربا إلى البذ، كما ذكرنا قبل:

وفي موقان كنت غداة ماقوا ... أشد قوى من الحجر الصلود

مشت خببا سيوفك في طلاهم ... ولم يك مشيها مشي الوليد

سيوف عودت سيقا دماء ... بهامة كل جبار عنيد

ويوم البذ لما يبق حقد ... على الأعداء، في قلب حقود

حططت بابك فانحط لما ... رأى أجل الشقي مع السعيد

فما ندري؛ أحدك كان أمضى ... غداة (البذ) أم حد الحديد؟

ويقول مخاطبا ابن يوسف أيضا من دالية أخرى:

عططت على رغم العدا عزم بابك ... بعزمك حط الأنحما المعضد

وموقان كان الدار هجرته فقد ... توردتها بالخيل أي تورد

حططت بها يوم العروبة عزه ... وكان مقيما بين نسر وفرقد ويخاطبه في دالية ثالثة:

تركت منهم سبيل النار سابلا ... في كل يوم إليها عصبة تفد

كأن بابك بالذين بعدهمو ... نؤى أقام خلاف الخى أو وتد

وأهل موقان إذ ماقوا فلا وزر ... أنجاهمو منك في الهيجا ولا سند

لم تبق مشركة إلا وقد علمت ... إن لم تنب، أنه للسيف ما تلد

ويقول أبو تمام في مدح أبي دلف - القاسم بن عيسى العجلي - وكان قائد فرقة المطوعة تحت إمرة الأفشين:

إن الخليفة والأفشين قد علما ... من اشتفى لهما من بابك وشفى

في يوم أرشق والهيجاء قد رشقت ... من المنية رشقا وابلا قصفا

فكان شخصك في أغفالها علما ... وكان رأيك في ظلمائها سدفا

نضوته دلفيا من كنانته ... فأصبحت فوزة العقبي له هدفا

وكان بابك قد نجا بنفسه بعد سقوط معقله، ومضى هاربا إلى بلاد الروم عن طريق أرمينية، فأذكى الأفشين وراءه العيون وبث الأرصاد في كل مكان حتى قبض عليه. وإلى هذا يشير أبو تمام بقوله:

ورجا بلاد الروم فاستعصى به ... أجل أصم عن النجاء حرون

هيهات لم يعلم بأنك لو ثوى ... بالصين لم تبعد عليك الصين!

وكان الذي قبض على بابك سهل بن سنباط - أحد بطارقة أرمينية - عند اجتيازه بأرضه متخفيا:

وأزمع نية هربا فحامت ... حشاشته على أجل بليد

تقنصه بنو سنباط أخذا ... بأشراك المواثق والعهود

ولولا أن ريحك ذربتهم ... لأحجمت الكلاب عن الأسود

ولكي نعرف حقيقة ذكر الكلاب والأسود هنا نقول إن الأفشين كان قد ألح على ملوك أرمينية وبطارقها بوجوب التحري عن كل من يجتاز أرضهم وحثهم على القبض على بابك ووعدهم في ذلك ومناهم. . فلما مر بابك بأرض ابن سنباط عرف حقيقته ولكنه جبن عن القبض عليه. فتملقه بالخضوع والطاعة واستضافه في حصنه، ثم كاتب الأفشين بخبره. فأرسل الأفشين من استوثق له من صحة ذلك ثم بعث بأبي سعيد مع جند فقبضوا عليه. ولما تحقق بابك خيانة ابن سنباط أغلظ في شتمه وقال له: بعتني لليهود بالشيء اليسير. لو أردت المال وطلبته لأعطيتك أكثر مما يعطيك هؤلاء.

ولما مضوا ببابك سير معه ابن سنباط ابنه معاوية (فأمر له الأفشين بمائة ألف درهم، وأمر لسهل بألف ألف درهم استخرجها له من أمير المؤمنين، ومنطقة مغرقة بالجوهر، وتاج البطرقة. فبطرق سهل بهذا السبب)

وقال صاحب النجوم الزاهرة: كان المعتصم قد جعل لمن جاء به حيا ألفى ألف درهم، ولمن جاء برأسه ألف ألف درهم. فجاءه به سهل البطريق فأعطاه المعتصم ألفي ألف درهم، وحط عنه خراج عشرين سنة.

أما بابك - وقد شبهه أبو تمام في بيته بالأسد - فكان مملوء النفس من كبر، مأخوذا بداء العظمة التي وصلت به إلى حد التأله. ولما وصل إلى الأفشين كتاب المعتصم بالأمان لبابك، وهو متوار قبيل القبض عليه، عرضه على بعض من استأمن إليه من أصحاب بابك - وفيهم ابن له كبير - على أن يستقصوا موضعه ويوصلوه إليه. فلم يجرؤ أحد منهم على ذلك. قال الأفشين لبعضهم: ويحك، إنه يفرح بهذا! فقال: أصلح الله الأمير، نحن أعرف بهذا منك!

ولما وصل الكتاب إلى بابك على يد اثنين ضمن لهما الأفشين النفقة على عيالهما إن قتلا - ضرب بابك عنق أحدهما وشد على صدره الكتاب مختوما لم يفضه. وفض كتابا آخر كتبه إليه ابنه يحسن له التسليم ثم أطلق الرسول الثاني وحمله إلى ابنه كلاما كله سب وإفحاش، وفيه قوله: إنك من جنس لا خير فيه، وأنا أشهد أنك بابني. تعيش يوما واحدا وأنت رئيس خير أو تعيش أربعين سنة وأنت عبد ذليل؟؟

وحمل الأفشين بابك إلى سامراء فأمر المعتصم بقتله، ثم صلب بموضع يقال له العقبة، في شهر صفر سنة 223هـ

(يتبع)

محمود عزت عرفة